قضايا
رائد عبيس: العشيرة العراقية في ظل النظام الشمولي والنظام التعددي

قراءة انثروبولوجية
كثيرا ما نسمع آراء من داخل الأوساط العشائرية، حول طبيعة تحول العشيرة نحو توجاهات مخالفة للأصول العشائرية وتقاليدها، ويعزا هذا التحول إلى طبيعة التنافس العشائري حول الوجاهة والمشيخة والتصدي للظهور العشائري والبروز فيه. وإن كان هذا جزء من جملة أسباب، ممكن أن نشخصها في طبيعة العشيرة وتكوينها وحضورها، وتأثير شكل النظام السياسي عليها، وهوية الدولة، وطبيعة الحكم. بالتأكيد ما تقدم له مؤشراته في كل نشاط عشائري ممكن أن يكون جزء من هوية النظام السياسي وهوية نظام الدولة.
اذا تحدثنا عن هذه الطبيعة العشائرية من داخل مؤثرات النظام السياسي فيمكن أن نبتدأ ذلك مع بداية تكوين الدولة العراقية عبر سلطة الأحتلال البريطاني الذي جلب للعراق عائلة تحت مسمى (الأسرة الهاشمية) او العشيرة الهاشمية، وهذه أول مرحلة من مراحل تركيز الحكم العشائري في النظام السياسي العراقي، وما تبع ذلك من تصاعد للخطاب العشائري داخل الدولة والنظام السياسي، حيث قرب الهاشميين من الحكم والأصهار والأقارب الى سدة الحكم وإدارة الدولة فيما بعد، حتى فيصل الثاني، ووصيه عبد الأله الذي هو خال الملك. وهذا يعني أن الملوكية كظام سياسي قائم على فكرة العشيرة فهي تتشكل بها وتتغير بمتغيرات العائلة والاسرة الحاكمة فيما لو لم تنجب أولاد ذكور، وأشكالية الوصاية وغيرها من التبعات السلبية للنظام الملكي وعلاقته بالحكم وديمومته وعلاقته بالشعب على اساس هذا الاعتبار، والنظام الملكي هو وجه من وجوه الأنظمة الشمولية.
اما العشيرة في النظام الجمهوري، وبما يمكن أن نسميه بالجمهورية الأولى، وهي جمهورية عبد الكريم قاسم، كانت قد تعاملت مع العشيرة على أساس اعتبارات جديدة، اضعفت نسبيا الهيمنة العشائرية تحت نظامي الاقطاع، والوصاية العشائرية، حيث منحت القيمة للوظائف، والتمليك، والأعمال الحرة، وبدأت تفقد العشيرة أو بالأحرى بدأ يفقد الشيخ كثير من جمهوره، لا سيما جمهور من العبيد، والخدم، والتابعين، تحت سلطة الشيخ وحمايته او حماية عشيرته، فالشيخ كان في هذه المرحلة ليس شيخ على عشيرته فقط، بل شيخ على جميع منطتقه الجغرافية التي له حضور عشائري فيها. اذا ما تجاوز بتأثيره العشائري هوية انتماء أكبر تحت عنوان الإمارة أو السمعة الوطنية التي يكتسبها الشيخ.
اما وضع العشيرة في ظل الجمهورية البعثية الديكتاتورية الشمولية، في ظل وحدة الدولة، ووحدة النظام، ووحدة الحزب، ووحدة الجيش، ظهرت بشكل قوي وحدة العشيرة، واستمر هذا الحال الى ما بعد 1991 وما بعدها أحدث صدام حسين تغييرات في التكوين العشائري المسكوت عنه تحت عنوان وحدة العشيرة ووحدة الإنتماء والتألف العشائري الى وحدة الولاء السياسي للعشيرة تحت هذه الوحدة العشائرية، وهذا ما عمل عليه صدام حسين حين بدأ يصنف العشيرة من حيث ولائها ويفكك العشيرة التي لا تدين له بالولاء في مقابل إبراز مشايخ جديدة تنافس مشايخ آخرين من العشيرة ذاتها. فبقي داخل العشيرة ما هو مسكوت عنه، مثلما بقي داخل النظام السياسي ما هو مسكوت عنه، حتى تكشف كثير منه بعد الأنتفاضة الشعبانية، أو قل قبلها حيث عمل صدام على ترحيل التبعية الأيرانية أو الكردية الفيلية من العراق وكان اغلبهم كان قد إندمج عشائريا مع عشائر عراقية وعربية كثيرة حتى بعضهم حمل لقبها.
