قضايا

عصمت نصّار: حكماء الحضارة الإسلامية وقضايا الفلسفة العمليّة

لقد أدرك معظم متكلمي وفلاسفة الحضارة الإسلامية أهمية المنهج سواء في جمع المعلومات، أو تصنيف المعارف، أو نقد وغربلة الأفكار، وذلك لتجنب الخطأ الذي يوقعهم في دائرة الباطل أو نقل الحقائق على غير وجهها الصحيح، أي الكذب والتزوير الذي لا يليق بمقامهم.

ومن ثمّ حرص المؤدبون والحكماء على توخي الحذر في انتقاء ما يرددونه في مشروعاتهم الإصلاحيّة والتربويّة والتقويمية سواء للرأي العام القائد في صورة نصائح، أو للرأي العام التابع في صورة توجيهات ومواعظ، أو في صورة توعية وتلقين وتعليم وتدريب للرأي العام الناشئ (الصغار والصبية)، وقد مكنهم ذلك من بناء آرائهم على نسقية منطقية يتعذر نقضها سواء في تأليف الكتب والأبحاث وإجراء التجارب أو في التساجل أو التناظر أو صنع الغرابيل التي تفصل بين الصدق والكذب بكل أشكالهما، ويبدو ذلك واضحًا في كتاباتهم عن تصنيف العلوم في التربية الخُلقية والسياسية، وفي الأخلاق العامة وتهذيب النفس والآداب الاجتماعية، ذلك فضلًا عن نقودهم العلميّة للموروثات التراثية ولا سيما في ميدان العلوم التجريبية.

فها هو ابن المقفع (ت759 م) يؤكد على القائمين على التوجيه من المربيين والمعلمين والواعظين والمقومين توخي الحذر من الوقوع فيما عساه يكون مخالفاً للحقيقة التي ينبغي تحصيلها بدقة الفحص ونفعية المقصد وخيرية المآل، وهو يتفق في ذلك تمام الاتفاق مع أوائل المربيين وأكابر المعلمين في صدر الحضارة الإسلامية نذكر منهم (محمد بن سحنون (ت 256 م) وعبد الله بن حارث (ت 705 م) والضحاك بن مزاحم (ت 725 م) والكميت الشاعر (ت 744 م) وأبي بكر بن العربي (ت 1148 م) وأبو سعيد المؤدب!! وأبو بكر صالح الكلبي !!)

ويُلزم ابن المقفع المعلمين بوجه عام بضرورة صياغة المعارف التي يذكرونها في خطاباتهم بأسلوب يتناسب مع قدرات المتلقي؛ ليحسن تطبيقها والعمل بمقتضاها كما يوجب على المصنفين من الكُتاب والرواة توخي الصدق والانتصار للحق - حتى لو كان مخالف لوجهتهم -  ويجمعون الأدلة والبراهين لكل صغيرة وكبيرة ثم يراجعون كل ما ازمعوا البوح به وإذاعته بين الجمهور، وذلك كله تجنبًا للكذب بكل أشكاله التي تبدأ بالتهوين أو التهويل وتنتهي بالإضلال والتجهيل.

ويقول في ذلك (إنّ الكذب ليس له أصل ولا هيئة ثابتة شأنه شأن ظل الغمام، وخلة الأشرار، وعشق النساء، والنبأ الكاذب، والمال الكثير). ويضيف أن أسوأ أشكال الكذب هو الكذب على النفس وإقناعها بما يتوهم من فضائل في ذاته وقدرات لا يمتلكها فيصاب بالغرور والحمق والكبر. ويقول (من أشد عيوب الانسان خفاء عيوبه عليه. فإن من خفي عليه عيبه خفيت عليه محاسن غيره، ومن خفي عليه عيب نفسه ومحاسن غيره فلن يقلع عن عيبه الذي لا يعرف، ولن ينال محاسن غيره التي لا يبصرها ابدًا).

ويمضي ابن المقفع في ارشاداته مبينًا أن الكذوب المخادع يعرف بمجافاته للفضائل وعزوفه عن مجالسة الأخيار وإقباله على الشهوات والرذائل والخوض فيما لا يعلم من سيرة العلماء والأكابر.

