في واحد من التقارير الوثائقية المهمة التي عرضتها قناة (ناشيونال جغرافي) تقرير يتناول الحرب الأهلية في كولمبيا ودور المافيا وأطراف دولية عديدة في إدامة الصراع الأهلي وإدارته لأسباب كثيرة، لعل من أهمها ضمان ديمومة انسياب تجارة المخدرات، فهي البلد الممول للعالم لكونه ساحة رخوة لتصفية الحسابات بين بلدان متصارعة تحاول إدارة حرب بالوكالة، ويظهر التقرير مشاهد حوارية كثيرة مع رجال الأمن وبعض من مجرمي الحرب التقوهم في السجون، وحاول أحدهم أن يتهرب من سؤال محاوره الإعلامي: كم قتلت من الناس في تلك الحرب الأهلية ؟ فأجاب كنت مضطراً للقتل للدفاع عني نفسي، وبدهاء مُغلَّف بدعابة أعاد محاوره صياغة السؤال: لأجل الدفاع عن نفسك كم قتلت من الأفراد؟ فأجاب: ليس الأمر كما تظن، فقد كانت أفكارنا المقيتة تتقاتل وتتراشق بالكلمات فعبأتنا تلك الألفاظ البغيضة لذلك الصدام الموحش. كما أظهر التقرير ضابطاً من المخابرات يتحدث عن تجارة المخدرات وعملهم الشاق في اختراق تلك الشبكات بسبب سريتها وغموض الشفرة اللغوية التي يتواصل فيها تجار المخدرات وموزعوها، فهم يعمدون إلى إضافة مقاطع لبعض كلمات لغتهم أو حذف مقاطع واللجوء إلى معميات من الرموز والألفاظ حول الأماكن والأشخاص إلى درجة كبيرة في التمويه في مفردات كثيرة جداً وصلت كما يؤكد رجل الأمن إلى وضع قاموس من قبل المخابرات يفك شفرة تلك اللغة السرية. فثمة (عنف باللغة) يوقظ الفتنة النائمة ويوقد نار الحرب الأهلية، وعنف آخر هو (عنف على اللغة) نفسها بانتهاك قواعدها اللغوية لخلق لغة سرية تتداول في الظل. وهذا العنف الأخير يُسمَى في اللسانيات بـ (المتبقي) فهو أحد مصاديقه. فالمتبقي من اللسان هو مصطلح انبثق على يد (جان جاك لوسركل) في كتابه المهم (عنف اللغة)، وهو لا يريد بعنوانه(عنف اللغة) ما قد يتبادر إلى الذهن من الوسائل اللفظية التي تمثل آليات للسجال والسباب والإيذاء بالكلمة الجارحة بل يريد من مصطلح (المتبقي) ما يهمله عالم اللسانيات من المتن اللغوي المدروس من ألفاظ وتراكيب ودلالات لا تحقق الشروط الموضوعية من الانتظام والانسجام والاطراد على وفق مبادئ اللسان فتُنعَت بالشذوذ اللغوي وتمثل أداء لغوياً خاطئاً يستدعي أن يقصيه البحث اللساني عن دائرة اهتمامه، وكأنَّ هذا (المتبقي) بخروجه على النظام اللغوي يمارس عنفاً تقع تحت طائلته اللغة بانتهاك قواعدها الصارمة، فمن هنا انبثق عنوان كتابه (عنف اللغة)، فلا يمكن الإغضاء عن(المتبقي) وإهماله بسبب تفشيه، صحيح أنه لا يكتسب حيزاً في التدوين والكتابة، ففي الكتابة ينتقل الأداء العفوي الدارج إلى الالتزام بالمستوى الرسمي القياسي الفصيح نقول على الرغم من عدم امتلاكه لذلك ولكن تفشيه في الاستعمال والتواصل وارتباطه بقبليات ومحركات اجتماعية ونفسية مسؤولة عن توليده يحتم مقاربته وإيلاءه أهمية في النظر، فهذا (المتبقي) يمثل مجسَّاً لتحولات الأمم وفحص المحركات النفسية والاجتماعية المسؤولة عن التلفظ به. وهو قبل هذا وذاك يمثل عاملاً مهماً في تطور اللغة إذا ما تمكن ذلك (المتبقي) من الذيوع والانتشار في التواصل. إن النزعة المثالية للسان في انتظامه ونسقيته وصوريته الرمزية الاجتماعية أملت على (سوسير) أن يهمل الكلام ويقصيه عن اهتمامه لكونه فردياً وآنياً وابن لحظته وقد يشوبه الخطأ والتلكؤ. صحيح أن هذا الصنيع هو الذي حدد موضوعاً للسانيات ومنحها الاستقلالية العلمية وانتشلها من تبعيتها لمباحث بقية العلوم إلا أن ذلك كان النواة المؤسسة لنفي (المتبقي) عن دائرة البحث. وينضوي تحت (المتبقي) ما يُسمَى بـ (المحظور اللغوي) من الألفاظ المحرم استعمالها، كالألفاظ الدالة على قضاء حاجة الإنسان وألفاظ الجنس الخادشة للحياء والألفاظ التي يتشاءم الناس من ذكرها، فعلى الرغم من أن مباحث علم الدلالة اهتمت بهذا الحقل الدلالي الخاص إلا أن اهتمامها هذا لا يعدو أن يكون نمذجة تصنيفية للحقول الدلالية وتمييز هذا الحقل من بين بقية الحقول الأخرى، فلم يمتد نظرها إلى إخضاع تلك المفردات المحظورة إلى التحليل اللغوي والقيمي بسبب ارتباط تلك الألفاظ بالتابوات الاجتماعية. فالحديث عن تلك المفردات بعيداً عن إحالتها الواقعية للأشخاص وفي سياقاتها الانفعالية والنظر إليها من خلال التجزئة المعجمية في مباحث الدلالة كان يكتنفه الحرج الاجتماعي والإغضاء عن المقاربة العلمية.
