قضايا
بدر الفيومي: نحن وثروة المعلومات (4): التطرف الأخلاقي في الثقافة الجنسية
يُعدّ الحديث عن الثقافة الجنسية في المجتمعات الإنسانية من أكثر الموضوعات حساسية وتعقيدًا، نظرًا لتداخله العميق مع البُنى القيمية والدينية والاجتماعية والنفسية، فضلًا عن ارتباطه المباشر بتشكيل السلوك الفردي واستقرار الأسرة وتماسك المجتمع، الأمر الذي يجعل أي تناول غير منضبط منهجيًا عرضة للانزلاق نحو التشويه بدل التصحيح. نعم، إنّ الإشكالية لا تكمن في أصل هذا الحديث، إذ إنّ الإنسان منذ أقدم العصور لم ينفكّ يتساءل عن جسده وغرائزه وعلاقته بالآخر، وإنما تكمن في طبيعة الخطاب المُنتِج لهذه الثقافة، وفي المرجعية التي تستمدّ منها معاييرها وضوابطها، وفي النسق المعرفي الذي يُؤطرها ويضبط اتجاهها.
ومن هنا برز في العصر الحديث ما يمكن تسميته بالتطرف الأخلاقي في الثقافة الجنسية، وهو تطرف لا يعني بالضرورة الانحلال المطلق فحسب، بل يشمل أيضًا الانزياح الحاد عن الفطرة الإنسانية المتوازنة، سواء باتجاه الإفراط أو التشويه أو العنف أو الوهم، الأمر الذي يقودنا إلى واقع اجتماعي مضطرب أفرز أجيالًا تعيش حيرة وزيغًا عميقًا في فهم العلاقة بين الرجل والمرأة، وبين الجسد والروح، وبين الرغبة والمسؤولية.
وإذا ما حاولنا قراءة هذا الواقع قراءة تحليلية، نجد أنّ هذا التطرف تغذّيه خطابات متباينة، من بينها خطابات المجترئين، وخطابات بعض المتشككين والمشككين، بل وقراءات المجتزئين الذين يتعاملون مع الظاهرة بمعزل عن سياقها القيمي والإنساني.
وعلى خلاف ما يروّجه بعض الخطابات المعاصرة التي تحاول تصوير الدين، وبخاصة الإسلام، بوصفه منظومة كابحة أو صامتة تجاه المسائل الجنسية، فإنّ القراءة العلمية المتأنية للتراث الإسلامي تكشف بجلاء أنّ الإسلام لم يُهمل هذا الجانب، ولم يتعامل معه بوصفه مجالًا مسكوتًا عنه أو منطقة محرّمة، بل أولاه اهتمامًا عظيمًا، ووضع له أسسًا وقواعد ومبادئ دقيقة، تراعي طبيعة الإنسان، وتحفظ كرامته، وتوازن بين حاجاته الغريزية وقيمه الأخلاقية، ضمن نسقية معرفية متكاملة.
فالقرآن الكريم تناول العلاقة بين الذكر والأنثى بواقعية أخلاقية عالية، مستخدمًا لغة تجمع بين الحياء والوضوح، كما في قوله تعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّىٰ شِئْتُمْ﴾، وهي آية كثيرًا ما استشهد بها الفقهاء لإثبات مشروعية العلاقة الزوجية وإباحتها ضمن إطارها الشرعي، مع مراعاة المقاصد والآداب. كما أن السنة النبوية زاخرة بالأحاديث التي تنظّم هذا الجانب، سواء من حيث الحقوق المتبادلة، أو آداب المعاشرة، أو التحذير من الإضرار الجسدي أو النفسي، حتى إن النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يتردد في الإجابة عن الأسئلة المتعلقة بالحيض والجماع والاحتلام، بل جعل من البيان في هذه المسائل جزءًا من التعليم الديني العام، مما يدل على وعيٍ عميق بخطورة الجهل في هذا الباب.
