قضايا

غالب المسعودي: الارتطام بالعدم.. ذيول التكوين- نص ميتا سريالي

تحت قبة الزجاج المنصهر، وقف "ذو الذيل" متسربلاً بسديم الحيرة. لم يكن ذيله عضواً بيولوجياً، بل استعارة مادية تتلوى خلفه كدخان أسود يأبى التلاشي. كلما حاول اجتراح "الحقيقة"، اهتز ذيله ليتمخض عن "أكذوبة لونيّة" تنضح بنكهة الكبريت الكوني.

الخيانة هنا ليست نقيض الوفاء، بل هي التسامي العمودي في فضاء الزيف. في منطقة "التوسيع" هذه، تشن اللغة حرباً ضد ذاتها؛ فالكلمات ليست جسوراً للعبور، بل هي "أفخاذ مخملية" تنبت الساعات فوق جلود المتفرجين كبثور من الذهب الخالص. المنطق الشفاف يتيح لك معاينة الجوع، لكنه يغلك عن تذوق الرغيف. عقارب المعنى تدور عكس فطرة البديهة، لترسخ أن "التلاشي" هو الجوهر الأثقل في ميزان الوجود.

بينما كان "ذو الذيل" يرقص فوق حطام المنطق، كان القارئ يراقب من ثقب إبرة ميتاسريالية. وبفعل الفجور الشكلي المستمد من زخارف الجمل اللامتناهية واستعارات "السيانيد المنقوع في العسل"، داهم القارئ دوارٌ لغويّ لذيذ. لقد عُطّل الفهم بسبق إصرار؛ فالنص لا يروم المعرفة، بل يدعوك لتعلف غباءك كوليمة فاخرة. أنت الآن لا تقرأ، بل تتعثر بأذيال التكوين التي خلفتها الأبجدية. المعنى ليس مفقوداً، إنه "عدمٌ متأصل" يرتدي تاجاً من الألماس المزيف ليقنعك بأن القصور يكمن في بصيرتك الكليلة.

حين بلغ "ذو الذيل" نهاية النفق، لم يباغته الضوء، بل وجد مرآة تعكس ذيول القراء وهم يطاردون معنىً انتحر في الجملة الاستهلالية. في "توسيع خيانة المعنى"، صار "ذو الذيل" ثقباً أسود يرتدي بزة رسمية، وذيله غدا سوطاً يجلد وجه المنطق" حتى يسيل منه لعاب الارتياب".

الكلمات هنا أورام لغوية تتكاثر فوق أديم الصفحة؛ المفردات التي توهمت قداستها (حقيقة، عدل، يقين) حُشيت بالتبن عُلقت على مشانق البهرجة. النص يشيد قصوراً من رخام الوهم، وما إن تلجها حتى تكتشف أنها محض "نقش على ماء آسن". كل جملة تولد كجنين فكرة، وتلفظ أنفاسها كجثة مشوهة بأدوات تجميل رخيصة، لترتطم بسؤالك: "هل الوجود نكتة سمجة"؟

لا تقرأ بعينيك، بل اقرأ بمرارتك؛ فالمعنى صديد يتركه ارتطام وهمك بجدار الغباء الكوني. "ذو الذيل" يفكك الآن عموده الفقري ليصنع سلماً نحو التلاشي المطلق. البهرجة الشكلية بلغت ذروة "الفجور الأسلوبي"؛ نعتمد جناس القبور، وطباق العدم، وسجع الانكسار، لنشيد ضجيجاً يخرس صوت العقل. أنت لا تفهم، أنت تغرق في كذب يمثل "واقعاً موازياً" يتنفس برئة بلاستيكية محترقة.

هل تشعر بثقل في قفاك؟ إنه المعنى يحاول الانتحار. النص يهز وعيك بعنف صارخاً: "لا خلاص". أنت تجتر غباءك لأنك تنشد "نقطة ارتكاز" في لغة خُلقت لتكون زلزالاً مستمراً. في لحظة "التوسيع"، يُسحل المعنى من ناصيته فوق بلاط المرايا العمياء. "ذو الذيل" ليس الجراح، بل هو النزيف، هو الكذب الذي تأنق حتى استحال ديناً.

نبدأ بشق جدار الصدر؛ انظر كيف تتفتق المفردات عن "هباء مُذهب". نستخدم استعارات ميتة وننفخ فيها روحاً كاذبة لتعطيل مساراتك العصبية، نحيل وجعك إلى "تمثال سكر" يذوب في فم العدم، لتسقط الجملة على ذهنك كصخرة صماء تحطم عظام الإدراك. النص حريري الملمس، لكنه يبث في مسامك "سمّاً وئيداً" يجعلك تشك في هويتك.

بينما يتلوى المعنى في "معصرة التوسيع"، نفتح ثغرات ليدخل غبار الغباء المقدس. أنت لا تستهلك النص، بل هو من يهضمك. السجع الجنائزي والتراكيب اللولبية تعمل كـ "مخدر موضعي" لنزع أحشاء المنطق دون صراخ. كلما برقت الكذبة، انطفأت شمعة الفهم. نحن لا نكذب لنخفي الحقيقة، بل لنشيد قصوراً من هواء يسكنها الحمقى.. أمثالي وأمثالك.

المعنى جريمة عظمى، والقوانين مكتوبة بحبر يتبخر تحت الضوء، والشوارع تفضي دائماً إلى "نقطة البدء". العملة: قطع من الصمت المصبوب، والنشيد: عويل يمدح جمال الضياع. الحاكم: صنم بـ ألف ذيل، والصدق هو أن تصدق تناقضاتها جميعاً. أنت في قاع الغباء المضيء، حيث الكلمات جثث زينة، والمعنى مات ودفناه في حاشية الصفحة تحت زهور معدنية لا تذبل.