وتذكر الباحثة التونسية (ألفة يؤسف) في مقدمة كتابها (أحلى كلام... قراءة ذاتية جداً في الشتائم التونسية الفيسبوكية) بأن بعضاً من أصدقائها ومتابعيها طلب منها جمع ما تدونه في صفحتها من تعليقات على الأحداث السياسية والاجتماعية التي حصلت في تونس بعد عام 2011، لأن ما تدونه يرتبط بحقبة مهمة من تاريخ تونس الحديث وتحولاته السياسية والاجتماعية، بيد أنها لم تجد لهذا الاقتراح صدى في نفسها يدفعها نحوه، فهي آثرت أن تجمع الشتائم التي كانت تُكال إليها بنحو مخصوص ولمجموعة من النساء والكُتاب والمدونين الذين كانوا يناهضون (حركة النهضة) ويعارضون نهجها في (أخونة) المجتمع التونسي، فقد واجهت سيلاً كبيراً من الشتائم النابية والمخجلة، وهي تصرح بأن كثيراً من مناصريها ومن مناوئيها الشتامين كانوا يعجبون لصبرها على هذه الشتائم وتحملها لهذه العبارات المؤلمة والجارحة لشخصها والخادشة للحياء العام في الوقت نفسه، فقد كانت حريصة على جمع تلك الشتائم التي تنال منها شخصياً وعكفت على تحليلها من منظور لساني واجتماعي بعيداً من ذوات الشتامين وشخصياتهم الواقعية الاعتبارية،فـ(ألفة يوسف) تؤكد أن الشتيمة ما كنت لتزعجها البتة بسبب تصورها حول اللغة وكونها لا ترتبط كثيراً في خطابات المديح والثناء أو الهجاء والشتيمة بالموضوع الذي تحيل إليه وتستهدفه، فعلى حد تعبيرها فالشتيمة ما هي إلا تعبير لتلك الذات الموتورة ورؤيتها للعالم، فهي تشعر بعطف خاص وغريب تجاه من يشتمها لا تدرك كنهه، فهي تؤكد أنها في استعمالها لفظ (الشتامين) للإحالة عليهم ليس تلخيصاً لذواتهم في هذه الصفة بل لأنَّ اللغة في منطقها الاستعمالي تحتاج إلى دوال لتمييز الأشياء في نظام تسميتها، فهي تقدم لهم الاعتذار لأنها لجأت إلى تسميتهم بـ (الشتامين) لا بل أهدت كتابها الى أصدقائها الفايسبوكيين من الشتامين إلى جنب المساندين لها والناقدين على حد سواء. وتذكر أنها في البدء كانت تجمع تلك الشتائم وتخزنها في مدونة اسمتها (مدونة الشتائم) من دون تخطيط أو هدف من وراء جمعها ولكنها بعد حين عمدت إلى النظر فيها وتحليلها، فتلك الشتائم كما ترى (ألفة يوسف) هي مرآة لمجتمعها التونسي ولخصائصه النفسية وتركيبته الذهنية، فقد جمعت تلك الشتائم بأساليبها الركيكة وبأخطائها الإملائية الفادحة، فهي ترى أن الفرار من الحقيقة لا يلغي مشكلتها ولا يسهم في معالجتها أو حلها. إنَّ صرامة التقاليد البحثية المهتمة بالمستوى الأدبي الفصيح وتعاليها عن دراسة اللهجات العامية وأساليبها وألفاظها المتداولة يفوّت الفرصة على قياس التحولات الاجتماعية الكبيرة من خلال التوظيف الدلالي للألفاظ، فمن بين الوسائل العلمية والمنهجية العديدة يبرز التحليل اللساني الاجتماعي في قياس مدى اتساع الفجوة الاجتماعية بين المكونات والتعرف على الانقسام الحاد الذي يعيشه المجتمع العراقي، فثمة مفردات من الشتائم والسباب البذيء هي من الألفاظ المولدة التي لم يعهدها من قبل معجم اللغة العامية العراقية قبل احتلال أمريكا للعراق، فالانقسام الطائفي والسياسي يلقي بظلاله على اللغة وتوليد مفردات كثيرة ومن بينها ألفاظ السب والشتيمة. إن النظر الوصفي لآليات التوليد الدلالي لتلك المفردات وكيفية اشتقاقها ورصد الحقول الدلالية الموردة لتلك الألفاظ يشف عن تردي الحس الأخلاقي وتفتت اللحمة الاجتماعية والوطنية بين مكوناته، فالخطاب الطائفي والخطاب السياسي العنصري يلجأ إلى توظيف مجازات صادمة ومخيفة ومحرضة على الكراهية في تمثلها ورؤيتها للآخر المختلف في المذهب أو الرؤى السياسية أو الانحدار الاجتماعي. ومما يُعجَب منه ويُؤسَف له أن تتحول (الوطنية) إلى