ويقول (من علامات اللئيم المخادع أن يكون حسن القول، سيء الفعل، بعيد الغضب، قريب الحسد، حمولًا للفحش، مجازيًا بالحقد، متكلفًا للجود، صغير الخطر، متوسعًا فيما ليس له، ضيقًا فيما يملك)....( ليكن المرء سؤولًا، وليكن فصولًا بين الحق والباطل، وليكن صدوقًا ليُؤمن على ما قال، وليكن ذا عهد ليُوفي له بعهده).

ولم تقتصر كتابات ابن المقفع على النصح والإرشاد سواء للأطفال أو الصبيان أو توجيه العوام بل ذهب إلى أبعد من ذلك فراح يذكر أولي الأمر من السلاطين والقادة بأن السلطة والقيادة تحتاج إلى حزم بلا تجبر أو جور وحسم بلا استبداد، وصحبة من المستشارين العلماء وليس المتعالمين ولا الأدعياء.

ويقول في ذلك (إياك إن كنت واليًا أن يكون من شأنك حب المدح والتزكية ... واعلم أن قابل المدح كمادح نفسه ... واعلم أن ليس للملك أن يكذب؛ لأنه لا يقدر أحد على استكراهه على غير ما يريد).

أما محمد بن إسحاق الكندي (ت 873 م) فيري أن الكذب هو نقيض الحقيقة التي يمكن التحقق منها أو إدراكها بالحواس، وهو ضد الحكمة العقليّة التي توازن بين طبائع الأشياء والمتفق عليه من الأخبار والسلوك والطبائع الصحيحة، ويقابل الكندي بين اليقين العقلي والوحي الإلهي، ويربط بينهما باعتبارهما الصدق المطلق وضدهما هو الكذب بكل أشكاله وهو خلاف الفضيلة.

وإذا كان الصدق هو الذي ينبأ بخيريّة النفس وسلامتها من الشر، فإنّ الكذب يكشف عن فساد تلك النفس وميلها إلى ارتكاب الرذائل.

والجدير بالإشارة أن حديث الكندي لم يكن موجه للتربويين أو الوعاظ فحسب، بل كان موجهًا إلى أهل الرأي الذين يغلبون أهوائهم ومصالحهم الشخصية على دونها،  فيكذبون ويزورون الحقائق ويقدحون في الأمور المخالفة لأهوائهم ووجهتهم، ولعل أشهر ما ذكره الكندي في هذا المضمار يبدو في رسالته إلى المعتصم في سياق دفاعه عن الحكمة العقلية التي شكك في صحتها بعض المشاهير من الفقهاء في عصره، فوصفهم بالتزوير والكذب على السلطان ليصرفوه عن طريق الحق وترغيب الرأي العام في أقوالهم الجاهلة، ومعتقداتهم الفاسدة، فبين أن أعداء الحكمة العقلية لا يتبعون الحق وأنهم ضيقوا الفهم وأن الحسد يأكل قلوبهم، ويجعلون من أكاذيبهم سبيلًا للدفاع عن كراسيهم المزورة عند أصحاب السلطان، وأنهم بذلك يتاجرون بالدين للحفاظ على منافعهم ومكانتهم بين الناس. فيقول (إنّه ينبغي لنا ألا نستحي من الاستحسان الحق، واقتناء الحق من أين أتى، وإن أتى من الاجناس القاصية عنا، والأمم المباينة لنا؛ فإنه لا شيء أولى بطلب الحق من الحق، وليس يبخس الحق ولا يصغر بقائله ولا بالآتي به إلا أهل الباطل).

