قضايا

حمزة مولخنيف: الخلود الممزق

الموت الرقمي والذكرى في عصر الشبكات الاجتماعية

في عالم اليوم حيث تتشابك الحياة الواقعية بالفضاء الرقمي، نجد أنفسنا أمام ظاهرة جديدة تتحدى كل المفاهيم التقليدية للموت والخلود والذكرى. لقد صار الموت الرقمي أكثر من مجرد استعارة: هو حقيقة وجودية متغلغلة في نسيج حياتنا، في حيثيات علاقاتنا الاجتماعية، وفي طرقنا التي نحتفظ بها بما خلفناه من صور وكلمات وذكريات على الشبكات الاجتماعية. لم يعد الموت محدودا بالغياب الجسدي أو الحنين إلى الماضي في الذاكرة الجماعية، بل أصبح امتدادا رقميا يتجاوز حدود الزمن، متصلاً بشكل دائم بكل شبكة تربطنا بالآخرين، كما لو أن الخلود نفسه قد وُضع في حزمة بيانات لا تنتهي.

لقد تأمل الفلاسفة منذ القدم في مفهوم الخلود، ولكن هذا التأمل كان دائما محصورا في بعدين: الأول هو البعد الروحي أو الديني، حيث يرى الإنسان أن النفس تخلد بعد الموت؛ والثاني هو البعد الاجتماعي أو الثقافي، الذي يخص بقاء الإنسان في ذاكرة الآخرين، أو في إنجازاته وأعماله. أفلاطون في كتابه فيدون، جعل الخلود مرتبطا بالأفكار والروح التي تنجو من الجسد بعد الموت، بينما أرسطو ركّز على الإرث والذكرى كوسيلة لامتداد حياة الإنسان بعد فناء جسده. في العصر الحديث، ومع الفكر الوجودي لهيجل وسارتر، نلمس قلقا متزايدا حول الموت كفناء حقيقي، وحول غياب معنى للذكرى إذا لم يكن هناك تفاعل مستمر معها.

لكن الشبكات الاجتماعية قلبت هذه المفاهيم رأسا على عقب. فقد جعلت من الذكرى ليس مجرد أثر يتركه الإنسان في محيطه الاجتماعي أو الثقافي، بل أصبحت كيانا حيا يتفاعل ويتراكم بشكل شبه مستقل. فعندما يموت شخص تستمر حساباته على فيسبوك، إنستغرام، تويتر، تيك توك، وغيرها، في الظهور ككيان رقمي يتلقى الرسائل ويشارك الذكريات، ويصبح جزءا من ذاكرة الآخرين بطريقة لم يعرفها التاريخ من قبل. هكذا، صار الإنسان ميتا جسديا، لكنه حيّ رقميا، حضورا لا يمكن تجاهله في فضاء افتراضي دائم، يشبه إلى حد ما الخلود الذي تحدث عنه نيتشه حين وصف الإنسان الذي يترك أثره في التاريخ كجزء من إرادة القوة، لكن هنا الإرادة لم تعد قوة مجردة، بل قوة تقنية تضمن استمرار الصوت الرقمي بعد الصمت المادي.

إن هذا الوجود الرقمي بعد الموت يطرح سؤالا جوهريا: هل ما يظل من الإنسان في الشبكات الاجتماعية هو امتداد حقيقي للذات، أم مجرد نسخة مطابقة تُدار من قبل الخوارزميات؟ هل تظل الذكرى كما كانت نابضة بالحياة، أم أنها تتحول إلى صدى رقمي بارد، يكرر الأحداث بلا وعي؟ هانز جورج غادامير، في فلسفته التأويلية، يشدد على أن فهمنا للآخرين وللزمن يعتمد على التأويل المستمر للمعنى، وهذا التأويل يضع الموت الرقمي في منطقة غامضة: فالذكريات الرقمية ليست مجرد نصوص محفوظة، بل نصوص يتم قراءتها وتفسيرها باستمرار من طرف الأحياء، الذين قد يحرفون المعنى، أو يضيفون عليه أبعادا جديدة، بحيث تصبح الذكرى الرقمية كائنا مستقلا يتعايش مع الزمن بشكل مختلف عن الذكرى التقليدية.

