عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

آراء

عبد الحسين الطائي: اليوم العالمي للتنوّع الثقافي.. رسالة إنسانية للتعايش

بعد الحرب العالمية الأولى وانهيار الإمبراطورية العثمانية ظهرت دول تضم جماعات إثنية ودينية متعددة. تأسست "عصبة الأمم" عام 1919 بموجب معاهدة فرساي، بدأت عملها الرسمي في جنيف عام 1920، بهدف تعزيز الترابط بين دول العالم لحفظ السلام. حاولت فرض معاهدات على بعض الدول الجديدة لحماية الأقليات، تضمنت بعض الحقوق التي تتعلق باستخدام اللغة وحرية التعليم الديني والثقافي، وبعض أشكال الحماية من التمييز، ولكن آليات التنفيذ كانت ضعيفة، والكثير من الدول اعتبرتها تدخلاً في السيادة الوطنية، ولذلك فشلت "عصبة الأُمم" في منع نشوب الحرب العالمية الثانية، وبالتالي تم حلها واستبدالها بمنظومة قوية لحماية التنوع الثقافي باسم "منظمة الأُمم المتحدة".

بعد تصاعد وتيرة النزاعات القائمة على الاختلافات الثقافية والدينية والعرقية بمختلف دول العالم، ولم تفلح كل المحاولات في حماية التنوع الثقافي قبل الحرب العالمية الثانية، لأنها كانت محدودة وغير فاعلة. أدرك المجتمع الدولي أهمية التنوع الثقافي بأنه من أعظم السنن الكونية التي قامت عليها الحياة الإنسانية، لأنه ليس مجرد اختلاف في الألوان أو اللغات أو الثقافات، بل كونه ثراء حضاري وفكري وأخلاقي قادر على فتح الكثير من الآفاق أمام البشرية للتفاهم والتكامل. ولهذا بادرت منظمة الأُمم المتحدة في تبني قيم جديدة عززت الحوار والتفاهم بين الشعوب، بعد أن أدركت بأن المجتمعات الغربية التي سمحت بتعدد اللغات والأفكار والعادات واعترفت بمبادىء التعددية الثقافية أصبحت أكثر استقراراً وقدرة على التكيف.

الإجراءات الحقيقية المؤثرة بدأت بعد الحرب الثانية وما رافقها من متغيرات كثيرة، احتل مفهوم التعدد الثقافي الحيز الأكبر، وبدعم من الحركات الاجتماعية الإنسانية التي نشطت في مختلف الدول الغربية بالضد من العلاقات السائدة التي لم تكن متكافئة. وظهرت اتجاهات فكرية وأنثروبولوجية أكدت قيمة الثقافات المتنوعة وتبنت مطالب حقوقية طابعها معولم، جعلت قضايا حقوق الأقليات الثقافية والدينية، التي كانت تخص الشأن الداخلي لكل بلد من اهتمام المؤسسات الدولية. ثمرة نضال تلك الحركات الاجتماعية تُوج بصدور العديد من التشريعات القانونية التي عززت من أهمية التنوع الثقافي ومفاهيم التعددية الثقافية والتعايش، وكان لها الأثر الكبير في استقرار البلدان الغربية بعد الحرب الثانية.

تحتفل اليونسكو والكثير من بلدان العالم باليوم العالمي للتنوع الثقافي في 21 مايو من كل عام منذ 2002، وتدعو الدول إلى احترام التنوع الثقافي في بلدانهم والعمل على إيجاد آليات قانونية ومؤسساتية لحماية التنوع الثقافي باعتباره قوة حقيقية لتعزيز مقومات التعايش السلمي المجتمعي. بدأت فكرة الاحتفال باليوم العالمي للتنوّع الثقافي من أجل الحوار والتنمية، بعد أن أعلنت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة "اليونسكو" اعتماد الإعلان العالمي للتنوع الثقافي في عام 2001، بعد أن نضجت فكرة الحاجة إلى نشر قيم السلام والتسامح والحوار بين مختلف دول العالم.

الهدف من الاحتفال باليوم العالمي للتنوع الثقافي هو للتأكيد على أن التنوع الثقافي تراثاً مشتركاً للإنسانية، والحوار بين الثقافات المتنوعة هو السبيل الأفضل إلى تحقيق قيم السلام والتنمية المستدامة والتقارب بين شعوب العالم. يحمل الاحتفال في جوهره أبعاداً إنسانية وحضارية راقية، لأنه لا يكتفي بإبراز اختلاف الشعوب، بل يؤكد أن هذا الاختلاف مصدر قوة وتكامل. ويُعد مناسبة إنسانية لتذكير الشعوب بأنها أكثر انفتاحاً وترابطاً بفعل الثورة التقنية والتواصل الحضاري بين البشر في أجواء تتقاطع فيها الثقافات والهُوِيات والأفكار، وفي ظل هذا الواقع المعقد، برزت الحاجة الملحّة إلى ترسيخ ثقافة قبول الآخر المختلف واحترام خصوصياته الثقافية والدينية والاجتماعية، وتمايز كل ثقافة عن غيرها.

الاحتفال باليوم العالمي للتنوع لا يقتصر على إقامة الفعاليات والشعارات الرمزية، بل يحمل رسالة عميقة مفادها بأن الإنسانية تتكامل باختلافها، والبشر مهما تباينت أعراقهم ومعتقداتهم يشتركون في قيم إنسانية عليا، أهمها الكرامة والعدل والاحترام المتبادل. فالتنوع ليس تهديداً للهُوِية، وإنما فرصة لإكتشاف الآخر وتبادل الخبرات والمعارف وبناء جسور الثقة بين الثقافات المتنوعة المختلفة. ويمثل دعوة صريحة لمواجهة مظاهر التعصب والعنصرية والكراهية التي تهدد المجتمعات وتزرع الانقسام بين أفرادها. فحين يتعلم الإنسان احترام الاختلاف، يصبح أكثر وعياً بحقوق الآخرين وأكثر استعداداً للتعايش السلمي. ومن هنا فإن المؤسسات التعليمية والإعلامية والثقافية تتحمل المسؤولية الكبرى في غرس قيم التسامح والانفتاح، وتوعية الأجيال بأن التنوع الثقافي هو مصدر قوة للتعايش.