وتبدو أهمية حديث الكندي - عن أكاذيب المدلسين الطاعنة في حكمة الفلاسفة للدفاع عن كراسيهم المزورة - في أثارته واحدة من أكبر القضايا التي عجلت بأفول شمس الحضارة الإسلامية المتمثلة في  الادعاءات الكاذبة  التي ذاعها الجامدون من قادة الرأي، واتهموا فيها الفلاسفة بالكفر والمروق، فقد عانت الحضارة الإسلامية من هذه الأكاذيب التي حرضت العوام والحكام على  حرق كتب الكثير من الفلاسفة المسلمين، إمّا على يد العوام الذين غرر بهم فثاروا مدافعين عن دينهم، أو بأمر من السلطان اتقاءًا لغضبة الجمهور، أو يأسًا من قبل المؤلفين أنفسهم مثل (أبو سليمان الداراني (ت 830 م) الصوفي الذي قام بحرق مؤلفاته وهو يبكي على ما فيها قائلًا : ما حرقتك حتى كدت أحترق بك). (وابن الراوندي (ت 911 م) الذي حرقت كتبه في أواخر القرن الثالث الهجري عقب حكم معظم فقهاء عصره ومتكلميه عليه بالزندقة وانكار النبوة والتجديف، وذلك من جراء بوحه بارتيابه وشكوكه وتصريحه بذلك للعوام).

(وقد أحرق أبو حيان التوحيدي كتبه يأسًا وإحباطًا لجحد معاصريه لعلمه وإنكارهم لمكانته الأدبية والفلسفية، وخوفًا من كيد حساده عليه فيأولون كتاباته على وجه مكذوب فيحرضون العوام والحكام على قتله).

(وابن سينا الذي حرقت بعض كتبه في أوائل القرن الخامس الهجري لمسايرته فلاسفة اليونان في القول بقدم العالم وإنكاره البعث الجسماني؛ الأمر الذي أثار العوام بتحريض من أدعياء العلم والفقهاء). (وقد حرقت كتب ابن حزم الأندلسي لاجتهاداته العقلية وآرائه السياسية، وذلك بتحريض من الجامدين من فقهاء المالكية وقادة الرأي في حكم المرابطين).

(وحرقت كتب أبي حامد الغزالي أيضًا لآرائه الصوفية ولاسيما في كتابه إحياء علوم الدين الذي لم يرق ما فيه من آراء لفقهاء المرابطين). (وقد حرقت كذلك كتب ابن رشد (عام 1194 م) لتبحره في الفلسفة واتهامه فقهاء عصره بالجمود والجهل). (ولم يسلم ابن تيمية من كيد معاصريه وجور حكامه ودس مخالفيه من المتعالمين، وذلك من جراء اجتهاداته الشاذة واجترائه في التفسير وجرأة آرائه في السياسة).

وليس هناك أفضل من حديث جالينوس العرب عن تلك القضية التي حرّمت حرية التفكير، وجرّمت حق الحكماء في الشك والارتياب والنقد والمراجعة، بل وفي الاجتراء أحيانًا في رحلة بحثهم عن الحقيقة، وأغلقت باب الاجتهاد أيضًا بحجة الدفاع عن الموروث. وأباحت في الوقت نفسه كذب الادعياء من الفقهاء، وتلفيق المنتفعين، واستبداد السلاطين والخلفاء.

فها هو أبو بكر الرازي (ت 925م) مدافعًا عن الصدق والحق، موضحًا ضرورة الإخلاص في طلب العلم والوصول للحقيقة والتحلي بالفضائل في كل عمل يوكل به الإنسان وكره الكذب والغش والخداع، ولا سيما مع المرضى وطلاب العلم والمربيين والموجهين والمشتغلين بالتعليم  فيقول: (إن صناعة الفلسفة لا تحتمل التسليم للرؤساء والقبول منهم ولا مساهلتهم، وترك الاستقصاء عليهم، ولا الفيلسوف يحب ذلك من تلاميذه والمتعلمين منه، وأمّا من لامني على ذلك لا أعده فيلسوفًا، إذ أنه قد نبذ بهذا الصنيع سنة الفلاسفة وتمسك بسنة الرعاع من تقليد الرؤساء وترك الاعتراض عليهم).

فقد رفض بقوله هذا المداهنة والرياء والمداراة، وحجب العلم النافع عن طالبيه وشدد كذلك على وجوب البوح بالحقيقة في وجه كل باطل وكذوب مؤمنًا بأن النقد هو أصدق السبل للتحري وطلب الصدق والابداع.