تتعدد مظاهر الموت الرقمي، لكن أكثرها وضوحا يكمن في الطريقة التي تُدار بها الحسابات بعد وفاة صاحبها. ففيسبوك على سبيل المثال، يتيح تفعيل وضع "الحساب التذكاري" الذي يحافظ على بقاء الملف الشخصي، ويتيح للأصدقاء كتابة منشورات تكريمية، بينما تُمنع التعديلات على المحتوى الأساسي. يبدو هذا كإشارة إلى محاولة إعادة إنتاج معنى الخلود في الفضاء الرقمي، لكن مع قيود صارمة تجعل الإنسان ميتا جسديا، وحاضرا جزئيا رقميا. هو حضور محدود لكنه مستمر، وكأنه يُقال لنا: "أنت غير موجود، لكن صدى حضورك سيستمر"، وهو ما يذكّرنا برؤية هيجل للموت والحياة، حيث يظل الإنسان حاضرا في التاريخ والروح الجمعية، لكن هنا الفضاء التاريخي أصبح رقميا مفتوحا على الزمن بلا حدود.

الفلاسفة المعاصرون بدأوا يلحظون هذا التحول العميق. جورجيو أغامبين، في تحليله لمفهوم "الحياة العارية"، أشار إلى أن الإنسان في العصر الحديث صار معرضا لأن يكون موضوعا للبيانات أكثر من كونه كيانا حيا. الموت الرقمي هو نسخة من هذا الواقع، الإنسان يفقد جسده لكنه يستمر كبيانات، كصور، كتعليقات، كحسابات، وكأن الحياة أصبحت مرتبطة أكثر بما يُسجل عنها، وليس بما يعيشه الشخص بالفعل. هذه الظاهرة تعيد صياغة علاقة الفرد بالمجتمع، وتجعل من الذكرى الرقميّة نوعا من "الخلود التقني" الذي يختلف جوهريا عن الخلود الروحي أو الثقافي التقليدي.

في المقابل، يبرز الجانب النفسي والاجتماعي للموت الرقمي. فالذكريات الرقمية تمنح الأحياء شعورا بالاتصال المستمر بالراحلين، وهو شعور يختلف عن الفقدان التقليدي. وهنا يلتقي الإنسان بالآخرين في فضاء افتراضي، حيث تتفاعل الذكريات وتتجدد باستمرار، كما لو أن الموت لم يحدث فعليا. هذه الظاهرة ليست بريئة، فهي تغير طريقة الحزن، وطريقة التعامل مع الموت، وطريقة تكوين الذاكرة الجمعية. من جهة أخرى، قد يؤدي هذا الوجود الرقمي بعد الموت إلى نوع من السكون النفسي القسري، حيث يُصبح الحزن مرتبطا بوجود "ظل رقمي" للراحل، وقد يتحول إلى عبء نفسي لمن يظل مرتبطا بالكيان الرقمي، إذ يذكّره دائما بغياب الجسد، ويجعل الانفصال النهائي مستحيلا تقريبا.

هنا يظهر التوتر بين الحضور والغياب والواقع الافتراضي والواقع المادي، وبين الخلود الرقمي والموت الجسدي. جان بودريار، في نظريته عن المحاكاة والواقع الافتراضي، يوضح أن الصور والتمثيلات قد تصبح أكثر "واقعية" من الواقع نفسه، بحيث تتحول الذكرى الرقمية إلى كيان قائم بذاته، يتجاوز الحاجة إلى وجود الشخص في الحياة الفعلية. في هذا الإطار، قد نكون أمام حالة "موت افتراضي حي"، حيث يبقى الإنسان حاضرا، لكنه بلا جسد، وحيث يتحول الحزن إلى احتفال بالرمز الرقمي، وليس بالوجود الحقيقي.

يمكن الربط بين الموت الرقمي ومفهوم هيراقليطس عن الزمن والتغير المستمر. فالبيانات الرقمية، المنشورات، التعليقات، وحتى الصور والفيديوهات، تتحرك باستمرار ضمن شبكات مترابطة، وتتغير بحسب تفاعل الأحياء معها. الذكرى هنا ليست ثابتة كما كانت في الماضي، بل تتحول وتتطور، وكأنها كائن حي يعيش في فضاء الشبكة الاجتماعية. هذا يطرح أسئلة وجودية عميقة حول الهوية: هل الإنسان هو مجموع البيانات التي تركها، أم أنه شيء آخر يظل غير قابل للحصر الرقمي؟

