قضايا
حيدر شوكان: المفكر المفقود في حضرة المتأمّل
يشيع في الحقول العلمية والثقافية، وحتى في التداول الاجتماعي العام، استخدام مصطلح "المفكر" استعمالًا فضفاضًا، يكاد يفقده حدوده الدلالية ويحوّله إلى توصيف إنشائي أكثر منه مفهومًا معرفيًا دقيقًا. وحين يُسأل الناس عن معنى المفكر، تتشعّب الإجابات وتتنافر: فبعضهم يراه المنخرط في إنتاج الوعي، وبعضهم يحصره في العالِم الذي يمتلك مشروعًا معرفيًا ذا منطلقات ومنهجيات واضحة في المقاربة والتساؤل. وهكذا تتكاثر التعريفات من غير أنّ تستقر على معطى جامع أو معنى ضابط.
وليس المقصود هنا الانخراط في تفريع هذا المفهوم أو تعداد المؤاخذات النظرية التي تَرِد عليه، بقدر ما هو التنبيه إلى غياب مفهوم أجده أكثر قربًا في البيان، وأدقّ في توصيف الذات العالِمة حين تمارس مساءلتها العميقة لذاتها وللعالم. هذا المفهوم هو "المتأمِّل"، وهو في تقديري أصدق تعبيرًا عن تلك الذات البصيرة المتبحّرة التي جرى اختزالها، على نحو متعجّل في عنوان "المفكر".
فما معنى "المفكر" على التحقيق؟ إن التفكير، بالمعنى العام، فعل مشترك بين البشر جميعًا، وهو حاضر- بدرجات واستجابات مختلفة - حتى في السلوك الحيواني. وإذا كان الأمر كذلك، فإن إطلاق صفة "المفكر" لا ينهض وحده بتمييز نوعي دقيق، ولا يمنح الامتياز المعرفي الذي يُراد له عادة. من هنا تبدو الحاجة إلى مفهوم أكثر كثافة وأشدّ تخصيصًا، وهو ما أجده متحققًا في "المتأمّل".
في هذا السياق، يمكن الاستفادة من تجربة الغزالي(ت1112م) في دلالتها العميقة، بوصفها انتقالًا من عقل البرهان إلى أفق الكشف. فالغزالي لم يتخلَّ عن العقل، لكنه أدرك حدوده حين ينفصل عن البصيرة. والتأمّل عنده لم يكن نقيض التفكير، وإنما تجاوزه، أي نقله من مستوى الاشتغال الصوري إلى مستوى المعنى الحي، إذ لا تُختزل الحقيقة في الدليل، ولا المعرفة في النسق.
وعلى خطّ موازٍ، مارس محمد أركون(ت2010م) نقدًا جذريًا لما سمّاه "العقل الإسلاميَّ الكلاسيكي" و"العقل الأرثوذكسي"، ليس لأنّه عقل يفكّر، بل لأنّه عقل توقّف عن مساءلة نفسه واختبار وعوده. عقل راكم المفاهيم، وأدار النصوص، لكنّه فقد الجرأة على اختبار بداهاته الخاصة. ومن ثَّم، جاءت دعوته إلى تفكيك الاصطلاحات المهيمنة، لأن المفهوم حين يتحوّل إلى سلطة، يكفّ عن كونه أداة للفهم، ويغدو حاجزًا أمامه.
إن الذات العالِمة المتأمِّلة تسبق- من حيث العمق لا الزمن- الذاتَ العالِمة المفكِّرة. فالتفكير، في صوره الغالبة، يظلّ أسير العقل الأداتي: عقل التصنيف والترتيب والبرهنة. أمّا التأمّل فينشأ من تداخل العقل والروح، من منطقة لا يُختزل فيها الإنسان إلى آلة استدلال، ولا تُفصل فيها المعرفة عن الوعي الوجودي. ولا يُقصد بالتأمّل هنا نفي التفكير أو استبداله، وانما اعتباره شرطًا لتعميقه، إذ لا يبلغ التفكير مداه الكاشف إِلَّا حين يتجاوز أداتيته وينفتح على أفق المعنى.
ولتقريب الفكرة أكثر، يمكن النظر إلى المثقف المعاصر الذي يكتب مقالات أو يحلل ظواهر اجتماعية وسياسية بشكل سريع، ولكنه لا يوقف نفسه للتأمّل في أبعاد هذه الظواهر ومعانيها العميقة أو المطمورة، ويظلّ إنتاجه معرفيًا– لكنه محدود البصيرة. هذا الفرق البسيط يوضح لماذا التأمّل ليس رفاهية فكرية، بل شرط لتعميق الفهم، وإعطاء المعرفة أفقًا حقيقيًا بدل الانزلاق إلى التراكم العقلي الآلي.
الروح هنا ليست مفهومًا غيبيًا، بقدر ما هي أفق الكشف الذي يمنح التفكير معناه، ويقيه من التحوّل إلى مهارة فارغة، ويحول العملية المعرفية إلى فعل حيّ متواصل، لا مجرد تطبيق تقني أو استعمال آلي للمفاهيم.
وانطلاقًا من ذلك، فإن الدعوة موجّهة إلى الأوساط العلمية والثقافية والاجتماعية لإعادة النظر في هذا الاصطلاح الشائع، والعدول- ولو على مستوى النقد والمساءلة– عن عنوان "المفكر" لصالح عنوان "المتأمّل". فقلّة هم أولئك الذين يمارسون فعل التأمّل بوصفه اشتباكًا حيًّا بين العقل والروح، ومزاوجةً خلاّقة لا ينفصل فيها التحليل عن البصيرة، ولا المعرفة عن الوعي الوجودي. وقد أظهر الواقع المعاصر في الإعلام ووسائل التواصل الحديثة أنّ كثرة من يُنعتون بالمفكرين يملكون سرعة في التحليل والإجابة، ولكنهم يفتقرون إلى هذا العمق التأملي، ما يؤكد الحاجة الماسة لإعادة النظر في المصطلح.
وقبل أنّ أضع النقطة في نهاية السطر أود القول إن هذه المقاربة ما هي إِلَّا محاولة مفتوحة، قابلة للأخذ والرد، لا تدّعي امتلاك القول الفصل. غير أنّه إذا كان التعاون في المتّفق عليه واجبًا معرفيًا وأخلاقيًا ودينيًا، فإنّ التسامح في المختلف فيه أوجب، لأنه الشرط الضروري لكل تأمّل – أو تفكير- معتبر.
***
أ. م. د. حيدر شوكان السلطانيَّ
جامعة بابل- كلية العلوم الإسلاميَّة- قسم الفقه وأصوله






