قضايا

ابتهال عبد الوهاب: من الايمان الى الإقصاء.. تفكيك البنية الفكرية لخطاب الكراهية

حين يتحول المنبر الى منصة تعبئة، ويتحول الواعظ الى محرض،و يتحول الخطاب الديني الى معول لهدم المشترك الانساني. ويغدو الدين وقودا لمشاعر الخوف والكراهية، نكون امام سقوط اخلاقي لا لبس فيه. ما قاله هذا الكائن وما يحمله كلامه من ايحاء تحريضي ضد المسيحيين، ليس مجرد زلة لسان، بل عرض لمرض اعمق، مرض تحويل الدين من افق روحي جامع الى سلاح رمزي يشهر في وجه المختلف.

اخطر ما في هذا النوع من الخطاب انه يتكئ على عاطفة دينية مشروعة ليزرع في وجدان الناس شعورا زائفا بالصراع. يوهم البسطاء بان التعايش خصم، وان الوجود المشترك تهديد، وان الاختلاف الديني معركة صفرية. وهنا تكمن الكارثة، حين يختزل الوطن في طائفة، ويختزل الايمان في اقصاء.

اي تصور هذا الذي يجعل بناء دار عبادة فعلا عدائيا؟ واي فقه هذا الذي يرى في التعدد خطرا لا ثراء؟

ان الفلسفة، منذ سقراط وحتى فلاسفة التنوير، علمتنا ان الحقيقة لا تخاف الحوار، وان الايمان الذي يرتعد من وجود الاخر هو ايمان لم يطمئن بعد الى ذاته. فالقوة لا تقاس بالغاء المختلف، بل بالقدرة على العيش معه دون خوف.

التحريض على الاقصاء ليس دفاعا عن الدين، بل اساءة اليه، لان الدين في جوهره الاخلاقي وعد بالعدل لا تفويض بالكراهية. وكل خطاب يشعل نار الشك بين ابناء الوطن الواحد انما ينسف اسس السلم الاهلي باسم قداسة موهومة.

وحين نتامل هذا النوع من الأطروحات لا نستطيع فصله عن سياق اوسع، خطاب تقليدي لم يراجع ادواته، ومناهج مفخخه، ومنابر تستسهل دغدغة العاطفه بدلا من اعمال العقل. فيتحول الوعي الجمعي الى ساحة تعبئة لا الى فضاء تفكير.

الحقيقة الفلسفية ابسط واعمق، الاخر ليس مشروع خصومة، بل شرط اكتمال المعنى الانساني. والتعدد ليس صدعا في الجدار، بل هو النسيج ذاته.

ان الاعتداء على المسيحي، لفظا او فعلا، ليس انتهاكا لحق فردي فحسب، بل اعتداء على مفهوم المواطنة ذاته، وعلى فكرة الدولة الحديثة، وعلى الضمير الاخلاقي الذي يفترض ان يسمو فوق الانتماءات الضيقة.

واذا كان البعض يتوهم ان حماية الهوية تكون باقصاء المختلف، فان التاريخ يعلمنا العكس، المجتمعات التي ضاقت بتنوعها انكمشت، والتي احترمت تعددها ازدهرت. الحضارة لا تبنى على انقاض الكراهية، بل على جسور الاعتراف المتبادل.

ان المجتمع الذي لا يواجه هذا الخطاب بحزم اخلاقي وفكري، انما يتواطأ معه بصمته. والصمت هنا ليس حيادا، بل مشاركة غير معلنة في صناعة الشقاق. فالكلمات التي لا تجد من يردعها، تتحول الى افعال، والافعال حين تتكرر تصير واقعا.

لسنا امام خلاف فقهي، بل امام ازمة وعي. ازمة عقل لم يتدرب على قبول التنوع. عقل يحتكر الحقيقه المطلقه ويتوهم ان الآخر باطل، ازمة خطاب لم يراجع نفسه، فاستمر في انتاج صورة الاخر كتهديد دائم... ازمة تعليم لم يغرس في الاجيال معنى التنوع بوصفه ثراء لا خطرا.

اما الدين الذي يستدعى لتبرير الانغلاق، فهو اول الضحايا. لانه حين يفقد بعده الاخلاقي، ويتحول الى اداة فرز، يفقد روحه. وحين يفقد الوطن قدرته على احتضان جميع ابنائه، يفقد معناه.

ذهنية كاملة تحتاج الى مراجعة جذرية. مراجعة تعيد تعريف الايمان بوصفه التزاما اخلاقيا قبل ان يكون هوية، وتعريف الوطن بوصفه عقدا مشتركا لا ملكية خاصة.

لسنا في حاجة الى اصوات تصرخ في وجه التعدد، بل الى عقول تجرؤ على مراجعه أفكارها بروح نقدية، تعيد للدين افقه الاخلاقي، وللوطن معناه الجامع.

كلنا ابناء هذا التراب. نصلي بطرق مختلفة، لكننا نحلم بالامان ذاته، ونخاف على الوطن ذاته، ونستحق الكرامة ذاتها. هذه ليست كلمات عابرة، بل دعوة الى يقظة اخلاقية، ان نعيد اكتشاف جوهر الفلسفة في حياتنا اليومية، لا بوصفها تنظيرا نخبويا، بل ممارسة للعدل، وللاحترام، ولحب من يختلف عنا.

وحده هذا الطريق يخرجنا من ظلام التحريض، الى نور لا ينطفئ بالعصبية، ولا تطفئه اصوات تظن ان الله يحتاج الى من يدافع عنه بالكراهية.

وحدها الشجاعة الفكرية قادرة على كسر هذا النسق، شجاعة تقول بوضوح ان التحريض خطيئة اخلاقية، مهما تلحف بعباءة الدين. وان الدفاع الحقيقي عن العقيدة لا يكون باقصاء المختلف، بل بترسيخ العدل، واحترام الانسان، اي انسان

كلنا بشر قبل ان نكون طوائف، وكلنا نحمل في قلوبنا الخوف ذاته والرجاء ذاته. نختلف في صلواتنا، في طقوسنا، في مفردات ايماننا، لكن يجمعنا احتياج واحد الى الامان، والعدل، والكرامة.

كلنا ابناء هذا الوطن، تربطنا شوارعه وذكرياته واحلام ابنائنا. يجمعنا الخبز ذاته، والهواء ذاته، والقلق ذاته على غد افضل. لا احد يملك وطنا بمفرده، ولا احد يختزل الله في جماعته. الوطن يتسع لنا جميعا، والايمان يسمو بنا جميعا حين يتحرر من الكراهية. فلنجعل ما يجمعنا اقوى مما يفرقنا، وما يوحد ضمائرنا اعمق من كل خطاب عابر. لان الانسان، في جوهره، لا يكتمل الا بالإنسان.

***

ابتهال عبد الوهاب

في المثقف اليوم