بالعودة إلى الفكر الإسلامي التقليدي، نجد أن مفهوم البقاء بعد الموت كان مرتبطا بالذكر الطيب والأعمال الصالحة، كما ورد في القرآن الكريم: "فَمَن يعمل مثقال ذرة خيرا يره، ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره". هذه الرؤية تقوم على فكرة أن البقاء الحقيقي هو بقاء الأثر الأخلاقي والروحي، وليس مجرد بقاء الاسم أو الصور. لكن الموت الرقمي يقدم نموذجا جديدا: البقاء هنا ليس مرتبطا بالمعنى الأخلاقي أو الروحي، بل بالاستمرارية الرقمية، بما يشبه "خلودا صناعيا" يمكن إدارته وإعادة إنتاجه بشكل مستمر.

ثمة بعد آخر يجب الانتباه إليه: اللغة الرقمية تختلف عن اللغة التقليدية في تواصلها مع الموت والذكرى. الكلمات في الشبكات الاجتماعية، سواء كانت تعليقات، منشورات، أو رسائل، تخضع لخوارزميات الترتيب والتصنيف والتذكير. الذكرى هنا تُحذف أو تُعرض بناءً على تفضيلات الآخرين، أو على آليات التفاعل، وبالتالي تتأثر بالزمن والقراءة البشرية والآلية في آن واحد. هكذا تصبح اللغة الرقمية أداة مزدوجة: هي وسيلة للتواصل مع الراحل، لكنها في الوقت نفسه تحدد وتقيّد كيفية تذكره، وكأن الموت الرقمي يُعيد تعريف الذاكرة، ليس كأداة للوفاء أو الحنين، بل كإطار ديناميكي يتفاعل مع الأحياء بشكل مستمر.

لقد جعل هذا التحول الرقمي مفهوم الخلود أقرب إلى تجربة افتراضية، حيث يختلط الفعل بالتمثيل والحياة بالموت، والذاكرة بالبيانات. الإنسان لم يعد فقط كائنا حيا أو متوفى، بل أصبح كيانا متعدد الطبقات: جسدي، نفسي، واجتماعي، ورقمي. وهذا يعيد إلى الأذهان فكرة ديكارت عن الشك الميتافيزيقي: إذا كان الإنسان قادرا على التفكير، فهل يستطيع أيضا أن يعيش بعد موته، وإن كان في صورة رقمية؟ الخلود الرقمي يبدو هنا كإجابة غير مكتملة، غير متجانسة، لكنها موجودة وفعالة، تحمل أبعادا جديدة للموت والذكرى والوجود.

ولعل الشبكات الاجتماعية لم تغير فقط طريقة تواصلنا مع الأحياء، بل أعادت تعريف علاقتنا بالموت وبالخلود وبالذكرى. الذكرى لم تعد مجرد أثر في ذاكرة الآخرين، بل أصبحت كائنا حيا يتحرك ويؤثر، ويتفاعل مع الزمن والتكنولوجيا والمجتمع. الموت الرقمي هو اختبار جديد لفهمنا لماهية الحياة وماهية الإنسان، وللكيفية التي نحتفظ بها بما نحن عليه بعد رحيلنا الجسدي. إنه الخلود الممزق، الخلود الذي صار معلقا بين الحضور والغياب، بين الواقعي والافتراضي والذكرى والبيانات، وبين النفس والتقنية، وهو تجربة فلسفية جديدة تتطلب منا إعادة التفكير في كل ما اعتقدناه عن الموت والخلود والذاكرة.

إذا انتقلنا من النظرية الفلسفية إلى الممارسة العملية، نجد أن الموت الرقمي لم يعد مجرد حالة نظرية، بل أصبح واقعا ملموسا في حياة ملايين البشر. كل يوم يختفي أشخاص جسديا، بينما تستمر حساباتهم على الشبكات الاجتماعية ككيانات رقمية مستقلة، تتلقى التفاعل من الأحياء، وتسهم في إعادة إنتاج حضورهم بطريقة لم يعرفها التاريخ من قبل. فقد سجلت الدراسات الاجتماعية أن 60% من مستخدمي فيسبوك يزورون حسابات المتوفين بشكل دوري، كوسيلة للحزن أو لتخليد الذكرى، وهو سلوك لم يكن موجودا قبل الثورة الرقمية. هذا التحول يشير إلى أننا بصدد ظاهرة جديدة تماما: موت لم يعد مجرد غياب، بل حضور مستمر بوساطة الرموز الرقمية.

