قضايا

زهير الخويلدي: المجتمع الموحد ليس مجتمعاً بلا اختلافات

بل مجتمعاً بلا حدود داخلية

مقدمة: في عصرنا الحالي، الذي يشهد تزايداً في التنوع الثقافي والعرقي والفكري داخل المجتمعات، يبرز مفهوم "المجتمع الموحد" كأحد أبرز التحديات الاجتماعية والسياسية. غالباً ما يُفهم هذا المفهوم بشكل خاطئ، حيث يُعتقد أنه يعني القضاء على كل أشكال الاختلافات لصالح توحيد قسري. ومع ذلك، فإن المجتمع الموحد الحقيقي ليس مجتمعاً خالياً من الاختلافات، بل هو مجتمع يتجاوز الحدود الداخلية التي تفصل بين أفراده، مما يسمح بتعايش التنوع ضمن إطار مشترك. هذا المفهوم يعكس تحولاً في النظرية الاجتماعية من التركيز على التماثل إلى التركيز على التكامل، حيث تُصبح الاختلافات مصدر قوة لا ضعف. في هذا المقال، سنستعرض هذا المفهوم بشكل موسع، لنكشف كيف يمكن للمجتمعات أن تحقق الوحدة دون التخلي عن تنوعها.

تعريف المجتمع الموحد وأهمية التمييز بين الاختلافات والحدود الداخلية

يُعرف المجتمع الموحد بأنه نظام اجتماعي يجمع بين أفراد متنوعين تحت مظلة مشتركة من القيم والأهداف، دون أن يفرض عليهم تماثلاً كاملاً. الاختلافات هنا تشمل التنوع الثقافي، العرقي، الديني، والفكري، والتي تعتبر ضرورية للابتكار والتطور الاجتماعي. أما الحدود الداخلية، فهي الحواجز النفسية والمؤسسية التي تحول دون التفاعل الحر بين هذه المجموعات، مثل التمييز العنصري أو التقسيمات الطبقية. في هذا السياق، يمكن القول إن الوحدة لا تتحقق بالقضاء على الاختلافات، بل بإزالة هذه الحدود ليصبح التنوع جزءاً من النسيج الاجتماعي المشترك. من الناحية النظرية، يعتمد هذا التمييز على أفكار الفلاسفة الاجتماعيين مثل جورج سيميل، الذي رأى في الحدود مؤسسات داخلية لبناء الهوية، لكنها يمكن أن تتحول إلى أدوات للفرز البيولوجي إذا لم تُدار بشكل صحيح.  كما أن القومية، كما يوضحها بعض الدارسين، يمكن أن تكون قوة توحيدية للمجتمعات المتنوعة، لكنها تصبح مدمرة عندما تؤدي إلى عنف أو انقسام.  هنا، يبرز الفرق الجوهري: الاختلافات تبني الثراء الثقافي، بينما الحدود الداخلية تعيق الانسجام.

المجتمع الموحد في الحالة العربية

في السياق العربي، يُعد مفهوم "المجتمع الموحد" تحدياً تاريخياً واجتماعياً يعكس التوتر بين التنوع الغني والسعي نحو الانسجام الجماعي. غالباً ما يُفهم هذا المفهوم بشكل خاطئ كمحاولة للقضاء على الاختلافات الثقافية، العرقية، الدينية، والقبلية، لصالح توحيد قسري يمحو الهويات الفرعية. ومع ذلك، فإن المجتمع الموحد الحقيقي في الحالة العربية ليس خالياً من الاختلافات، بل هو مجتمع يتجاوز الحدود الداخلية التي تفصل بين مكوناته، مما يسمح للتنوع بأن يصبح مصدر قوة لا ضعف. هذا النهج يعتمد على تحول في النظرية الاجتماعية من التماثل إلى التكامل، حيث تُدار الاختلافات ضمن إطار مشترك يعزز السلام والتطور. في هذا المقال، سنستعرض هذا المفهوم بشكل موسع، مستندين إلى أمثلة تاريخية عربية ونظرية، لنكشف كيف يمكن للمجتمعات العربية تحقيق الوحدة دون التخلي عن تنوعها، مع التركيز على التحديات مثل الطائفية والقبلية التي تشكل حدوداً داخلية. كما يُعرف المجتمع الموحد في الحالة العربية بأنه نظام اجتماعي يجمع بين شعوب متنوعة تحت مظلة مشتركة من القيم العربية والإسلامية، دون فرض تماثل كامل. الاختلافات تشمل التنوع العرقي (عرب، أكراد، أمازيغ)، الديني (مسلمون سنة وشيعة، مسيحيون، إلخ)، والقبلي، والتي تعتبر ضرورية للابتكار والحيوية الثقافية. أما الحدود الداخلية، فهي الحواجز النفسية، السياسية، والمؤسسية التي تحول دون التفاعل الحر، مثل الطائفية أو التقسيمات القبلية التي تؤدي إلى صراعات داخلية.  في هذا السياق، تتحقق الوحدة بإزالة هذه الحدود ليصبح التنوع جزءاً من النسيج العربي المشترك. من الناحية النظرية، يعتمد هذا التمييز على أفكار مفكرين عرب مثل ساتع الحصري، الذي رأى في الوحدة العربية قوة تجمع التنوع دون إلغائه، لكنها تواجه عقبات مثل الطائفية التي تعيق الانسجام.  كما أن القومية العربية، كما يوضحها بعض الدارسين، يمكن أن تكون توحيدية للمجتمعات المتنوعة، لكنها تصبح مدمرة عندما تؤدي إلى عنف طائفي أو قبلي.  هنا، يبرز الفرق الجوهري: الاختلافات تبني الثراء الثقافي، بينما الحدود الداخلية تعيق الوحدة، كما في حالات الطائفية في العراق أو السورية، حيث تحول التنوع إلى صراع بسبب السياسات التقسيمية. لنأخذ الجمهورية العربية المتحدة (1958-1961) بين مصر وسوريا كمثال. كانت محاولة للوحدة العربية تحت قيادة جمال عبد الناصر، لم تقضِ على الاختلافات الثقافية أو الاقتصادية بين البلدين، بل سعت إلى إزالة الحدود الداخلية لتعزيز التعاون. ومع ذلك، فشلت بسبب التنافسات الداخلية والطائفية، مما أدى إلى انفصال سوريا، لكنها أظهرت إمكانية الوحدة إذا تم إدارة التنوع بشكل صحيح.  كذلك، الجامعة العربية (تأسست 1945) تمثل نموذجاً لمجتمع موحد يحتفظ بالتنوع، حيث تجمع 22 دولة عربية دون إلغاء سيادتها، لكنها تواجه تحديات في إزالة الحدود الداخلية. هذه الأمثلة تظهر أن الوحدة العربية لا تتطلب التماثل، بل القدرة على التعايش دون حواجز، كما في الاتحاد المغاربي الذي يسعى لتوحيد الدول المغاربية مع الحفاظ على تنوعها الثقافي. من جانب آخر، في لبنان، يُعتبر النظام الطائفي نموذجاً لمجتمع متنوع، لكنه يعاني من حدود داخلية طائفية تحول دون الوحدة الحقيقية، كما في النزاعات بين السنة والشيعة.  ومع ذلك، يمكن للثقافة أن تلعب دوراً في إزالة هذه الحدود، كما في مشاريع التراث المشترك التي تعزز التعاون عبر الطوائف.