وقد أدرك علماء الإسلام قديمًا وحديثًا أنّ الثقافة الجنسية ليست ترفًا معرفيًا، بل ضرورة تربوية وأخلاقية، ولذلك أفردوا لها أبوابًا مستقلة في مصنفاتهم الفقهية، فكانت كتب الطهارة تعالج مسائل البلوغ والاحتلام وأحكام الجنابة، وكانت كتب النكاح وفقه الأسرة تتناول تفاصيل العلاقة الزوجية، وحقوق كل طرف، وحدود المباح والممنوع. ولم يترك هؤلاء العلماء مسألة إلا وأشاروا إليها، بل نجد في بعض كتب الفقه إشارات دقيقة إلى مراعاة الفروق النفسية بين الزوجين، وإلى ضرورة الرفق بالمرأة، وإلى أن العلاقة الحميمية ليست مجرد إشباع غريزي، بل ميثاق سكن ومودة ورحمة، كما عبّر القرآن الكريم.
ولم يكن هذا الاهتمام مقتصرًا على الفقهاء وحدهم، بل شارك فيه الأطباء المسلمون والفلاسفة وعلماء النفس الأوائل، مثل ابن سينا وابن القيم، الذين ربطوا بين الصحة الجسدية والتوازن الجنسي والاستقرار النفسي، وهو ما يكشف عن رؤية شمولية متقدمة قياسًا بسياقهم التاريخي، قائمة على فهم الإنسان بوصفه وحدة متكاملة لا مجرد جسد منفصل عن روحه.غير أنّ هاتيك المنظومة المتكاملة بدأت تتعرض لتآكلٍ تدريجي مع التحولات الكبرى التي شهدها العالم في العصر الحالي، حيث فرضت التكنولوجيا الرقمية والخوارزميات واقعًا جديدًا أعاد تشكيل أنماط المعرفة والسلوك.
وإذا ما انتقلنا إلى تحليل هذا التحول، نجد أنّ الانتقال من المجتمعات التقليدية إلى المجتمعات الرقمية أدى إلى تفكيك كثير من الأطر الضابطة للوعي، وأصبحت الثقافة الجنسية تُنتَج اليوم في الغالب عبر منصات رقمية لا تخضع لمنطق القيم بقدر ما تخضع لمنطق السوق والربح وجذب الانتباه. وتشير دراسات حديثة في علم الاجتماع الرقمي إلى أنّ خوارزميات المنصات الكبرى تعمل على تضخيم المحتوى المثير للغرائز، لأنّه يحقق معدلات تفاعل أعلى، مجرد أن يظهر الشاب أو الفتاة ما اهتمامًا عابرًا بموضوعٍ ما حتى يُغرق في سيلٍ متتابع من الفيديوهات والصور والإعلانات ذات الطابع الجنسي، دون أي سياق تربوي أو أخلاقي، ودون المرور عبر غرابيل النقد والتمحيص.
وتكمن خطورة هذا الواقع في أنّه لا يقدّم ثقافة جنسية واقعية أو علمية، بل يصنع نموذجًا زائفًا ومشوّهًا للعلاقة الحميمية، قائمًا على الأداء الاستعراضي، والمقارنات غير الواقعية، وتسليع الجسد، وتحويل العلاقة الحميمية إلى مشهد استهلاكي. وتشير إحصاءات منشورة في تقارير منظمة الصحة العالمية إلى أنّ متوسط العمر الذي يتعرض فيه المراهقون لمحتوى إباحي صريح أصبح أقل من 13 عامًا في كثير من الدول، وأنّ هذا التعرض المبكر يرتبط بارتفاع معدلات القلق الجنسي، واضطرابات الصورة الجسدية، وتدنّي الرضا عن العلاقات الواقعية.
كما أظهرت دراسات نفسية أنّ الاستهلاك المكثف للمحتوى الإباحي يؤدي إلى إعادة تشكيل التوقعات الجنسية لدى شبيبة المجتمعات، بحيث يصبح الواقع الطبيعي مخيبًا للآمال مقارنة بالصور المصطنعة التي تعرضها الشاشات. وفي هذا السياق، تُروَّج تصورات مغلوطة عن العلاقة الحميمية، وعن الأعضاء التناسلية، وعن التوقيت المثالي والأداء النموذجي، وكأنّ العلاقة الزوجية اختبار تقني يجب اجتيازه بنجاح، لا تجربة إنسانية تقوم على التفاعل العاطفي والانسجام الروحي والنفسي.