الوجود الرقمي بعد الموت يخلق نوعا من "المجتمع الهجين"، حيث يختلط الأحياء بالراحلين، والواقعي بالافتراضي، في شبكة من العلاقات لا تنقطع. إيمانويل كانط يرى أن العقل البشري لا يستطيع تصور الزمن بلا تتابع، لكن الشبكات الاجتماعية تخلق نوعا من الزمن المتعدد الطبقات: لحظة الموت الجسدي، والزمن الرقمي المستمر للبيانات، والزمن التأويلي للأحياء الذين يقرأون الذكرى ويعيدون تفسيرها. بهذه الطريقة، تصبح الشبكة الاجتماعية متحفا حيا أو فضاءً عامًّا يضم الأحياء والراحلين على حد سواء، بحيث يصعب التمييز بين ما هو حاضر وما هو غائب، بين ما هو فاعل وما هو مجرد أثر.

الأبعاد الأخلاقية للموت الرقمي تمثل تحديا آخر. هل يحق للشبكات الاجتماعية أن تحتفظ بحسابات الأموات، وأن تجعل منها كيانات رقمية تتفاعل مع الأحياء؟ الفلاسفة الأخلاقيون مثل بيتر سينغر قد يسألون: ما هي مسؤوليتنا تجاه هؤلاء الذين لم يعودوا موجودين جسديا، لكنهم موجودون رقميا؟ هل نحن ملتزمون بالحفاظ على ذكراهم، أو بإعادة إنتاج حضورهم الرقمي بطريقة تعكس شخصيتهم وقيمهم، أم أن هذا مجرد استغلال للبيانات؟ الواقع أن الكثير من الحسابات الرقمية بعد الموت تُدار بطريقة آلية، من قبل خوارزميات لا تفهم المعنى الحقيقي للإنسان، ولا تأخذ بعين الاعتبار إرادته أو شخصيته. هذه الظاهرة توحي بأن الموت الرقمي يمكن أن يتحول إلى نوع من "الخلود القسري"، حيث يبقى الشخص حاضرا رغم عدم موافقته، ما يثير أسئلة فلسفية عميقة حول الحرية والهوية والسيادة على الذات بعد الموت.

أحد الأمثلة الأكثر وضوحا على هذه الظاهرة هو ما يحدث على منصة فيسبوك بعد الوفاة. فالحسابات التذكارية تتيح للأصدقاء كتابة منشورات على حائط الشخص المتوفى، مشاركة الصور والفيديوهات، وحتى تفعيل الذكريات السنوية التي تذكّر الأحياء بالراحل. هنا نجد أن الذكرى تتحول إلى حدث دوري، وكأن الزمن أصبح دائرة متكررة، حيث يعيش الأحياء تجربة الحزن والوفاء ضمن إطار افتراضي، بعيدا عن الواقع الفعلي للرحيل. لكن هذا النوع من الوجود الرقمي يحمل خطرا ضمنيا، فقد يؤدي إلى تثبيت الشخص في صورة محددة مجمّدة، لا تعكس ديناميكية حياته، ولا تسمح للذكريات بالتطور الطبيعي مع مرور الزمن، كما يحدث عادة في الذاكرة الجماعية التقليدية.

إذا عدنا إلى التحليل الفلسفي، نجد أن هذه الظاهرة تلتقي مع أفكار ميشيل فوكو حول السلطة والمعرفة. فالخوارزميات التي تدير الحسابات الرقمية للمتوفين تتحكم في طريقة ظهورهم، في كيفية قراءتهم، وفي إعادة إنتاج ذكراهم بشكل متكرر. هنا تصبح الشبكة الاجتماعية ليست مجرد وسيلة للتواصل، بل فضاءً للسلطة الرقمية على الموت والذكرى، حيث تتحكم الشركات التقنية في إعادة إنتاج الوجود بعد الرحيل الجسدي. الموت الرقمي إذا ليس حرية للخلود، بل شكل من أشكال السلطة الرقمية، يتداخل فيه التكنولوجي مع الاجتماعي والأخلاقي، ويخلق علاقات جديدة بين الأحياء والأموات.

