قضايا

بتول فاروق: الأمومة تحت التعاقد - الكلفة بدل الإنسان

(قراءة نقدية (للمادة٨٠) من مدونة الأحوال الشخصية لسنة ٢٠٢٥، في العراق)

في المدونة " الجعفرية" التي أقرت ٢٧/ ٨/٢٠٢٥ في البرلمان العراقي، في الفصل التاسع منها، المادة ٨٠ ذكرت الآتي:

" الأم أحق بإرضاع ولدها من غيرها، فليس للأب تعيين غيرها لإرضاع الولد أو إرضاعه بالحليب الصناعي إلا إذا طالبت بأجرة وكان يتيسر له إرضاعه على وجه آخر بكلفة أقل أو بدون كلفة. ويستثنى من ذلك إذا كانت مصلحة الولد تقتضي أن يرتفع من لبن أمه وطالبت الأم بالأجرة المتعارفة وكان للولد مال أو لم يكن له مال ولكن كان الأب موسرا، فأنه يتعين عليه عندئذ إيكال الإرضاع اليها ودفع الأجرة لها." (١)

هذا النص من المدونة يثير الكثير من الأسئلة وعلامات الاستفهام، الذي مثّل نموذجا لإخفاق التقنين الفقهي المعاصر في تجاوز بنيته المعرفية والفكرية السابقة ودخوله لهذا العصر، فالمادة تتحدث عن رضاعة الطفل عبر استئجار لبن الأم، وهنا أعادت إنتاج الأمومة بوصفها وظيفة خاضعة للتفاوض، وليس علاقة إنسانية، تابعة للكرامة، لكون الأم ذاتا أمومية كاملة الأهلية والاعتبار.

فلايمكن قراءة هذه المادة من المدونة بوصفها نصا فقهيا محايدا، بل يمثل نصا يعيد إنتاج هيمنة "أبوية" قديمة داخل قالب قانوني معاصر، يكشف عن استدعاء "حرفي" لمنطق فقهي تشكّل في سياق تاريخي مختلف جذريا عن الواقع الاجتماعي والحقوقي المعاصر، فالام غير مستقلة اقتصاديا في الغالب، والطفل ينظر اليه بوصفه تابعا لولاية الأب، والأمومة وظيفة اجتماعية طبيعية، لاتؤطر باعتبارها علاقة حقوقية قائمة بذاتها، الأبوة فقط هي من تشكل العلاقة.

فالقانون ينظم جسد الأم ودورها الأمومي ويصفه بكونه خدمة قابلة للتفاوض والمقايضة والمناقصة ولذا تم أدراج الإرضاع من منطق المعاوضة، لاعلاقة إنسانية مؤسسة لذات الطفل والأم معا.

تكمن الخطورة في هذا النص بما يعلنه صراحة وما يضمره أيضا، فالأم ليست صاحبة حق بل صاحبة وظيفة والوظيفة لاتحمى الإ أذا كانت أقل كلفة.

فالتحليل المعرفي للمادة يتحدث عن منطق الوظيفة لامنطق العلاقة:

- الأم أحق بالإرضاع بشرط عدم مطالبتها بأجرة أعلى.

- الأب له حق استبدالها إذا وجد خيارا أقل كلفة.

- الأم لها دور المنفِّذ وليس الشريك في القرار، وهذا يعكس رؤية معرفية ترى أن الأمومة غير مستقلة عن الإعتبار المالي.

- الرابطة العاطفية والوجدانية بين الأم والطفل غير معترف بها تشريعيا.

هذه المادة تسأل ما الخيار الأقل كلفة على الأب، في رضاعة طفله؟، وليس ما الذي يحقق النمو النفسي والوجداني والعاطفي للطفل؟. أنها مادة تعالج مسائل الأب المالية لذلك صارت تدرس في أبواب النفقة والإجارة وليس في باب الحقوق الخاصة بالطفل والأم.

هذا الأنزلاق المعرفي يحول الامومة الى عقد منفصل عن الرابطة الإنسانية ويجعل استمرارها مرهونا بقبول الأم بشروط السوق، من حيث سعر أقل وقابلية للأستبدال وخضوع لقرار الأب، وهنا لاينظر للأمومة بأنها ممارسة وجودية متجذرة في الجسد والوجدان، بل بوصفها مهارة أو حرفة يمكن الاستغناء عنها إن وجد بديل أرخص. وهذا تشييء واضح للجسد الأنثوي حين يصبح الحليب موردا أقتصاديا لا أثر له في تشكيل الهوية النفسية للطفل.

