عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

آراء

عبد الحسين شعبان: ما بعد الديمقراطية!!!

منذ أكثر من ربع قرن وأنا أقلّب مع نفسي ومع جمهور القرّاء وأستقرئ آراء علماء سياسة ومفكّرين، تراجع الديمقراطية على المستوى الكوني، وهو موضوع بالغ الحساسية في مجتمعاتنا العربية التي عانت من الأنظمة الديكتاتورية والسلطوية، وظلّت تتطلّع إلى الديمقراطية، علمًا بأن الديمقراطية ذاتها وفي معاقلها الرئيسية عانت من تحدّيات كبرى. فهل الديمقراطية هي الحل لمشاكلنا الاقتصادية والاجتماعية والثقافية؟ أم أن حاجة مجتمعاتنا إلى التنمية والعقلانية لها الأولوية؟

وقد أخذ يتردّد مصطلح "ما بعد الديمقراطية" Post-Democracy، في محاولة لتشخيص أزمة الديمقراطية المعاصرة، بعد أن أصبحت المؤسسات الديمقراطية شكلية في الكثير من الأحيان، وأُفرغت من محتواها الفعلي وانكمش دورها في صناعة القرار، لاسيّما بالمشاركة الشعبية التمثيلية، مقابل صعود نفوذ الشركات الكبرى وتراجع دور الأحزاب والتنظيمات المهنية والنقابية، وصارت جماعات الضغط مهيمنة على المجال العام بفضل المال السياسي، بحيث غدت الانتخابات مجرد مواسم لإعلان استمرار المؤسسات الديمقراطية مع تقليص مضمونها الحقيقي، لاسيّما بانتخاب من لا يملك الكفاءة والأهلية.

وبعد أن سُوّفت الديمقراطية في بُعدها القانوني والتمثيلي المتعلقة بالسيادة الشعبية والمساواة والشراكة والمشاركة، حلّت الإدارة التنظيمية محل القيادة السياسية، في ظل صعود تيارات "أقلوية" شعبوية عنصرية لا يربطها رابط بالديمقراطية الليبرالية التي عرفها الفكر السياسي المعاصر والتي ارتبطت بوعينا على الرغم من غيابها.

وبعد أحداث 11 أيلول / سبتمبر 2001 الإرهابية، ازدادت هواجسي بخصوص مستقبل الديمقراطية بعد احتلال العراق (2003)، وكتبت مقالة بعنوان "نهاية الديمقراطية" (2007) بعد طائفة من الإجراءات التي اتّخذتها إدارة الرئيس جورج دبليو بوش الابن والعديد من الدول الأوروبية، شملت تقليص مساحات الحريّة والحقوق المدنية والسياسية بارتفاع موجة الزينوفوبيا (الرهاب من الأجانب) وفرعها الأكثر شراسة الإسلاموفوبيا (الرهاب من الإسلام والمسلمين) وبشكل خاص من العرب.

لم تكن الديمقراطية مجرد اقتصاد السوق من حيث النظام الاقتصادي أو التعددية الفكرية والثقافية والانتخابات كآليات ضرورية، وإنما، وهذا هو الأهم، عملية تطوّر تاريخي حضاري مؤسسي يقوم على التداول السلمي للسلطة وحكم القانون واستقلال القضاء وتمثيل المجموعات الثقافية التي يطلق عليها مجازًا مصطلح "الأقليات" في إطار المشاركة السياسية.

الديمقراطية هي بحث في طبيعة الدولة، ولذلك لابد من التمييز بينها كمبادئ وحقوق وقوانين، فضلًا عن كونها آليات وأنظمة تختلف من مجتمع إلى آخر، مع الأخذ بعين الاعتبار خصوصيته ودرجة تطوّره ورسوخ هياكله وتراكيبه، ناهيك عن الضمانات التي توفّرها والأرضية التي تنمو فوقها.