الأبعاد النفسية والاجتماعية لهذه الظاهرة عميقة أيضا. فالأحياء يتعاملون مع الموت الرقمي كوسيلة للحفاظ على الاتصال بالراحلين، لكنه في الوقت نفسه يمكن أن يطيل عملية الحزن، أو يحولها إلى شعور دائم بعدم الانفصال الكامل عن الفقد. ويشير علماء النفس مثل إليزابيث كوبلر-روس إلى أن الموت الرقمي قد يغير مراحل الحزن التقليدية، ويخلق تجربة جديدة تتسم بالخلط بين الوجود الفعلي والرمزي. فالحديث مع الحسابات التذكارية أو إعادة نشر صور الراحل أو حتى انتظار التذكيرات السنوية، يصبح جزءًا من ممارسة الحزن، وكأن الحزن نفسه تحول إلى فعل رقمي.

إن الموت الرقمي أعاد تشكيل مفهوم الهوية بعد الموت. فهويتنا لم تعد مرتبطة فقط بالجسد أو بالأثر الاجتماعي المباشر، بل أصبحت مرتبطة بالبيانات التي نتركها، وبطريقة تفاعل الآخرين معها. هذه الهويات الرقمية التي أطلق عليها بعض الباحثين "الأنا الافتراضية"، تتطور بعد الموت، تتغير بتغير التفاعلات الاجتماعية، وتصبح أكثر ديناميكية من الهوية التقليدية. ولكن السؤال المركزي يظل، هل هذه الهوية تمثل الشخص ذاته، أم أنها مجرد صورة افتراضية تُدار بواسطة الآخرين والخوارزميات؟.

ويمكننا ملاحظة أن اللغة الرقمية تُعيد تشكيل العلاقة بين الذكرى والموت. النصوص الرقمية سواء كانت منشورات، تعليقات، أو رسائل، تخضع لآليات مختلفة عن اللغة التقليدية: فهي قابلة للتكرار، للتعديل، للحذف، وللتأويل المتعدد من قبل الأحياء. هكذا تتحول اللغة إلى أداة مزدوجة: وسيلة لتواصل الذاكرة، وأداة للتحكم في كيفية تذكر الأموات. اللغة الرقمية تصبح إذا كيانا حيا يؤثر ويتأثر ويعيد تعريف العلاقة بين الموتى والأحياء، بين الواقع الافتراضي والوجود الفعلي.

لا يمكن تجاهل البعد الثقافي للموت الرقمي. ففي بعض الثقافات مثل الثقافة اليابانية، هناك اهتمام كبير بالحفاظ على ذكرى الأموات من خلال الوسائل الرقمية، بينما في ثقافات أخرى، قد ينظر إلى هذه الظاهرة بريبة، باعتبارها شكلا من أشكال الاستمرارية الصناعية للوجود البشري. هذا الاختلاف الثقافي يعكس طبيعة العلاقة بين الإنسان والموت وبين الذكرى والهوية، وكيف أن التكنولوجيا تُعيد إنتاج هذه العلاقة بشكل مختلف عن الماضي.

في الوقت ذاته، تطرح الشبكات الاجتماعية إمكانيات جديدة للخلود الرمزي. فالصور، الفيديوهات، المنشورات، والرسائل، جميعها تتحول إلى أشكال من الوجود المستمر، تُعيد إنتاج حضور الإنسان بعد رحيله. هذا النوع من الخلود الرقمي يختلف عن الخلود التقليدي، الذي كان يعتمد على الإرث، الأعمال، أو الذاكرة الجمعية، لأنه قائم على البيانات، وهو دائما معرض للتغيير، للتعديل، وللتفاعل المباشر مع الأحياء. هنا يظهر نوع جديد من الخلود، يجمع بين الاستمرارية والتغير وبين الثبات والمرونة والحضور الرقمي والغياب الجسدي.

إن هذا الخلود الرقمي له تداعيات أخلاقية كبيرة على المجتمعات. ففي بعض الحالات، يمكن أن يُستخدم وجود الحسابات الرقمية بعد الموت لأغراض تجارية، سياسية، أو إعلامية، وهو ما يثير أسئلة حول الاستغلال والخصوصية والسيادة على الذات بعد الرحيل. الفلاسفة مثل هابرماس يشددون على أن التواصل الإنساني يجب أن يكون قائما على الفهم المتبادل والحرية، ولكن في حالة الموت الرقمي، تصبح هذه المبادئ معرضة للتشويه، حيث يُدار تواصل الشخص بعد الموت بطريقة قد لا تعكس إرادته أو شخصيته الحقيقية.