وللتحليل أكثر:

- المادة تعيد انتاج السيادة الأبوية المطلقة:

تمنح المادة (٨٠) الأب سلطة تقريرية شبه مطلقة، فهو من يحدد إستمرار الإرضاع من عدمة ويقارن بين كلفة الأم والبدائل من حليب صناعي أو مرضعة، (قد تكون زوجته الثانية)، وله حق الإقصاء إذا لم ترضخ الأم لشروطه، وهذا يرسم صورة لسيادة الرجل المطلقة الذي نظر اليه على أنه: يحسن تقدير المصلحة للطفل وهو الذي يملك الموارد بما فيه الطفل،

بينما يتم النظر للأم بكونها أجيرة قابلة للتفاوض وخاضعة للمساومة المادية بوصفها أجيرة، فالمادة القانونية كانت تحمي الأب من الاستنزاف المالي حتى لو كان على حساب كرامة ومشاعر الأم واستقرار الطفل.

- أين مصلحة الطفل؟

بالرغم من ورود عبارة " مصلحة الولد "، الا انها تحمل مفهوما بلاغيا أكثر مما هو مصلحة فعلية للطفل، ذكر لتبرير منطق أقتصادي للنص، فالمصلحة هنا لم تذكر أو تُفهم بوصفها: حاجة الى التعلق الآمن بالطفل وضرورة الاستقرار العاطفي وعلاقة غير مشروطة بالمساومة، فهي اختزلت في كفاءة الإرضاع البايلوجي فقط، وهذا يبين الفصل القسري بين الجسد والعاطفة، فالفقه في الغالب يعترف في قضايا النساء بوظائف اجسادهن دون الأعتراف بذواتهن.

في هذه المادة يلاحظ غياب مفهوم المصلحة النفسية للطفل باعتباره وصفا مستقلا. فماهو غير قابل للقياس يقصى من دائرة الاعتبار الشرعي كما لو كانت هذه المعاييرغير موجودة شرعا.

- حين يتحول غير القابل للقياس الى غير معترف به تشريعيا:

الفقه في صيغته التقليدية يميل الى الاعتراف بالحقوق التي يمكن تحديد موضوعها وضبط آثارها وترتيب ضماناتها كالنفقة والإجارة والرضاع بوصفه فعلا ماديا أما الابعاد النفسية- كالأرتباط الوجداني والأمان العاطفي والتعلق المبكر- فهي عناصر غير قابلة للقياس الكمي، فلم تدخل ضمن منظومة الأحكام الإلزامية. فما لم يتم تحديده أو إثباته فورا أو ضبطه بأثر قانوني مباشر يعامل كما لو كان معيارا غير موجود.

هذا الإقصاء- ربما -ينبع من قصور في أدوات المعرفة المعتمدة أذ لم يمتلك الفقه التقليدي (المدرسي) جهازا مفاهيميا يسمح بتحويل الخبرة النفسية الى قاعدة حكم، فتم استبعادها لصالح مايمكن ضبطه فقهيا، فالفقه لم ينكر بالضرورة القيمة النفسية بل عجز عن تمثيلها معرفيا. مما أدى الى أختزال قسري للإنسان، فالطفل لم ير ككائن نفسي في طور التشكل، بل كجسد يحتاج الى غذاء ونسب ونفقة. وكل ما لايندرح تحت هذه العناوين يعد فائضا، يقصى الى خارج دائرة الفقه. ولذا سيكون مضمون " مصلحة الطفل" ماديا إجرائيا لا مصلحة إنسانية شاملة. ولذا يفسر حضور الطفل في النصوص الفقهية بوصفه موضوعا للولاية والتصرف لا ذاتا لها حاجات نفسية مستقلة. فالفقه الرسمي المنتج لايسأل: كيف يتأثر الطفل بفصله عن أمه ؟ بل يسأل من يملك الحق؟ ومن يتحمل الكلفة ؟

هذا النمط من التفكير يكشف عن هيمنة العقل الأداتي، حيث تختزل المسائل ومنها العدالة في قابلية التطبيق، لافي تحقيق الخير الإنساني.