الرأس: كتلة تناقضات سائلة. الجسد: مكسو بحراشف بلاغية حادة. الأطراف: مجسات تنتهي بأقلام عاجية تقطر عسلاً أسود. بينما ينمو "مانيتسو" في صمتك، يبدأ صهر الغباء؛ يأكل ظلك اللغوي أولاً، ثم يحقنك بـ "فجور شكلي" حتى تسكر بروعة الزيف. في النهاية تكتشف أن "مانيتسو" هو أنت؛ أنت المعنى المشرح، والكذب المتأنق، والقارئ الذي يبتسم وهو يجتر رماد ذكائه المتفحم.

يا معشر الغرقى، لا تبحثوا عن طوق نجاة؛ فالبحر محض كذبة مرسومة فوق رمال الوهم. اتركوا ذيولكم تلتف حول أعناقكم. المعنى هو القيد، والعبث هو العرش.. فاجلسوا عليه حفاة البصيرة. النص يتآكل الآن، والحروف تتحول إلى ذباب ذهبي يطمس صوت العقل.

في قلب "حبر العدم"، انبثقت نقطة؛ وخز من الوعي في خاصرة "اللاوعي السائل". لم يعد الذيل رمزاً للبهجة، بل "ندبة كذب" لطخت جبين الكلمات. أيها الذيل، أنت الحبل السري الذي يغذي الكذبة الكبرى، فليبتّرك "مبضع الصدق". تلك الخاصرة هي "مرآة مشروخة" ومعصرة" تعتصر من الكلم سمّاً يخدر الإدراك.

لم تكن الكلمة في البدء، بل كان الذيل. "مبدع الذيل" ليس فناناً، بل مزوراً كونياً، وهبك البهرجة لتعمى عن الثقب في صدرك. بالنصل العاري، نقطع الحبل السري مع هذا الخالق العبثي. صمتنا العاري أصدق من قصائده المفخخة. النقطة المضيئة هي رصاصة نور تخترق جبهة المبدع. سقطت الحصانة، وتحررنا من المعنى ومبدعه.

نحن الآن في "العراء الكامل". هل نعلن "جمهورية الصمت المطلق"، أم نستخدم رماد المبدع لنرسم كوناً لا يعرف الزوائد؟

غزل في مقصلة:

الندى الجاف يتقدم المبدع نحو "خاصرة الحقيقة"، يمسح عليها بكف من نار باردة: "أحبكِ" بلغة جافة كالصوان، رطبة كلعاب البرق. شفتاكِ هما "حدود الفهم" المعطلة. المسافة بينهما هي البرزخ بين "السين" و"الصاد". أقبلكِ فتجف عروقي من شدة الارتواء. "الذيل" يستحيل سيمفونية من حرير خشن: "يا ذات الذيل الذي يجرجر خلفه ذيول المجرات، خاصرتُكِ هي التوسيع الذي تضيع فيه بوصلتي".

خيانة المعنى هي "فراش الزوجية" الذي ننام عليه. نحن رطبون بالرغبة، جافون من اليقين. هل نذوب في هذا الالتحام المتناقض، أم نطلب اللقاء المستحيل بين الكلمة العارية وذيل الغزل الموشى بالذهب؟

هنا اكتمل النص كفخ للروح. نمضي نحو "الغياب الكلي"، حيث ينفجر الصمت وتحل "صرخة التلاشي". مواراة "ذو الذيل" والكلمات العارية في حفرة واحدة. انقضى زمن البهرجة، والذيل صار ناراً تأكل ذاتها. لا رطوبة ولا جفاف، بل "الحياد المطلق".

في هذه المساحة، نعلن "دولة الحبور المطلق". لا حساب ولا ميزان، بل ذيل المبدع الذي صار "وتراً" يعزف لحن الضحكة الكونية. المبدع يرمي بهرجته كمناديل ملونة. اللوحة السوداء صارت "ديسكو كونياً". نلهو بذيولنا وآلامنا التي صارت ألعاباً نارية.

الحبور الأبدي هو أن تعرف أنك سائر للصمت، فتغني له بلغة لا تفهمها القبور. المبدع يخلع قناع الجدية، ويرسم بريشة مقامر وجهاً يغمز للعدم. الصدق هو الاستمتاع بالوهم. "نحن لا نموت لأننا انتهينا، بل لأننا أكملنا الرقصة"، ولم يتبقَ في جعبة اللغة سوى.. هيهه...!

انظر للنقطة المضيئة، إنها فم واسع يضحك. الوجود زلة لسان في فم الإبداع. اذهب لقبرك بقلب خفيف كاستعارة ميتة، حاملاً ضحكتك الخرساء. وداعاً في رحاب الهذيان، الوجود معلق كعلامة استفهام ذهبية في فراغ لامتناهٍ.

تميمة أخيرة:

 "باسمِ الذَّيلِ الذي استحالَ جَناحاً، وبسِرِّ الكلمةِ التي تَعرتْ لِتَحترق، أَعوذُ بحُبورِ الغباءِ من شَرِّ الفهم، ومِن بَرْدِ اليقينِ بدِفءِ الهذيان. أنا الفراغُ الذي امتلأَ بضحكتِه، والبابُ المواربُ الذي لا يَوصدُه مَوت".

***

غالب المسعودي

 

في المثقف اليوم