آراء
أمين اليافعي: الحرب بوصفها امتداداً للتكنولوجيا
في عام 1832، صاغ المنظِّر العسكري البروسي كارل فون كلاوزفيتز واحدةً من أكثر المقولات رسوخاً في فلسفة الحروب، إذ أكد أن الحرب ليست سوى امتداد للسياسة بوسائل أخرى (الحرب ظاهرة مستمرة من التفاعل السياسي، وهي ممارسة لهذا التفاعل بوسائل أخرى:
Der Krieg ist eine fortgesetzte Erscheinung des politischen Verkehrs, eine Durchführung desselben mit anderen Mittel.
فالحرب، من هذا المنظور، ليست غايةً في حد ذاتها، بل هي أداةٌ - امتدادٌ محسوب للإرادة السياسية حين تُستنفَد سبل الدبلوماسية، مع التأكيد أن ليس كل الحروب كذلك. وقد رسّخ هذا التصوّر طوال ما يقارب قرنين من الزمن الطريقة التي يفهم بها المفكرون والقادة العسكريون ورجال الدولة العلاقةَ بين السياسة والحرب.
غير أن العالَم الذي عاش فيه كلاوزفيتز - عالَم البنادق وصهوات الخيول والوطأة المتثاقلة للحملات النابليونية - بات شبه غريب حين يُقارن بميادين حرب القرن الحادي والعشرين. فالذكاء الاصطناعي يضغط دورات اتخاذ القرار إلى أجزاء من الثانية. والطائرات المسيّرة المستقلة تستطلع وتضرب دون أن تلمس يدٌ بشرية زناد السلاح. والعمليات السيبرانية تُعطِّل البنى التحتية دون إطلاق رصاصة واحدة. وقد باتت الأقمار الاصطناعية والخوارزميات حاسمةً ربما بما يفوق الجنود أنفسهم. في هذا المشهد الهوليوودي المتحوّل جذرياً، يفرض سؤالٌ استفزازيٌّ نفسه بقوة: هل كفّت الحرب عن كونها امتداداً للسياسة بوسائل أخرى، لتصبح بدلاً من ذلك امتداداً للتكنولوجيا بوسائلها أو بوسائلٍ أخرى؟
إن طرح هذا السؤال لا يعني مجرد الإشارة إلى أن الجيوش باتت تستخدم أجهزةً متطورة. بل يعني أن المحرّك الحقيقي للصراع قد تبدّل. فحين رأى كلاوزفيتز في الإرادة السياسية القوةَ السيادية التي تُحشِد الحرب وتُوجّهها، ينبغي لنا أن نتساءل: هل باتت المنافسة التكنولوجية هي القوة السيادية ذاتها، فيما تُمثِّل الحرب أقصى أدواتها وأشدها وطأةً؟ والحروب، وفق هذه القراءة، ليست في جوهرها صراعاً على الأرض أو الأيديولوجيا أو المصلحة الوطنية؛ بل هي الساحات التي تختبر فيها الدول التكنولوجية قدراتِها وتُعلن عنها.
لقد كانت الحربان العالميتان، في جملة ما كانتا عليه، مختبرَين عملاقين. فالحرب العالمية الأولى صنّعت القتل على نطاق لم يسبق له مثيل، وأفرزت طفرات في الطيران والاتصالات والهندسة الكيميائية شكّلت ملامح القرن العشرين بأسره. أما الحرب العالمية الثانية فقد أنتجت الرادار والدفع النفاث وبحوث العمليات، وفوق ذلك كله وبأشد تداعياً: الأسلحة النووية. ولم تكن تلك مجرد نتائج عَرَضية؛ بل صبّت الدول موارد هائلة في التطوير التكنولوجي لأنها أدركت أن التفوق التكنولوجي يُترجَم مباشرةً إلى هيمنة عسكرية. لم تكتفِ الحرب باستخدام التكنولوجيا، بل أنتجتها واستدعتها وانتظمت في مساعيها حولها.