سبة وشتيمة بسبب تراجع الإحساس بالهوية الوطنية وغلبة الحس المذهبي والطائفي، فمن الشتائم المولدة في العامية العراقية (وطنچي) فالدلالة المستهجنة التي تتضمن ازدراء لا تكتفي بإلحاق ياء النسبة وإضافتها إلى المفردة بل تضيف صوت(چ) قبل ياء النسبة، فـ (وطنچي) لا يكافئ (وطني) في الدلالة. وكثير من أسماء السياسيين يطالها عنف من خلال إبدال بعض أصواتها لتوليد دلالة استهجان وتحقير مع الحرص على الإبقاء على البنية الصرفية للمفردة لضمان الحفاظ على قصدية الإحالة وللإيحاء والدلالة على الشخص نفسه الذي أُبدِلت بعض أصوات اسمه الحقيقي. وتُقلَب الميم لاماً في مفردة (المقاومة) فتُسمَى بـ (المقاولة) للاتهام بالأطماع الشخصية والفساد والحصول على العقود والاستثمارات (المقاولة) لمن يدعي الوطنية والجهاد بينما الوقائع العملية تكشف زيف ادعائه، كما أن (ثورة تشرين) تُقلَب فيها النون تاء للتهكم فتسمى (ثورة تشريب)، وقد تبدل مفردة (الثورة)بأكملها بمفردة أخرى (عورة تشرين) أو (فتنة تشرين) في شيطنة هذا الحراك والانتقاص منه. ويطال العنف المصاحبة المعجمية بين المفردات المتلازمة في أسماء الائتلافات الانتخابية الحزبية، فينُتهَك التلازم بإبدال بعض المفردات لأجل السخرية (ائتلاف دولة الفافون) بدلاً من ائتلاف (دولة القانون)، ويقال(تحالف هدم) بدلاً من (تحالف عزم). فثمة رغبة نفسية وراء هذا العنف اللغوي لا يمكن اختصارها بالتهكم والسخرية، تتعلق هذه الرغبة بالتنفيس عن الكراهية، فالمتحدث يأنف من تسمية من يبغضه حقداً واحتقاراً، إذ يتواتر كثيراً في أغلب اللهجات العربية المحكية لفظ (اللي ما يسمى) ملحقاً باسم شخص يبغضه المتحدث ولا يريد أن ينوه بذكره ولكنه يضطر إلى تسميته. وثمة ضمائم نفسية غير التهكم والسخرية والاحتقار في الشتيمة بنحو عام والشتيمة السياسية بنحو خاص تتلخص بكون الشتيمة تحقق فعل (التعيير) والتذكير بأصل متواضع أو مشين وغالباً ما يرتبط هذا النوع من الشتيمة بالتذكير بمهن متدنية قي قيمتها الاجتماعية، فيُسمَى أحدهم بـ (أبو الثلج) وآخر (أبو السبح) وآخر غيره (أبو دهن الحر). ويُطلَق على السياسيين الطارئين بـ (العتاكة). وتحرص الماكنة الإعلامية للأحزاب السياسية بما تمتلك من قنوات فضائية ومنصات رقمية وجيوش إلكترونية تنشط في الظل تحرص على بث الكراهية والتسقيط لمن يهاجم رموزها، فهي تدافع عن سياستهم وتعمد إلى خلع الألقاب التي تبالغ في تمجيدهم وإزاء هذا تتمثل استجابة الجمهور في توليد أسماء ساخرة نحو: (راس تريلة) في كناية عن الرأس الحزبي المهيمن الصلب والمتعنت غير المرن في خطاباته مثلما هي مقدمة الشاحنة ورأسها، فعلى الرغم من قوة رأس الشاحنة في جر جسد الشاحنة إلا أنه لا يمتلك مرونة الاستدارة وتغيير الاتجاه مثلما يحصل في مقدمة السيارة الصغيرة. وهناك بعض المفردات في اللهجة العراقية مقترضة من الانكليزية(cover) بمعنى (الغطاء)، فيسمى اتباع الأحزاب الدينية المتظاهرون بالالتزام فيبالغون بإطالة اللحى والمظهر الشكلي الديني فيُسمون (بالكفرات) في استعارة تدل على النفاق والرياء. ومن استعارات التبعية الدالة على التملق والروح الوصولية(لواحيك) جمع (لاحوك) بمعنى لاحق وتابع، وتطلق مفردة (زبوك) وجمعها(زبابيك) في الإشارة إلى الواجهات الإعلامية من المطبلين للأحزاب والمدافعين بشدة عن سياستهم وفسادهم بنحو ينتهج المغالطة الحوارية ومهاجمة الخصم والتشويش على كلامه، فالمفردة العامية يمكن ردها إلى أصول فصيحة للفعل (زبق)، فمن معانيه كما يذكر ابن منظور في معجمه لسان العرب الدخول في الشيء بسرعة والتخفي، وقد أُبدِلت القاف كافاً، ومناسبة