يمكن أيضا ملاحظة تأثير الموت الرقمي على الذاكرة الجمعية. فالمجتمعات التي تحتفظ بالذكريات الرقمية قد ترى التاريخ بطريقة مختلفة، حيث تتحول الأحداث إلى سلاسل من البيانات، ويصبح التفاعل مع الماضي متاحا بشكل مستمر، لكنه مُحدد ومقيد بخوارزميات الشبكات الاجتماعية. هذا التحول يطرح تساؤلات حول مدى دقة التاريخ الرقمي، وعن كيفية تأثيره على الهوية الثقافية وعلى فهمنا للزمن والموت.

ويمكن أيضا الربط بين الموت الرقمي وفكرة مارشال ماكلوهان عن "الوسيط هو الرسالة". فالوسائط الرقمية لا تنقل فقط الذكرى، بل تُعيد إنتاجها بطريقة جديدة، وتُحدد شكل الوجود بعد الموت. الموت الرقمي ليس مجرد استمرار للحياة، بل هو شكل جديد من الحياة نفسها، شكل قائم على التفاعل الرقمي، وعلى إعادة إنتاج الحضور والذكرى باستمرار.

إن الموت الرقمي يمثل تجربة فلسفية واجتماعية معقدة، تغير طريقة فهمنا للموت، للذكرى وللهوية. فهو يخلق أبعادا جديدة للخلود، ليس كإرث ثقافي أو روحي، بل كوجود رقمي مستمر، يتفاعل مع الزمن والتكنولوجيا والمجتمع. الشبكات الاجتماعية أعادت تعريف العلاقة بين الأحياء والأموات والواقع والافتراضي، وبين الذاكرة والبيانات، لتصبح الذكرى تجربة ديناميكية مستمرة ومعقدة، تحمل في طياتها قلقا فلسفيا أخلاقيا واجتماعيا جديدا.

وتبعا لما أفضى إليه هذا الاستقصاء النظري ولما بدأناه من استكشاف الموت الرقمي وهي إعادة النظر في مفهوم الإنسان ذاته وفي علاقته بالزمن وبالذاكرة وبالحياة بعد الرحيل الجسدي. ولقد حاولنا أن نكشف في هذه الأسطر المتواضعة عن أن الشبكات الاجتماعية لم تقتصر على كونها أدوات للتواصل، بل أصبحت فضاءات وجودية جديدة، تعيد تعريف حضور الإنسان بعد الموت، وتغير طريقة فهمنا للخلود والذكرى. ففي الماضي كان الخلود يرتبط إما بالبعد الروحي، كما رآه الفلاسفة الكلاسيكيون، أو بالذكرى الاجتماعية والأثر الثقافي كما أشار أرسطو وهيجل، أما اليوم، فإن الخلود الرقمي يضيف بعدا جديدا، حضور دائم قائم على البيانات، قابل للتفاعل، متغير، ومتشابك مع حياة الأحياء.

هذا الحضور الرقمي بعد الموت يطرح أسئلة عميقة حول الهوية، هل الإنسان بعد وفاته الرقمية هو ذاته، أم مجرد نسخة رمزية، تُدار وفق خوارزميات وتعاد إنتاجها بواسطة الآخرين؟ وهل هذا الوجود الرقمي يمكن اعتباره امتدادا حقيقيا للذات، أم أنه مجرد صدى فارغ، يعكس رغبة الأحياء في الاحتفاظ بالراحل دون أن يحمل جوهره الحقيقي؟.

إن الموت الرقمي يمثل تحديا لمفهوم الذات كما عرفه الفلاسفة عبر التاريخ، ويضع الإنسان أمام تجربة وجودية جديدة، تجربة تتعلق بالاستمرارية في الفضاء الرقمي والحضور رغم الغياب، والخلود بصيغة افتراضية قابلة للتغيير والتحكم.

على المستوى النفسي والاجتماعي، يخلق الموت الرقمي نوعا من الحضور المزدوج، فالأحياء يجدون في الحسابات التذكارية وسيلة للتواصل مع الراحلين، وتجربة الحزن بطريقة رقمية، لكنها أيضا تجربة تحددها الخوارزميات والبيانات، ما يخلق علاقة جديدة بين الحنين والفقد، بين الواقع الافتراضي والغياب الجسدي. لقد تحول الحزن من عملية فردية وجماعية إلى فعل رقمي يتكرر ويتفاعل، وكأن الموت أصبح حدثا مستمرا، لا يمكن أن يكتمل بفعل الرحيل الجسدي وحده.