وقد دفع المنظّرون المعاصرون هذه الفكرة إلى أبعد من ذلك. فبول شار، في دراسته الرائدة حول الأسلحة ذاتية التشغيل، يصف ما يسميه نموذج "القنطور" في الحرب: شراكةً بين الحكم البشري وسرعة الآلة، تتولى فيها نظمُ الذكاء الاصطناعي وتيرةَ المعارك التي يعجز الإدراك البشري عن مجاراتها. تحدّث آخرون عن "الحرب الفائقة"؛ نمطٌ من الصراع تُضيّق فيه الآلاتُ الذكية الدورة بين المعلومة واتخاذ القرار إلى حد يتحوّل معه العامل البشري من قائد إلى عائق. وفي الحالتين، لا يقوم المنطق على أن التكنولوجيا تخدم الاستراتيجية العسكرية، بل على أن الاستراتيجية العسكرية ينبغي أن تُعيد تنظيم نفسها حول القدرات التكنولوجية. والذيل، إن جاز القول هنا، بات اليوم هو من يُحرِّك إرادة الثعلب وشهيته.
كان مارتن هايدغر، الذي أكد أن التكنولوجيا الحديثة ليست أداةً محايدة، بل هي طريقة في "الحَجْب والتأطير" (Ge-Stell /Enframing) أي في رؤية كل ما في الواقع وفي الطبيعة باعتباره رصيداً احتياطياً من الموارد القابلة للتعبئة. والحرب، في ضوء هذه القراءة، تغدو التعبيرَ الأقصى عن هذا التأطير التكنولوجي: إذ يُعيد ترتيب البشر والدول بأسرها، ويُقيَّمون ويُستنزَفون وفق إمكاناتهم التكنولوجية. وما يُطرح لم يعد: أيّ غاية سياسية تخدمها الحرب، بل: أيّ عتبة تكنولوجية تستطيع الحرب اختراقها.
وإذا كانت التكنولوجيا قد أضحت المنطقَ الأوّل للحرب، فإن الضوابط الأخلاقية والسياسية التي أدرجها كلاوزفيتز في إطار اطروحته - وهي فكرة أن الحرب يجب أن تخدم غايةً سياسية، وبهذا المعنى يعني أن تبقى تحت توجيه عقلاني - تبدأ في التآكل. فلم تعد التكنولوجيا تُضخّم الإرادة السياسية فحسب؛ بل باتت تُفرز حتمياتها الخاصة، وإغراءاتها الخاصة، وزخمها الخاص، إلى درجة أن الآلة هي من باتت ترسم في الواقع جداول الأعمال. وفي هذا السياق، تكتسب ملاحظة حنة أرنت المبكرة أهمية استثنائية أثناء مناقشتها لأطروحة كلاوزفيتز في كتابها "في العنف": "فالعنف، في تمايزه الجوهري عن السلطة والقدرة، بحاجة دائمة إلى أدوات. ومن هنا كانت كل ثورة تكنولوجية، بوصفها ثورة في صناعة الأدوات، ذات أثر مضاعف في الميدان العسكري. ذلك أن منطق العنف ذاته إنما تحكمه علاقة الغاية بالوسيلة، وهي علاقة تنطوي على مفارقة خطيرة: فالوسيلة التي تُبرِّر الغاية كثيراً ما تتجاوزها وتطغى عليها". ووفق أرنت، فإنه بمجرد أن تُوضع الأدوات في خدمة أهداف سياسية، حتى تَفلُت من قبضة من صنعوها، لتُعيد رسم عالَم الغد بصورة قد لا تشبه في شيء ما أرادوه ابتداءً. فالوسائل، لا الغايات، هي التي تُشكّل في نهاية المطاف البنية التي يتشكّل فيها العالم.
في المحصلة، لا يمكن الإجابة عن سؤال ما إذا كانت الحرب قد أصبحت امتداداً للتكنولوجيا بوسائلها أو بوسائل أخرى بصورة قاطعة؛ إذ يمسّ هذا السؤال واحداً من أعتق التوترات في التجربة الإنسانية: التوتر بين الأدوات وصانعيها. التكنولوجيا لا تشنّ الحروب، بطبيعة الحال، البشر هم من زالوا يشنّونها، وبكل ما ينطوي عليه ذلك من تنافس وطموح وخوف وأخطاء في الحساب. غير أن الأدوات التي نبنيها تُعيد تشكيل الخيارات المتاحة لنا، والأثمان التي نرتضي بدفعها، والغايات التي نسعى إليها. كان كلاوزفيتز محقاً في أن الحرب لا تدور قط حول ذاتها تماماً. غير أنه لم يكن يستطيع أن يتنبّأ بأن "الوسائل الأخرى" التي تتواصل من خلالها الحرب في عصرنا ليست السياسة وحدها، بل المنطق الصارم المتوالد ذاتياً للسيادة التكنولوجية.
***
أمين اليافعي
٧ أبريل ٢٠٢٦