الاستعارة أنهم يبالغون بالظهور في منصات إعلامية كثيرة جداً ويفتقدون اللياقة في الحوار إذ لا يدعون خصمهم يكمل حديثه فهم مجندون للتشويش على الخصوم. ومفردات (بواقة)، و(مطبلجية)، و(مهاويل) تستلهم القصد نفسه في إدانة الواجهات الإعلامية من ممثلي الأحزاب الملمعين لسياستهم والمتملقين لهم. ومن ألفاظ الشتيمة التي ترتبط بفعل التخوين واتهام الآخر بالتبعية والعمالة للأجنبي والارتزاق مفردة (الذيل) (والذيول)، وهي من المجازات المولدة وينحصر استعمالها على فئة معينة يرتبط ولاؤها لجهة خارجية، وهي ترتبط بإحدى المجازات الميتة في الاستعمال الفصيح وهي مفردة (الأَذناب) جمع (ذنب) القديمة الاستعمال ومرادفها العامي هو (الذيل) وهو من الأصول الفصيحة أيضاً، واستعارة (الذنب) ترتبط بالعمالة، ففي الخطابات الوطنية المرتبطة بتخوين العملاء والتشكيك بنواياهم الوطنية يُقال عنهم أنهم (أذناب المستعمر) أو (أذناب المحتل)، فهي مجاز واستعارة تصورية مجالها المصدر هو الحقل المُدَنَس عند الإنسان وهو حقل الحيوان، فهي لا ترمز إلى تبعية الجزء للرأس المفكر والجسد الكلي فحسب، ففيها أيضاً ضمائم دلالية من التحقير والازدراء والكراهية. فثمة استعارات جسدية كثيرة تدل على التبعية غير المشينة والحضور الفاعل والمؤثر في الجسد، مثل فلان يد فلان، وفلان عين فلان، وفلان العقل المفكر لهذه الجهة، وهؤلاء هم (أذرع) الجهة الفلانية في المنطقة، بيد أن مفردة (الذيل) تمثل غاية في العنف والتحقير. وتبلغ الشتيمة ذروتها من السقوط الأخلاقي المشين مما يندى له الجبين في تناول أعراض الأشخاص واتهامهم بشرفهم في سيل نابٍ من الألفاظ المخجلة في خطابات تتقابل فيها الشتائم في ثنائيات طائفية مريضة ومقيتة ترسم صوراً فاضحة لمن يُشتَم نحو (أبناء المتعة..أبناء الرفيقات)،(أبناء أم حازم.. أبناء الأفغان والشيشانيين). أو قد يكون التقابل في الشتائم منطلقاً من التخوين والتسقيط والإحالة للعمالة للأجنبي (ذيول..جوكرية) (ولائيون... تشارنة)، (طائفية... وطنجية)، وثمة تقابلات لفظية تكفيرية توغل في وحل الكره الطائفي ومستنقعه الآسن نحو: (رافضي.. ناصبي)، (صفوي.. وهابي)، فالشتيمة لا تضطلع بوظيفة نفسية في التفريغ عن الأحقاد المكبوتة والرغبة بإيذاء الآخر وإلحاق الألم به تشفياً فحسب، فهي بتكرارها وشيوعها وتعميها في خطابات الكراهية وفضاء البغضاء الرقمي ترسم صورة نمطية للشخص غير صورته الحقيقة يحتاج الشاتم أن يتمثلها هو نفسه للتشفي، وأن يعمل على تكريسها عند الآخرين لا لأجل التسقيط الاجتماعي فحسب بل هي سلاح ردع لا يهاب خطوطاً حمراء ويسدد ضرباته تحت الحزام، يُلجَأ إليه حين تتكبد الأفكار المؤدلجة خسائر في الدفاع عن مسلماتها العقائدية بعد أن مُنيت بهزائم فكرية على يد آليات النقد المتطورة في حوارها الموضوعي الهادئ والرصين، فلم تجدِ نفعاً تلك المعاقل الدوغماتية، المتمترسة خلف الوهم والبروبركاندا الحزبية أو الطائفية المريضة في خطاباتها المضللة.
ويصل برم الجمهور ذروته من المؤسسة الدينية التي لا تهتم إلا بالحفاظ على طقوسها الشكلية المفرغة من مضمونها الروحي وحرصها على ضمان منافعها الخاصة وضمان استمرار رمزيتها الشعبوية، فلا تكترث لهموم الناس وتفشي الفساد الذي يفتك بجسد الدولة ويفت من النسيج الاجتماعي فيُسمَون بـ (كهنة معبد آمون)، فالتسمية لا تتضمن الإدانة والتحقير وحدهما بل تحقق التكثيف وتختصر كثيراً من المعاني التي توحي بها هذه المفردة من تفريغ الدين من محتواه القيمي فيتحول وسيلة للارتزاق ومؤسسة كهنوتية فاقدة للقيم الروحية وتستثمر في مخاوف الناس وجهلهم وتتواطأ مع فساد السلطة.