حققت البشرية تحولات كانت تبدو مستحيلة، ففكرة عالم أكثر إنسانية وتنوعاً ليست ضرباً من الخيال، بل مشروعاً طويلاً يعتمد على التوجهات السياسية والثقافية العامة لكل دولة. والوصول إلى عالم أفضل يحتضن التنوع الثقافي ويواجه التحديات يحتاج إلى آليات عمل متواصلة على عدة مستويات. العالم الأفضل للعيش المشترك الذي نطمح إليه لا يعني خالياً من الخلافات، بل عالماً يستطيع إدارة الخلافات دون عنف أو إقصاء، وأن يتمكن المختلفون من العيش ضمن قواعد ثابتة تحترم القيم الأخلاقية والمشتركات الإنسانية.

تصاعدت في العقود الأخيرة، في بعض الدول سياسات وخطابات الكراهية التي ترفض تبني مبدأ التعددية الثقافية بوصفه تهديداً للهوية الوطنية، معتبرةً أن التنوع العرقي أو الديني أو اللغوي يؤدي إلى التفكك الاجتماعي. هذا التصور رغم انتشاره، يحمل تناقضات عميقة ويثير أسئلة جدلية أخلاقية وسياسية حول معنى المواطنة. إن رفض التعددية الثقافية لم ينشأ من حرص حقيقي على الوحدة الوطنية، بل ارتبط بالخوف من التغيير أو باستغلال سياسي للهُوِيات الجماعية، لأنه في أوقات الأزمات الاقتصادية أو التوترات الأمنية، يصبح "الآخر المختلف"هدفاً سهلاً لتوجيه الإتهام له، سواء كان مهاجراً أو أقلية دينية أو اثنية، هنا تتحول الهُوِية الوطنية من إطار جامع إلى أداة إقصاء تُستثمر لتقسيم المجتمع والتجاوز على مكانة المواطن الذي يعيش في رحابه منذ عقود.

المشكلة الأساسية في السياسات المناهضة للتعددية الثقافية أنها تفترض وجود ثقافة نقية وثابتة يجب حمايتها من الاختلاط، بينما التاريخ الإنساني كله قائم على التفاعل والتبادل. فمعظم الحضارات الكبرى تشكلت من تداخل الشعوب واللغات والأديان، ولم تزدهر إلا حين احتضنت التعددية الفكرية والثقافية. ولهذا فإن المجتمعات التي تحتفي بالتنوع تملك قدرة أكبر على الإبداع والابتكار والتنمية وتحقيق العدالة الاجتماعية. أما الرسالة الأهم التي يجب أن تصل من خلال اليوم العالمي للتنوع الثقافي هي أن السلام الحقيقي يبدأ من الاعتراف بالآخر واحترام حقه في الاختلاف، لأن العالم لا يحتاج إلى نسخ متشابهة من البشر، بل يحتاج إلى عقول متعددة وثقافات متنوعة تتكامل من أجل مستقبل أفضل. بهذا ندرك بأن قوة الإنسانية لا تكمن في التماثل، وإنما في قدرتها على تحويل الاختلاف إلى طاقة إيجابية تبني الحضارة وتحفظ الكرامة الإنسانية.

والشعوب عندما ترى أن ثقافاتها تحظى بالاحترام، يزداد شعورها بالفخر بهُوِيتها الوطنية الثقافية الجامعة لكل الأطياف، حينها تدرك بأن مجتمعاتها سوف تكون أكثر عدلاً وإنسانية، وتصبح الاختلافات مهما كانت عميقة جسوراً للمحبة والتواصل، بعيداً عن التمييز والتفرقة والكراهية والتعصب والانغلاق. حقيقة إن الاستقرار الحقيقي لا يتحقق إلا بالاعتراف بالثقافات المتنوعة ويجري تنظيمها في إطار قانوني عادل يضمن المساواة للجميع، بحيث يجعل الدولة العصرية لا تُقاس بقدرتها على إنتاج التشابه، بل بقدرتها على حماية التنوع الثقافي ضمن عقد اجتماعي رصين يحمي حقوق المواطنة.

الاحتفال باليوم العالمي للتنوع الثقافي ليس مناسبة عابرة، بل هو تأكيد مستمر على أن قيم التعايش والتسامح والاحترام هي الأسس الحقيقية لاستقرار المجتمعات البشرية وتطورها. وبالتالي ترفدنا بمختلف الفنون والآداب والموسيقى والأزياء والعادات، التي تخلق بيئة غنية بالإبداع والابتكار. هذه الفنون تجعل الحضارة الإنسانية أكثر قبولاً، لا سيما عندما يكون هناك نوعاً من التبادل الثقافي الذي يخفف من مشاعر الخوف وسوء الفهم، الذي يزيد من فرص التقارب، التي تصب في توسيع مساحة السلام العالمي وروابط الصداقة بين الثقافات المتنوعة، لا سيما إذا استطاع الناس النظر إلى التنوع الثقافي برؤية إيجابية بوصفه نعمة ولا يشكل تهديداً.

***

د. عبد الحسين الطائي

أكاديمي عراقي مقيم في بريطانيا