التحديات والآفاق المستقبلية

رغم الفوائد، يواجه مفهوم المجتمع الموحد تحديات، مثل انتشار الكراهية والتمييز الذي يعيد بناء الحدود الداخلية. في هذا السياق، يُؤكد بعض الدارسين على ضرورة إعادة صياغة التفكير الحدودي ليصبح أداة للتبادل لا للانفصال.  كما أن القومية المفرطة قد تحول التنوع إلى مصدر صراع، لكنها يمكن أن تكون بناءة إذا ركزت على التوحيد الداخلي دون استبعاد الآخرين. في المستقبل، يمكن للتكنولوجيا والعولمة أن تساعد في إزالة هذه الحدود، كما في رؤية عالم موحد تحت حكومة واحدة، حيث يصبح الجميع مواطنين عالميين دون فقدان هوياتهم الخاصة. هذا يتطلب سياسات تعليمية وثقافية تعزز الاحترام المتبادل.

رغم الفوائد، يواجه مفهوم المجتمع الموحد في العالم العربي تحديات كبيرة، مثل الطائفية التي تعيد بناء الحدود الداخلية، كما في العراق وسوريا حيث أدت إلى نزاعات مدمرة.  كذلك، القبلية تمثل حاجزاً، حيث تحول الولاءات القبلية دون الوحدة الوطنية، كما في اليمن أو السعودية.  بالإضافة إلى ذلك، التدخلات الخارجية، مثل اتفاقية سايكس-بيكو، رسمت حدوداً مصطنعة أدت إلى تقسيمات داخلية مستمرة.  يُؤكد بعض الدارسين على ضرورة إعادة صياغة التفكير الحدودي ليصبح أداة للتبادل لا للانفصال. في المستقبل، يمكن للعولمة والتعليم أن تساعد في إزالة هذه الحدود، كما في رؤية مجتمع عربي موحد يعتمد على التنوع كقوة، مستلهماً من الإسلام الذي يرى في الاختلافات آية إلهية.  هذا يتطلب سياسات تعزز الاحترام المتبادل والتكامل الاقتصادي، مثل تعزيز الجامعة العربية لتصبح أكثر فعالية في حل النزاعات.

خاتمة

المجتمع الموحد ليس حلماً مثالياً يقضي على الاختلافات، بل واقعاً عملياً يزيل الحدود الداخلية ليسمح بتعايش التنوع. هذا النهج يعزز السلام والابتكار، كما رأينا في أمثلة تاريخية مثل ألمانيا والأوروبا. ومع ذلك، يتطلب ذلك جهوداً مستمرة لمواجهة التحديات، مستلهمين من النظريات الاجتماعية التي ترى في الثقافة جسر الوحدة. بهذا، يصبح المجتمع الموحد نموذجاً لعالم أفضل، حيث تكون الاختلافات مصدر إثراء لا انقسام. وبالتالي المجتمع الموحد في الحالة العربية ليس حلماً مثالياً يقضي على الاختلافات، بل واقعاً عملياً يزيل الحدود الداخلية ليسمح بتعايش التنوع. هذا المنهج يعزز السلام والابتكار، كما رأينا في محاولات تاريخية مثل الجمهورية العربية المتحدة والثورات العربية. ومع ذلك، يتطلب جهوداً مستمرة لمواجهة التحديات مثل الطائفية والقبلية، مستلهمين من النظريات العربية التي ترى في الثقافة جسر الوحدة. بهذا، يصبح المجتمع الموحد نموذجاً لعالم عربي أفضل، حيث تكون الاختلافات مصدر إثراء لا انقسام. فكيف يعيد المجتمع في الحالة العربية ترميم ذاته ورأب تصدعاته؟

***

زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

 

في المثقف اليوم