وكنت قد تناولت في مقالة موضوع "انحسار الديمقراطية"، المؤشرات التي جاءت عليها مجلة الإيكونوميست البريطانية، وكيف تم التراجع عنها، سواء في البلدان الغربية أو في البلدان النامية، وهكذا ظهرت العديد من التجارب الديمقراطية المنقوصة أو المتصدّعة أو المشوّهة، لاسيّما ما له علاقة بالتنمية المستدامة، وذلك استنادًا إلى قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة الصادر في 4 كانون الأول / ديسمبر 2000 بخصوص الديمقراطية، الذي أكّد عدم وجود نموذج عالمي واحد للديمقراطية يمكن الاستناد إليه، وإنما ثمة معايير تتقاسمها خاصيات مشتركة. وأشرت في مقالة عن "استعصاء الديمقراطية" العام 2009 إلى ضرورة وجود دولة وقواعد سليمة للمواطنة ومؤسسات حامية وقوانين ضامنة ومساواة وعدم تمييز.

وفي مقالة عن "عبء الديمقراطية" جئت على ذكر التحدّيات أمام "الديمقراطية الموعودة"، في ظل "الديمقراطية المفقودة"، وأشرت إلى الجوانب المعيارية والإجرائية في الديمقراطية، وكنت تناولت ذلك في محاضرة لي بمؤتمر نظّمته جامعة فينسيا (إيطاليا) حول "مصادر الديمقراطية" (2019)، وقبلها شاركت في ندوة دولية في سيؤول (كوريا الجنوبية – 2002)، حول آفاق الديمقراطية، وغالبًا ما أستعيد الحوارات التي دارت في ندوة ريادية نظّمها مركز دراسات الوحدة العربية حول "أزمة الديمقراطية في الوطن العربي" في ليماسول (قبرص - 1983)، وآخرها ندوة أصيلة حول "مسار الديمقراطية" (2021).

وأصبحتُ أميل إلى اعتقاد أخذ يترسّخ عندي على مرّ الأيام، أن العرب بحاجة إلى التنمية أولًا، ربما أكثر من حاجتهم إلى الديمقراطية، والتنمية بمعناها الشامل والإنساني والدائم، هي التي تهيء الفرص لبزوغ الديمقراطية.

وتناولت في مقالة "الديمقراطية والسلطوية هل يجتمعان؟" صعود سلطوية دونالد ترامب، وفي موضوع آخر عن "عسر الديمقراطية" عربيًا توقفت عند بعض التجارب ما بعد الربيع العربي، وهو الذي خصصت له كتابًا بعنوان "الشعب يريد.. تأملات فكرية في الربيع العربي" (2012). وبحثت نشاط التيارات والأحزاب الشعبوية في الغرب في مقالة بعنوان "الأوليغارشية وروح الديمقراطية"، وفي مقالة عن "الديمقراطية والسوق" تساءلت هل تزدهر الديمقراطية بالسوق أم أن السوق يزدهر بالديمقراطية؟ وقرأت بمنظور نقدي موضوع الخصخصة في الدول الاشتراكية وبعض تجارب حركة التحرّر الوطني وأطروحات النيوليبراليين الذين دعوا لتحرير قطاعيْ التجارة والمال من تأثيرات الدولة لفشل القطاع العام، وهو ما ذهب إليه المفكّر الأمريكي نعوم تشومسكي في كتابه "الربح مقدمًا على الشعب".

خلاصة القول إن مفهوم ما بعد الديمقراطية لم يأت من فراغ، بل هو نتاج تراكم أخذ يتصاعد بعد انتهاء الحرب الباردة وشيوع نظريات "نهاية التاريخ" و"صراع الحضارات"، كما بشّر بها فرانسيس فوكوياما وصموئيل هنتنغتون، لدرجة فقدت فيه الديمقراطية روحها وتمثيلها للناس بوصفها نظامًا للمشاركة الفاعلة العميقة في إدارة شؤون الدولة.

***

عبد الحسين شعبان

أكاديمي ومفكّر