وهنا صارت القابلية للقياس من كونها أداة تنظيم الى شرط للاعتراف بالوحرد القانوني.

والاشكالية الحقيقية تكمن في تقنين هذا المنطق في نصوص حديثة، فلم يعد منطقا فقهيا نتاج عصره بل يصبح موقفا تشريعيا مقصودا يتجاهل تراكم المعرفة النفسية والإنسانية المعاصرة، التي اثبتت أن الإضطرابات النفسية المبكرة خطرة للغاية ولاتقل أثرها عن الحرمان المادي.

وهنا نصل الى سؤال خطير: هل الفقه الذي قُنن حديثا كان مهتما لحماية الطفل والانسان أم كيّف القانون قسرا بحسب حدوده المعرفية بغض النظر مأذا كان يخدم الإنسان أم لا؟

أن العدالة ومصلحة الطفل لاتقاس بل تُدرك آثارها بعمق.

- العنف ضد الأم:

أن العنف الرمزي: هو ذلك العنف الذي يمارس بموافقة الضحية أو تحت غطاء الشرعية (٢)

والمادة ٨٠ تمارس هذا العنف بشكل واضح، لأنها تقنع الأم أن حقها مشروط، وتقنن شعورها بالذنب أن طالبت بأجر، ويصور مطلبها بالأجر عبئا ماليا لا حقا إنسانيا، وبذلك يتحول النص من تنظيم قانوني الى أداة تأديب اجتماعي يجعلها تلجأ الى الطاعة الصامتة. مع الغاء العمل العاطفي غير المرئي الذي تقوم به وهو عمل لا يعترف به الا أذا كان مجانيا.

- التقنين من الفقه أداة لجعله جامدا على وضع غير منصف بالضرورة.

تكمن خطورة المادة من كونها مقنّنة أي محصنة ضد التعدد الاجتهادي، فحين يتم نقل الفقه الى مدونة حديثة دون مساءلة معرفية يتحول الاجتهاد الى " دوغما " قانونية، يجبر النساء على العيش وفق تصورات لم تُتج لزمنهن ولا لأجسادهن، قد تجرد الأم من إنسانيتها وتقدم الأب كمعيار للعدالة.

وهنا تصبح الأم في مسألة الرضاعة صاحبة حق هش لا صاحبة حق ذاتي، بل تابع لمدى امتثالها لشروط النظام المالي الأبوي.

- تحيز لغوي بنيوي:

حيث لاتملك المرأة لغة تعبر بها عن الضرر النفسي، دون أن تتهم بالمطالبة الزائدة. وتشير اللغة في المادة الى تشييء مزدوج، فجيد الأم كنصدر للحليب، وتشييء الطفل كمحل تغذية. ٣)

وفي النهاية يمكن تلخيص الموقف من المادة ٨٠ المتعلقة بالأرضاع والمستمدة من الفقه، عند تحليل لغتها تكشف أن تغييب المصلحة النفسية للطفل ليس فراغا عارضا بل نتيجة لاختيار معرفي ممنهج يربط الاعتبار الفقهي بماهو قابل للقياس المالي والإجرائي، وعندما تُنقل هذه اللغة حرفيا الى مدونة معاصرة، فأنها تحوّل فهم الماضي الى إلزام قانوني في الحاضر، ولايخضع لتعددية الاجتهادات ويكون ملزما في أي حال.

***

ا. د. بتول فاروق

.......................

الهوامش:

- تستمد هذه المادة من كتب فقهية إمامية معروفة:

الشيخ الطوسي، المبسوط في فقه الامامية ج٤ العلامة الحلي، تذكرة الفقهاء، ج٢

المحقق الحلي، شرائع الإسلام، ج٢.

النجفي: جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام، ج ٣١.

- بورديو، الهيمنة الذكورية، ، مجلة جامعة ستانفورد، ٢٠٠١م، ١-٤.

- فيرينا آبيشير، النساء واللغة التصورات الاجتماعية للاختلاف، ترجمة د قاسم المقداد، المقدمة.

كذلك: اللغة العربية ودعوى تحيّز ضد المرأة، مجلة نزوى الالكترونية، nizwa.com, في ١/ أبريل ٢٠١٤.

في المثقف اليوم