ويُضاف إلى ذلك سيل الإعلانات التي تروّج لعقاقير ومنشطات جنسية غير مصرح بها طبيًا، والتي يُقبل عليها بعض الشباب بدافع القلق أو المقارنة أو الخوف من الفشل، ناهِيك عن المخدرات التي تُسوّق بوصفها وسائل لتعزيز المتعة، رغم ما تحمله من أضرار جسيمة، وهو ما يحوّل الشاب من إنسان يسعى إلى بناء علاقة سوية إلى مستهلك قلق يطارد وهمًا صُنع له بعناية عبر الخوارزميات.
ولا تقف آثار هذا التشويه عند حدود الرجل وحده، بل تمتد بعمق إلى المرأة، إذ تُفتح أعين الفتيات قبل الزواج على صورة خيالية لشريك الحياة، صورة مصنوعة وفق معايير لا تمثل الإنسان الطبيعي، بل تمثل نموذجًا تجاريًا معدًّا للتسويق. وحين تصطدم هذه الفتاة بالواقع، يبدوا لها الزوج أنه ضعيف فقير مخيب لآمالها، وليس هذا خلل فيه، بل لأنّ التوقعات بُنيت على أساس وهمي. حيث تشير دراسات أسرية حديثة إلى أنّ فجوة التوقعات تُعدّ من العوامل المؤثرة في ارتفاع نسب الطلاق في السنوات الأولى من الزواج.
ومع تراكم هذه الصور المشوهة، قد تلجأ بعض النساء إلى البحث عن إشباع بديل، سواء عبر المقارنات المستمرة، أو التعلّق العاطفي خارج إطار الزواج، أو متابعة المحتوى الإباحي بدافع الفضول أو التعويض، وهو ما يخلق دائرة مغلقة من الاغتراب عن الذات وعن الفطرة السليمة. وقد بيّنت أبحاث في علم النفس الأسري أيضا أنّ هذا النمط من السلوك لا يؤدي إلى الإشباع الحقيقي، بل يزيد من الشعور بالوحدة والفراغ.
ومن أخطر ما يفرزه هذا الواقع الرقمي المشوّه هو تطبيع العنف الجسدي في العلاقة الحميمية، إذ يتعلم بعض الشباب أنماطًا قسرية من السلوك، ويُسقِطونها على الواقع عند الزواج دون إدراك منهم للفارق بين التمثيل والاستغلال، مما يعمّق الأزمة بدل حلها. وإذا نظرنا إلى هذه الظواهر مجتمعة، أدركنا أنّ ما نعيشه اليوم ليس تحررًا جنسيًا بالمعنى الإنساني، بل تطرفًا أخلاقيًا يُخرج الإنسان عن فطرته، ويحوّل الجسد إلى ساحة صراع بين الرغبة والقلق، وبين الصورة والواقع.
وهذا التطرف لا يعالج بإلغاء الحديث عن الجنس، ولا بإطلاقه بلا ضوابط، بل بإعادة بناء ثقافة جنسية متوازنة، تقوم على نهج علمي وأخلاقية رشيدة. فالإسلام حين نظّم هذا الباب لم يفعل ذلك بدافع القمع، بل بدافع الحماية، حماية الإنسان من أن يُختزل في جسده أو تُستباح إنسانيته باسم اللذة. وحري بنا اليوم أن نستعيد الخطاب القائم على العلم الرصين في هذا المجال، خطابًا قائمًا على النقد الواعي، يواجه الخوارزميات بالمعرفة، ويعيد بناء الوعي الجمعي بعيدًا عن أوهام السوق وخطابات المتأولين من المجدفين والمجترئين، وكذلك بعيدًا عن تشدد بعض المتأسلمين.
وصفوة القول، إنّ أزمة الثقافة الجنسية المعاصرة ليست أزمة نقص معلومات، بل أزمة تشويه مرجعية، حيث انتقلت سلطة التشكيل من العلماء والمربين إلى الخوارزميات والشركات، ومن القيم إلى السوق. ولا يمكن مواجهة هذا الواقع إلا بإحياء التراث العلمي الإسلامي بروح معاصرة، وبإنتاج خطاب أكاديمي نقدي يعيد الإنسان إلى توازنه، لا بوصفه سلعة في سوق الإثارة، ولا ضحية في عالمٍ بلا وجهة أخلاقية.
***
بقلم: د. بدر الفيومي