وترتبط ألفاظ الشتيمة في ضوء خطاطة (ياكوبسن) بالوظيفة التعبيرية للخطاب والتركيز على طرف المُرسِل في أحيان لتفريغ مشاعر الكراهية والتشفي، وفي أحيان أخرى ترتبط بالوظيفة التأثيرية (بالتركيز على المُرسَل إليه) في جرح الآخر وإسكاته وتعييره، وترتبط أيضاً بوظيفه التركيز على قنوات التواصل، فهذه الوظيفة تأذن بنهاية الحوار وغلقه، ففيها ينتبه المنخرط في المحادثة للوسائل التي من شأنها أن تجعل الانتباه قائماً بين الطرفين أو تخلق بداية الحوار أو تؤذن بانتهائه مثل عبارات التحية والوداع، فالشتيمة تتكفل بغلق الحوار بطريقة بعيدة عن الأدب واللياقة. إن فكرة ارتباط الاستعارة بمحور الاختيار المفرداتي لا بمحور التوزيع خضعت للتطور في اللسانيات الإدراكية فأضحت الاستعارة متضمنة في المعجم الذهني لا في عمليات الإبداع التوليدي التركيبي، فهي ترسم قبليات تصورية حول الأشخاص، فتنوب الشتائم الاستعارية مناب اسم العلم للأشخاص في خطابات الفتنة، وقد تمخضت الفكرة ونضجت في التحليل اللساني في نظريات الحجاج، فالاستعارة والمجاز تُعَد خزاناً ومستودعاً للمواضع الحجاجية، فالعبور من المسلمة إلى النتيجة في مسار الخطاب الإقناعي ينقدح زناده من تلك المواضع (القيم الحجاجية)، وهي قيم نسبية تختلف بين جماعة وأخرى، فيستغني منشئ الخطاب عن التصريح بتلك القيم لأنها حاضرة في الاقتضاء المعجمي لتلك المسلمات بل إن القوة الحجاجية لتلك القيم المضمرة في بنية الخطاب تمكن المتحدث من أن يستغني عن التصريح بالنتيجة تعويلاً على الكفاية التخاطبية للمتلقي وقبلياته التصورية والمعاني الهامشية الحافة للألفاظ.
فالشتيمة في المنظور اللساني الإدراكي تمثل في بنية خطاب الفتنة (مقولة تصنيفية) للفئات والأفراد المختلفين، فمفردة (صعيدي) في العامية المصرية ــ مثلاً ــ تغادر حياديتها في الدلالة على المكان إلى ضمائم عنصرية فوقية متعالية من التهكم والاحتقار والوسم بالسخرية والسذاجة وعدم المرونة في الرأي إلى حد البلادة فتمثل مدلولاً تصورياً ومتخيلاً مفارقاً عن المدلول التصوري عند إنسان الريف المصري في الصعيد، فهي تحمل عند الأخير قيم الرجولة والشهامة المفرطة والشجاعة وذروة الكرم. فالمفردة تمثل عند أولئك شتيمة وعند هؤلاء ثناء ومديحاً. فالناطقون بلغة واحدة لا يشتركون في معجم لغوي ذهني واحد على الرغم من اشتراكهم في أنساق صرفية ونحوية وصوتية وكثير من الدلالات المركزية للكلمات. فللمفردات أطر ذهنية مختلفة بين الهويات الفرعية والجماعات المذهبية. وفي إنتاج الخطابات وتأويلها يتم تنشيط تلك الأطر لتنظيم الخطاب وضمان سيرورته الخطية ومساره الحجاجي من قبل منشئه ويتم تفعيلها من قبل جمهوره المؤدلج في تأويل تلك الخطابات. وتكون الملاءمة التأويلية لتلك المجازات عالية جداً، فلا يكاد المتلقون يبذلون جهداً في فهم قصديتها الدلالية، فينطبق خطاب الفتنة وأفق المتحدث(المُحرض على الكراهية) مع أفق المتلقي والجمهور المؤدلج بسبب دوغما الكراهية العمياء ومركباتها المزمنة وتماهيهم في الرؤى العنصرية الواحدة، حتى من يراقب الشتيمة التي لا تمثل له مشتركاً تصورياً عن الآخر المختلف سوف يستدل بنحو ضمني على الهوية الفرعية لمنشئ الخطاب ولأي جماعة ينتمي بسبب تلك المفردات النابية، فلكل طائفة قاموسها من ألفاظ الشتيمة والكراهية يشكل متخيلها القيمي ويرسم صورة نمطية سلبية عن الآخر المختلف. وإذا كانت اللسانيات الاجتماعية في دراستها للتحول اللغوي أثناء الخطاب قد رصدت أثر (أفعال الهوية اللغوية) التي تشف عن الاستعمالات اللغوية الخاصة التي ينتمي إليها الفرد وحرصه على تأكيد انتمائه لجهة ما في تحوله من النسق الفصيح إلى لهجته الخاصة، فألفاظ الشتيمة هي الأخرى يمكن عدها من أفعال الهوية اللغوية.
