قضايا

ابتهال عبد الوهاب: التواصل بوصفه تجربة وجودية

دفء الحضور في زمن الشاشات

في زمن تتكاثر فيه الشاشات وتتناقص فيه الوجوه، صار التواصل وفيرا والمعنى نادرا. لم يعد الانسان بعيدا عن الاخر، لكنه صار ابعد عن حضوره، ابعد عن صوته الحقيقي، وعن تلك الرجفة الخفية التي لا تنقلها الاسلاك ولا تحفظها الذاكرة الرقمية.

نحن نعيش عصر السرعة، حيث تختصر العلاقات في اشارات، ويستبدل اللقاء الحي بنسخ افتراضية بلا نبض.

وسط هذا الضجيج التقني، يطرح سؤال بسيط في شكله، عميق في جوهره: ماذا يبقي من الانسان حين يغيب الانسان؟

 وهل تستطيع التكنولوجيا، مهما بلغت دقتها، ان تعوض تلك اللحظة الوجودية التي يلتقي فيها وجه بوجه، وصوت بصوت، ووعي بوعي؟

مهما بلغت التكنولوجيا ذروة تطورها، ستبقى عاجزة عن ملامسة ذلك السر الخفي الذي يولد حين يلتقي الانسان بالانسان، فالشاشات تنقل الصورة، لكنها لا تنقل الارتجافة الاولى للصوت، ولا ذلك الصمت المشترك الذي يقول ما تعجز عنه الكلمات، التكنولوجيا تجيد الحساب، لكنها لا تفهم الرجفة، ولا تحفظ حرارة النظرة حين تتلاقى العيون بلا وسيط.

في لقاء الانسان بالانسان يحدث ما لا يبرمج، يتشكل المعنى في المسافة القصيرة بين كفين، في نبرة صوت مترددة، في ابتسامة عابرة تحمل تاريخا كاملا من التجربة والالم والامل، هناك، في الحضور الحي، تستعيد الفكرة روحها، ويتحول الحوار من تبادل معلومات الى مشاركة وجود.

الفلسفة ولدت في الساحات، لا في الحواسيب والهواتف.  في الجدل الحي، لا في الرسائل المؤجلة، لان الحقيقة لا تقال فقط، بل تعاش، ولا تفهم الا حين تمر عبر الجسد والوجدان معا، وكل تواصل لا يمر عبر هذه الكثافة الانسانية يظل ناقصا، مهما بدا متقنا.

التكنولوجيا اداة عظيمة، لكنها تظل وسيطا، والوسيط لا يصنع دفئا ولا يهب معنى، اما لقاء الانسان بالانسان، فهو لحظة كشف، واعتراف ضمني باننا لا نكتمل الا بحضور الاخر.

لذلك، سيظل لقاء الانسان بالانسان فعل مقاومة صامتة في عالم يتسارع نحو البرودة، مقاومة للاختزال، وللوحدة المقنعة بالاتصال، وللوهم القائل ان التقنية يمكن ان تحل محل الروح، فحين نجلس وجها لوجه، بلا شاشات ولا فلاتر، نستعيد حقيقتنا الاولى، كائنات خلقت للحوار، لا للارسال، للفهم، لا للتحميل، هناك فقط، في هذا الحضور العاري من الوسائط، يولد المعنى كاملا، ويستعيد الانسان صوته، ودفئه، وحقه في ان يكون اكثر من مجرد اشارة رقمية

هذا النص محاولة للانحياز الى الحضور، الى اللقاء بوصفه فعلا انسانيا مقاوما، والى الحوار باعتباره تجربة وجود لا مجرد تبادل معلومات. محاولة لاستعادة الانسان من بين الاسلاك، واعادة المعنى الى مكانه الاول، حيث يولد حيا، هشا، ودافئا.

***

ابتهال عبد الوهاب

 

في المثقف اليوم