وكان صدام تحت شموليته المقيته عمل على تنقية العشائر العراقية من انتماءات كان هو يصفها بشكل عنصري، مثل العجمية، والأجنبية، والدخيلة. ولا ننسى صدام هو أيضا يحمل نزعة وحدة العشيرة ودمجها مع وحدة النظام السياسي، حيث كان حكمه مثقل بثقافة القرية والعشيرة، حيث إدارة حكمه كانت مقتصره على قرية العوجة وما يحيط بها، وما ينتمي له من عشيرة آل بوناصر وبقي هذه الشمولية تتضخم في الثقافة المجتمعية العشائرية حتى أصيب شيوخ عشار كثر بهذه النزعة، فكانوا يرفضون الاستقلال العشائري داخل القبيلة أو الأستقلال القبلي داخل الأمارة أو حتى الأنفصال والتحول الى عشيرة أخرى أو أمارة أخرى. ومازالت هذه النزعة موجودة عند كثير من الشيوخ حتى سقوط نظام البعث، واستمرت حتى في ظل النظام التعددي الديمقراطي في عراق ما بعد 2003 ومن مظاهر هذه الشمولية ، هو الطموح السياسي الذي دفع كثير من الشيوخ للترشح أو تولي مناصب عليا أو التقرب من السلطة أو التخادم بينها وبين النظام السياسي القائم، وهذا الأمر يتجاوز به الشيخ مهمته العشارية الا انه تكتنفه فكرة أحتواء العشيرة من خلال ما يتمتع به من نفوذ وسيطرة وبذل أموال وبذل طعام.
فإنثروبولوجية العشيرة في ظل النظام الشمولي تختلف عن أنثروبولوجية العشيرة في ظل النظام التعددي الذي انتج لنا شموليات ايديولوجية بدل الشموليات السياسية وتأثر العشيرة بهذا التغير، فجاء انتمائهم للفصائل المسلحة هو نوع من الحماية وتقوية شوكة العشيرة ازاء التهديد العشائري المجاور وغير المجاور، وانتمائهم للنظام السياسي ليكسبوا ويعززوا عامل الوجاهة وقوة خدمة العشيرة وأهل المصلحة، فأصبح للعشيرة توصيف سياسي وايديولوجي بارز أثر ايجابا وسلبا على التكوين العشائري المحايد للعشيرة، فهناك عشائر توصف على انهاء صدرية لأن شيخها وجزء كبيرة من اتباعها تحت رعاية التيار وحمايته وولائهم لرمز التيار، وهناك عشائر ذات ولاء حكيمي اي لعائلة الحكيم، وهناك عشائر مقربة من العتبات او ما يعرف بحشد العتبات وهناك عشائر ذات انتماءات متعددة متذبذبة ومتفاوته وعابره حتى للقومية والمناطقية والدينية او الطائفية، هناك ولاءات عشائرية اتاح لها النظام التعددي الديمقراطية حرية الولاءات العشائرية العابرة للحدود. فكثر من الشيوخ يعد نفسه مسؤولة إمارة في داخل العراق وخارجه، وهناك من يفرض أمارته على أجزاء من الوطن العربي، وهذا يعني التوسع خارج أقليمية الدولة وهو ما لم يشر اليه القانون دستوريا او ما لم يتم معالجته قانونيا، وهذا يعني إن إمارة العشيرة او القبلية او الإمارة هي أوسع تأثير من حدود سلطة الدولة المعترف بها، فهي خارج سياكس بيكو الحدود، وما يقابله ويعاب عليه عند كثيرين مفهوم سلطة الأمة على وفق الحكم الإسلامي.
فالعشيرة هي تكوين اجتماعي تتأثر بالتأكيد بكل متغيرات انظمة الحكم، ولو اطلع القارئ الكريم على وثائق في النظام الملكي والجمهوري الأول وحكم البعث، وحكومات ما بعد 2003 توضح طبيعة توظيف العشيرة لخدمة الأنظمة السياسية وعلاقة العشيرة بالسلطة، فكان فرصة كبيرة لإعادة النظر بالعشيرة إنثروبولوجيا عسى ان يصحح من مسار المواقف، واعادة توازن المصالح الإجتماعية والوطنية على اساسها.
***
د. رائد عبيس