ومفردة (الاجتثاث) لعناصر النظام السابق ومؤيديه من أكثر المفردات المحرضة على الكراهية في دلالتها الرمزية فهي متضمنة لاستعارة قرآنية (ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الارض ما لها من قرار)، ولوطأتها وحساسيتها الشديدة فقد أُبدِلت تسمية إحدى المؤسسات الحكومية التي تتعقب من انتمى للنظام السابق (هيئة اجتثاث البعث) أُبدِلت بمفردة(هيئة المساءلة والعدالة) لتفادي تأويلات الثأر والانتقام والتشفي. ونظير هذا التغيير في التسمية ما عمد إليه من قبل نظام صدام إزاء انتفاضة محافظات الوسط والجنوب بعد خروجه من الكويت، ففي فورة غضبه أسماهم بـ (الغوغاء)، وهي وإن كانت في دلالتها تتضمن الفوقية والاحتقار لأبناء شعبه ولكن معانيها المعجمية في أصولها الفصيحة تشير إلى عفوية الحراك الشعبي الثائر وصدقه، وسرعان ما أبدل التسمية بتسمية ثانية هي (صفحة الغدر والخيانة)، فمفردة (الغوغاء) في ضوء المعاجم العربية القديمة هي مأخوذة من كثرة حركة (حشرات الجراد) وتجمعه وتشتته وعشوائيته وكأَنَّ النظام الدكتاتوري قد اعترف ــ من حيث لا يدري ــ بعفوية وصدق الانتفاضة وبعدها عن العمالة ويعترف بكثرة من خرج على نظامه وإن كانوا من بسطاء الناس، فهم صادقون لإحساسهم بالظلم ؛ بينما التسمية الجديدة(صفحة الغدر والخيانة) تناغم غرور النظام الذي يفلسف الهزيمة بالنصر مثلما تصنع دائماً الأنظمة الشمولية التي لا تقر بهزائمها البتة. وكأَنَّ الأحداث فيما يريد أن يوحي به النظام السابق هي صفحة طُوِيت بسهولة كطي ورقة من سفر طويل من الانتصارات والتحديات وهي توحي باستتباب الأمن وبسط نفوذه، فما حصل هو صفحة من الماضي. بينما حرصت التسمية الشعبية أن تطلق عليها بـ (الانتفاضة)، وبعد تطور أحداثها وركوب الجماعات الإسلامية موجتها أُضيفت إليها مفردة (الشعبانية) فسميت(الانتفاضة الشعبانية) لإضفاء الصبغة العقائدية عليها فقد انطلقت شرارتها في شهر هجري من الأشهر المقدسة (شعبان) ولم تسمَ باسم الشهر الميلادي مثلما هو التقليد في تسمية معظم الثورات. فالتسمية للأحداث السياسية ليست اعتباطية بل هي تعكس رؤية خطاب التسمية وموقفه منها، والاختلاف بالتسمية يعكس المسافة النفسية وأيديولوجية الخطاب.
وفي الإبادة الجماعية التي ألحقها نظام صدام بكرد العراق عام 1988حرص على تسمية عملياته العسكرية الوحشية والعنصرية بـ (الأنفال) في اقتباس من سورة الأنفال في القرآن الكريم في توظيف براغماتي للدين على الرغم من علمانية النظام، فالمفردة غاية في القسوة والعنف إذ توحي بكونهم مارقين وتستبيح منهم الحرمات والدماء كأنهم كافرون وإن حملته العسكرية هي حملة مشروعة ومقدسة. وبقيت هذه المفردة غائرة كجرح عميق في الذات الكردية، والغريب أن الكرد أنفسهم يشيرون لضحاياها إلى لحظتنا هذه فيسموهم بـ (المؤنفلين)، بسبب سطوة النظام السابق الذي رسَّخ هذه المفردة في الاستعمال.
وثمة تقابل في الشتيمة بين الفرقاء السياسيين والجماعات الطائفية في سجالاتها الكلامية، ومن بين تلك المجازات المتقابلة بين الأحزاب التي انخرطت بمشروع (بريمر) والحزب الحاكم قبل احتلال أمريكيا للعراق (جاؤوا على دبابة أمريكية) هذه الشتيمة تُرد بشتيمة (جاؤوا بقطار أمريكي)، والمجاز الأخير في أصله لم يكن شتيمة بل اعترافاً بتبعية انقلاب البعث وعمالته وتخابره مع أمريكا واستيلائه على السلطة عام 1963 فقد وردت على لسان أحد قيادات البعث (علي صالح السعدي) (جئنا إلى السلطة بقطار أمريكي) في واحدة من لحظات البوح والندم والاعتراف بالخطأ، وجرى تلقف هذه الكلمة من خصومهم لتحقق التقابل بين خطابات التخوين والعمالة للأجنبي والانخراط بمشروعه التوسعي. ومن بين تلك المجازات المتقابلة بين الخطابين (أيتام صدام) للمنتفعين من عهده ومجاز (أيتام بريمر)، فالمجاز الأخير يرتبط بالتعيير والاتهام بالعمالة والتسقيط والتبعية لمشروع أمريكا وحاكمها الأول في العراق (بريمر) الذي أسس لنظام المحاصصة في الحكم وبذر فتنة الانقسام السياسي الطائفي. ويُسنَد فعل الرسم إلى الدم في مجاز عقلي (الحدود يرسمها الدم) على لسان أحد الزعماء الكرد مهدداً في ذروة الشد السياسي حول الأراضي المتنازع عليها بين قوميات عراقية مختلفة، فهذا المجاز يختصر كلاماً كثيراً من التهديد بإراقة الدماء وفرض الأمر الواقع تحت سطوة السلاح وينذر بالحرب الأهلية. كما يرد مجاز (سنصعد الجبل إن لم يستجب المركز) في سياق التهديد نفسه في الكناية عن الانشقاق وعصيان المركز وحمل السلاح في حرب العصابات التي تستمد مقوماتها من الجغرافيا القاسية وتتخذها ملاذاً آمناً في الاختباء والقنص. وثمة مجازات تلقي تبعات الإرهاب الوافد من خارج الحدود والتكفير والقتل على الهوية على بيئة اجتماعية ومنطقة داخلية معينة من خلال التلويح بالتخوين بالقول: (تعزز الجهد الاستخباراتي في حواضن الإرهاب ومناطقه) ولا يخفى ما في دلالة (حواضن) من إدانة واتهام بالرعاية والتنشئة للإرهاب مما يمكن عده إجحافاً بحق سكان تلك المناطق الذين قد اكتووا بنيران الإرهاب قبل غيرهم. ومن مجازات التخوين والاتهام بالتبعية والعمالة والمشحونة الاحتقار والطائفية: (كلاب العجم)، فدلالة الكلب تستبطن النجاسة والخسة والتبعية الذليلة، ويرسم هذا المجاز في عنفه اللغوي الشديد اتساع الشرخ وحجم الكراهية بين الفرقاء السياسيين. وفي سياق الإحالة إلى قسم من الناشطين المدنيين الذين انضموا للعملية السياسية وكانوا جزءاً من حراك تشرين ووصلوا إلى البرلمان وانخرطوا في لعبة السياسة وتفاهمهم النفعي مع الكتل الكبيرة في البرلمان وتخليهم عن مطالب جمهورهم يُشار إليهم في واحد من المجازات (صاروا خردة بجيب الإطار). وإذا كانت الألفاظ لا تدل بنفسها وإنما تدل بإرادة المتلفظ كما يشير ابن سينا في كتابه (الشفاء) فإن هذا المجاز الأخير يُوظَف في خطابين متقابلين على الرغم من وحدة الملفوظ، ففي خطاب جمهور تشرين يُوظَف للدلالة على آسفهم وخيبة أملهم ؛ بينما ثمة دلالة مغايرة يُوظَف فيها هذا المجاز من جمهور أحزاب السلطة في دلالة على الإغاظة والتشفي وفشل حراك تشرين، على الرغم من وحدة المشترك التصوري فيما يخص ضخامة الإطار التنسيقي وهيمنته السياسية، فهو الجسد الرئيس وهم شيء ضئيل في البرلمان مثلما هي الفئات القليلة من العملة النقدية التي يسهل السيطرة عليها ودسها في الجيب.