من الناحية الثقافية، يؤكد الموت الرقمي كيف أن التكنولوجيا تعيد إنتاج الهوية والذاكرة الجمعية. فالمجتمعات التي تعتمد على الشبكات الرقمية في تخليد الذكريات تواجه تحديات جديدة في تفسير التاريخ وفهم الماضي وبناء الهوية الجماعية. فالذكريات الرقمية رغم استمرارها معرضة للتعديل والتفسير، وليست ثابتة كما كانت الذكرى التقليدية. وهنا يظهر بعد آخر للخلود الرقمي، الخلود الذي ليس مجرد استمرار للحياة، بل حياة قائمة على إعادة التفسير والتفاعل المستمر، حياة لا تنفصل عن الأحياء الذين يقرأون ويعيدون إنتاجها.

الفلاسفة المعاصرون من بودريار إلى أغامبين، يشيرون إلى أن هذه الظاهرة تمثل تحولا جوهريا في فهم الإنسان والوجود والموت. فالوجود الرقمي بعد الموت يخلق نوعا من "الحياة بعد الفناء"، حيث تتحول البيانات إلى كيانات قائمة بذاتها، تتفاعل، تؤثر، وتُعيد إنتاج الحضور. هذه الظاهرة ليست مجرد تقنية، بل تجربة فلسفية وجودية، تتحدى المفاهيم التقليدية للموت والخلود والذاكرة، وتفرض علينا إعادة التفكير في العلاقة بين الذات والآخرين، بين الجسد والرمز وبين الحياة والموت.

إن الموت الرقمي يمثل تحديا للوجود الإنساني بقدر ما يمثل فرصة لإعادة تأمل العلاقة بين الحياة والموت والخلود والذكرى. الشبكات الاجتماعية جعلت من الذكرى تجربة ديناميكية مستمرة ومعقدة، تحمل في طياتها أبعادا أخلاقية فلسفية ونفسية لم يكن التاريخ البشري يعرفها من قبل. الإنسان المعاصر إذ يتعامل مع هذه الظاهرة، مدعو إلى التفاعل الواعي مع الوجود الرقمي بعد الموت، إلى إدراك أن الخلود لم يعد مجرد إرث روحي أو ثقافي، بل أصبح تجربة رقمية، تحمل في طياتها إمكانيات جديدة للوجود، لكنها أيضا تتطلب تأملا عميقا ومسؤولية أخلاقية تجاه الذات والآخرين.

في ضوء ما سبق، يمكن اعتبار الموت الرقمي دعوة للتفكر في معنى الحياة نفسها، في حدود الزمن المادي وفي حدود الجسد، وفي حدود الذاكرة التي يمكن أن تتحول إلى بيانات قابلة للتكرار والتحكم. إنه اختبار لفلسفة الهوية وللخلود وللعلاقة بين الإنسان والتكنولوجيا، وعلامة على أن الحضور بعد الموت لم يعد مسألة غيبية أو رمزية فحسب، بل أصبح قضية تقنية اجتماعية وفلسفية في آن واحد.

الخلود الرقمي إذن ليس مجرد استمرار في الذاكرة، بل إعادة تعريف للحياة بعد الموت، وإعادة إنتاج للوجود في فضاء افتراضي متغير، يحاكي الحضور، لكنه لا يعكس الواقع الكامل. إنه الخلود في زمن البيانات، والذكرى في زمن الخوارزميات، والحياة بعد الرحيل الجسدي في فضاء افتراضي دائم التغير. وهكذا، يصبح الموت الرقمي أكثر من ظاهرة تقنية، إنه تجربة إنسانية جديدة، تُعيد تشكيل فهمنا للزمن وللهوية وللحياة وللموت نفسه، وتضعنا أمام مسؤولية فلسفية وأخلاقية تجاه كيفية تذكرنا وكيفية تفاعلنا مع الوجود الرقمي للراحلين، وكيفية المحافظة على جوهر الإنسانية وسط عالم رقمي دائم التطور والتغير.

***

د. حمزة مولخنيف

في المثقف اليوم