وإلى مثل ذلك ذهب أبو العلاء المعري (ت 1057 م) فقابل بين الشيطان وأحفاده وعشيرته التي لمعوا نجمها وعلا صوتها وساد وضيعها وهم معشر الكذابين الذين صورت لهم أنفسهم المنحطة أن الكذب والغش والخديعة والخيانة والتلفيق والدس والفتن وغير ذلك من دركات الانحطاط هو السلم الخفي الذي صنعه الأبالسة العظام للقضاء على الفضائل لتبيت الأنفس الذكية لا ساتر لعوراتها سوى الفحش وذم الحياء ووصف البغايا بالعفة وتمكين الأراذل من اعتلاء المنابر وإغواء الحكماء وإفساد ذمم العلماء والفضلاء والنبلاء وقطع ألسنة الصدق واتهام زويه من الصرحاء بالعته والجنون وجعل الفحش مأوى للمحبين، وأجلسوا الخصي على كرسي المؤدبين والساسة والمصلحين؛ ليملي امرأته اللعوب آيات الكتاب المدنس الذي ينبغي على مجتمعاتهم اقتفاء تعاليمه وبالدهاء يزينوه.

وعلى هذا الدرب يمضي أبو حامد الغزالي فيقول :(إن الكذب يقود إلى الفجور، والفجور يقود إلى النار، وكيف لا وهو من أمهات الكبائر؛ فإن الإنسان إذا عرف بالكذب سقطت عدالته وثقته في نفسه، فتحتقره الأعين ولا يجوز للحاكم مع الرعية ولا للمعلم مع تلاميذه ولا للمربي مع أولاده ولا مع مروجي الشائعات والفضائح، ولا يستحل إلا إذا كان مقصده في خير يرضي الله والناس).

وينظر ابن باجة (ت 1138 م) للكذب من ثلاثة ضروب أولها: في طلب المعرفة لأنه لا يأتي إلا على لسان جاهل، فلا يرجى منه نفعًا ويحسن اتقاء شره بالإعراض عنه. وثانيها: أمام سلم الفضائل الذي لا يرفعك لأن الصدق هو باب الزورة والكذب لا يقوى على صعود الدرج بل يأخذك إلى أسفل الدرك.

وثالثها: يحشرك مع عصبة الجهلاء والعبيد والدهماء لأن الصدق لا يصاحب إلا العلماء والحكماء وأرباب الدربة والدراية، ومن أقواله (إنّ المدن الفاضلة هي التي تغلق أبوابها أمام الكذابين، وتخرج منها الجهلاء الذين استملحوا الحمق وكرهوا العلم، فعشق الصدق وطلب الحق هو سبيل النفس للوصول إلى الكمال، أمّا الكذب فهو مستنقع الرذائل ولا جمال فيه إلا في الفحش ووسوسة الشيطان).

أمّا ابن النفيس (ت 1288 م) فيرى أن الاقتداء بالعلم والسعي في طلب الحق وجعل كليهما معولًا لهدم الباطل، وإزالة الإفك ومحو الجهل هو السبيل الأوحد للجنة التي وعد الله بها الأخيار والأبرار لنفع مخلوقاته وإصلاحهم فيقول في ذلك (أن العلم الحقيقي هو غنى النفس وسعادتها العقلية والروحانيّة، وأن العالم يدعو الناس إلى الله بعلمه وحاله، بخلاف جامع المال الذي يدعوا للدنيا، وأن العالم يزداد تقديرًا كلما تقدّم به العمر، بينما زوال مال الغني يزيل إكرامه.

وأكد على أن العلم هو الطريق للسعادة الحقيقية والتقرب من الله، وأن اللذة الحقيقية هي لذة العلم العقلية، مشيرًا إلى أن المال زائل، ومتاع الدنيا فاني، بينما العلم باقي ونفعه دائم للناس حتى بعد موت العالم).

وللحديث بقيّة عن موقف حكماء الحضارة الإسلامية من الكذب وآثاره في قضايا الفلسفة العمليّة.

***

بقلم: د. عصمت نصّار

 

في المثقف اليوم