ويمكن تصنيف الشتائم إلى شتائم دينية وأخرى مذهبية وثالثة سياسية ورابعة شتائم مناطقية وخامسة عشائرية وسادسة شتائم أيديولوجية (فكروية) نحو: (لبرالي، يساري، أصولي، علماني، إسلامي، قومي، حداثوي، رجعي، متطرف، ذكوري، جندري) فهذه المفردات توظف في فضاء دلالي مغاير غير فضائها وتتحول إلى نقيصة وسبة تلحق بمن يتصف بها في الخطابات السجالية الايديولوجية المتشنجة. بل حتى خطاب المثقف نفسه الذي يفترض أن يكون خطاباً نخبوياً بعيداً عن العنف ويتسم بالموضوعية ويحمل قيم التنوير نجده يقع هو الآخر في شراك النرجسية ومركبات الغرور والفوقية في حس متعال على الجمهور، فتشيع لديه مفردات (القطيع، والأوباش، والرعاع، ذكوري، رجعي، أبوي بطريركي...) فيوزع التهم وتبعات المسؤولية على الجمهور في خطاب يمعن في جلد الذات.
وتتفاوت الشتائم في شدة آثارها النفسية ودرجة الكره وتحقير الآخر ولعل أشدها وقعاً في عنفها الرمزي في إثارة حفيظة الآخر هي الشتيمة المناطقية لأنها تمثل متخيلاً مشتركاً بين الانتماءات المتنوعة والهويات الفرعية، فالمختلفون دينياً ومذهبياً وسياسياً وفكرياً قد يتوافقون جميعاً في تمثل صورة سلبية نمطية تحمل دلالات سلبية عنصرية في احتقار منطقة جغرافية ما، فينظرون نظرة احتقار وفوقية لمن تنحدر أصوله الأسرية منها. وقد ترد تلك المفردة على لسان المختلف عنهم ولكن بسياق حيادي إشاري غير مغرض في الإحالة لنسبة الجماعة للمكان ولكنها على الرغم من ذلك الحياد تثير حساسيتهم لأنهم يدركون معانيها السلبية الحافة وتمثلاتها لدى الآخر المختلف جغرافياً عنهم.
والشتيمة نفسها تتعرض بسبب تفشيها على الألسنة إلى تطور وانزياح في دلالتها المركزية وتغادر مجالها الديني إلى الفضاء الاجتماعي العام، فمفردة (حنبلي) في سياق الذم لم تعد تحيل في معناها إلى المذهب الفقهي بل تحيل إلى التزمت في الرأي أي رأي كان، وفي اللهجة المصرية مفردة (ابن الرافضي) تحيل في قصدية استعمالها إلى خبث السريرة وسوء المنبت ولا تحيل إلى دلالتها العقائدية في سياق الكراهية، وكذلك (أيوة يا عمر)، فهذه المفردة الأخيرة لعلها من بقايا الحقبة الفاطمية وعقائدها المذهبية كما يشير عالم اللغة المصري (رمضان عبد التواب) في مقدمة ترجمة كتاب تشومسكي (اللغة والمسؤولية)، فهذه المفردة في الاستعمال اللهجي المصري المعاصر تشير في قصديتها إلى قوة الشكيمة والسطوة في الرأي ولا تحيل في دلالتها إلى تمثلاتها التاريخية، فالصحابي عمر رمز موقر في عقيدة من يستعمل (يا عمر) في التهكم، فهو لا يستحضر رمزيته البتة. وكذلك مفردة (يهودي) في العامية العراقية في دلالتها الاجتماعية المعروفة في الإحالة على قسوة القلب والخبث تخلت عن إحالتها الدينية فهي تشير إلى قسوة القلب. وبانتقال تلك المفردات وهجرتها الدلالية الى الفضاء الاجتماعي سوف يتضخم قاموس الشتيمة اليومي بسبب رواسب الكراهية الطائفية والدينية. وهذا هو الأمر الذي ينذر بالخطر الكبير إذ يمكن أن تُطوَى وتُنسَى صفحات الطائفية والصراعات السياسية ولكن ألفاظ الشتيمة سوف تهاجر دلالياً إلى الفضاء التداولي الاجتماعي اليومي فيتضخم قاموس الشتائم مما ينعكس سلباً على قيم المجتمع ومنظومته القيمية.
وفي المقاربة اللسانية للغة البشرية مع الإشارات الحيوانية المحدودة للوقوف على تفوق اللغة الإنسانية وإيفائها بحاجات الإنسان التعبيرية وقدراتها غير المحدودة في التواصل موازنة بالأصوات الغريزية اليسيرة المحدودة التي تتفاهم بها الحيوانات جرت البرهنة على أن اللغة هي ميزة ترتبط بالكينونة الإنسانية، ففيها من الخصائص التواصلية مما تفتقر له أصوات الحيوانات، منها قابلية اللغة للإزاحة والحديث عن أشياء مستقبلية وفي الماضي ؛ بينما إشارة الحيوان ترتبط بموقف معين، وقدرة اللغة على التفصيل والبيان في حين إشارات الحيوان مجملة غريزية محدودة، وشخصوا أن الإنسان وحده من يستعمل لغته للخداع والتضليل، ويمكن التفريع على ذلك بأنه الكائن الوحيد الذي يستعمل نظامه الإشهاري للعنف وإيذاء الآخر لمجرد الإيذاء أحياناً من دون اضطرار للعنف، مثلما هو الكائن الوحيد الذي يقتل في أحيان رغبة في القتل لا لأجل للدفاع عن نفسه بينما تضطر الحيوانات للافتراس لتوفير متطلبات البقاء من الحماية والطعام، فهي لا تقتل لأجل القتل. فإذا كانت اللغة ارتقت بكينونة الانسان من خلال تفاعلها مع ملكة الاستنتاج والتحليل وامتلاكها سمة التجريد والتعميم في نظامها اللساني بما يجعله متفوقاً في التفكير على سائر الكائنات الحية، فإن الإنسان ــ ومما يُؤسَف له ــ انحدر في استعماله للغة إلى مستويات من العنف والبذاءة وسوء الأدب بنحو لم تصل إليها الحيوانات البدائية في وحشيتها.
ومن الجدير بالذكر أن اللبنانيين بعد أن اكتووا بنيران الحرب الاهلية ودفعوا الثمن باهضاً لتشرذمهم المرير حرصوا أن يحتفظوا ببعض رمزيات الفتنة التي أوقدت نيران الحرب الأهلية وتحديداً الحافلة التي تم اطلاق الرصاص عليها في منطقة (عين الرمانة) في إحدى ضواحي بيروت في منتصف سبعينيات القرن الماضي التي كانت النواة التي أشعلت الحرب الأهلية بين مكونات البلاد، فقد عُرِضَت في إحدى الساحات العامة وهي تحمل آثار الرصاص في هيكلها، ثم نقلت إلى حديقة احد المتاحف في بيروت حرصاً على التذكير برموز الفتنة لاستلهام الدرس المرير واتخاذه عضة وعبرة وتفادياً لكل ما من شأنه أن يوقظ الفتن ويحرِّض عليها في المستقبل. ولعل خطابات الكراهية وألفاظها في الفضاء الرقمي العراقي هي أولى من أيقونات الشر والفتن بشواخصها المادية (المتحفية) بالمراجعة والنقد والتذكير بكونها هي المحرك الأول للفتنة والانقسام، فمن قبل وضع نزار القباني يده على الجرح في قصيدته (هوامش على دفتر النكسة) بعد حرب حزيران وهزيمة العرب المرة أمام إسرائيل:
أنعى لكم يا أصدقائي اللغة القديمة
والكتب القديمة..
أنعى لكم.. كلامنا المثقوب كالاحذية القديمة..
ومفردات العهر والهجاء والشتيمة
أنعى لكم.. أنعى لكم
نهاية الفكر الذي قاد إلى الهزيمة.
فنعيه الحزين لا يتعلق باللغة بوصفها نظاماً بل نعيه هو نعي للعقل اللغوي العربي وآليات تفكيره ونزعته القبلية الطائفية، فهذا العقل هو من أنتج هذه الهزيمة لتشرذمه وانشطاره إلى هويات فرعية تتصارع وتتقاتل بالكلمة والسباب، فهو نعي لعقل لا يمكن أن ينتج الوئام والسلام، ولا يمتلك مقومات الصمود إزاء التحديات التي تواجهه.
وبعد فقد لا تستريح نفس القارئ الكريم ويثقل عليه حديث الفتنة الطويل والمسهب، ويمج ألفاظ الشتيمة ومجازاتها، وقبل ذلك ثقل هذا الحديث على القلم نفسه وناء بهذه السطور الثقيلة التي لا تبعث أريحية في القراءة، فانقبضت منها نفسه أولاً قبل أن تنقبض منها نفس القارئ الكريم، ولكن لابد مما ليس من دونه بد، فلا يمكن للمجتمعات التي تعيش انقسامات حادة أن تتعافى من أمراضها الطائفية والعنصرية والقبلية وتستأنف عقداً اجتماعياً جديداً يرسّخ الوئام ما لم تفكك تلك الخطابات وتضعها على منضدة التحليل والنقد.
***
كريم عبيد علوي








