آراء
رائد عبيس: العنف الطائفي في باكستان.. موروث من التطرف الديني
مشهد دموي وقع اليوم في باكستان وتحديدا في منطقة ترلاي في إسلام آباد في تاريخ 6/2/2026، هو في الحقيقة حدث يمتد عبر سلسلة إجرامية غير منقطعة من العنف الطائفي، والكراهية، والتحريض الطائفي، وإعلان العداء، وإبداء دوافع الإبادة بشكل واضح في خطاب هذه الجماعات المتطرفة، أو عبر الشحذ الطائفي الديني العنيف، أو التكفير، والتفسيق، وأحكام الخروج من الملة الذي يستوجب في أحكامهم حد الرفض والقتل، كما هو جار في باكستان اليوم وأمس ومنذ زمن طويل.
فالخلفيات التأريخية والعقدية لهذا التطرف تبرهن على أن الدين عندما يتحول إلى موروث شعبي يكتسب خطورة استثنائية يصعب السيطرة عليها، ويضفي تعقيدا على الدين والسياسية على السواء، بل وعلى كل ما يرتبط بالحياة. مما يحول أتباعه إلى عصبة مغلقة متعجرفة لا تمنح للعقل دور ولا للمعرفة أهمية بقدر ذلك الموروث الذي غذي بنزعة من العدائية المفرطة اتجاه الآخر المختلف عنها بالتوجه العقدي والفكري والرأي وحتى تقاليد الحياة العبادية .
لو سألنا لماذا هذا العنف الطائفي ضد الشيعة في باكستان؟
سنضطر حينها إلى الخوض في بطون التأريخ لنبحث عن أول رأي متصلب اتجاه التشيع وأئمته في حياة المسلمين منذ الأيام الأولى لتولي الإمام علي عليه السلام لقب أمير المؤمنين وهو الأمام الأول لدى الشيعة في العالم .
وإذا سألنا نفس السؤال في التاريخ القريب فسنجد أن العداء تصاعد منذ الثمانينات من القرن الماضي، حينما تدخلت عوامل كثيرة خارجية، ومنها الاستعمار ودخول الوهابية الى باكستان وداخلية منها تنامي الحركات المتطرفة بفعل الشحذ الطائفي نتيجة للعامل الخارجي، وما رافقه من العزل السياسي لطائفة والتهميش الطائفي على حساب طائفة اخرى، لمحاولة الإستفادة من الشرخ المذهبي بين السنة والشيعة المتحقق بفعل هذه العوامل وغيرها، لتحقيق اجندات ذات دوافع متعددة، لا سيما في البلدان التي لم يكن بينهما تعايش سلمي أو تزعزع هذا التعايش نتيجة ظروف سياسية طارئة كالتي حدثت في العراق، وفي سوريا، ولبنان، واليمن، وباكستان، والهند، والسعودية، والبحرين .
تزايدت هجمات الجماعات المتطرفة ضد الشيعة في باكستان
منذ ذلك العقد، ولكن عمليات القتل بلغت مستويات غير مسبوقة في عام 2013، حيث قُتل نحو 700 شيعي. وكان أغلب القتلى هم من الهزارة الشيعة في إقليم بلوشستان والذي وصفته منظمة هيومن رايتس ووتش بأنه "أكثر الأعوام دموية للشيعة في الذاكرة الحديثة" في باكستان وأن معظم الهجمات المنفذة ضد الشيعة في باكستان كان من قبل ثلاث جماعات مسلحة: وهم جماعة سباه صحابة باكستان، وجماعة لشكر جهنكوي، وحركة طالبان باكستان. وهي جماعات سنية متطرفة، تُصنّف الشيعة على إنهم كفارًا ومرتدين، ويجب أن يُعاقبون بالإعدام. كما تُمارس هذه الجماعات دعاية معادية للشيعة، وخطاب كراهية على جميع مستويات المجتمع الباكستاني. ونتيجة لذلك، يعيش الشيعة الباكستانيون في جميع أنحاء البلاد في خوف دائم.
ومع ذلك، فقد أسفرت السجلات التفصيلية للهجمات على الشيعة، التي جمعتها شبكات منظمات المجتمع المدني الشيعية، عن أرقام إجمالية أعلى بكثير. ويعود ذلك إلى أنها تسجل حوادث فردية لم تتناولها التقارير الإعلامية العامة، وإلى أن العدد النهائي للضحايا في الهجمات الجماعية غالبًا ما يكون أكبر من العدد الوارد في التقارير الأولية. وبذلك، ويسجل المجلس الدولي للإمام الحسين عليه السلام لا تتأثر الطائفة الشيعية فقط بموجات القتل والتفجيرات الانتحارية، بل بتعرضهم أيضًا لأشكال مختلفة من خطاب الكراهية، وأكثرها شيوعًا حملات تشويه عقيدة الشيعة والتحريض عليهم في المساجد، والمدارس، والأماكن العامة، وبشكل متزايد على وسائل التواصل الاجتماعي. يُشوهون عقيدة الطائفة الشيعة بسبب معتقداتهم الدينية، ويتم استهداف أفراد منهم بالانتقاد. وتصفهم هذه الحملات علنًا بالمرتدين، أو الزنادقة، وتدعو السنة إلى قتلهم.
على سبيل المثال، تزعم جماعة لشكر جهنكوي أن:
"جميع الشيعة يستحقون القتل، سنطهر باكستان من النجاسة. باكستان تعني أرض الأطهار، وليس للشيعة الحق في العيش في هذا البلد. لدينا الفتوى وتوقيعات..." علماءٌ مُبجَّلون، يُعلنون الشيعة كفارًا. تمامًا كما يفعل مقاتلونا بعد أن شننا جهادًا ناجحًا ضد الشيعة الهزارة في أفغانستان، فإن مهمتنا في باكستان هي القضاء على هذه الطائفة النجسة وأتباعها من كل مدينة، وكل قرية، وكل ركن من أركان باكستان " .
في يناير 2013، رُفعت دعوى قضائية في محاكم ملتان ضد جماعة سباه صحابة بتهمة التحريض على العنف ضد الشيعة. وشملت الأدلة المقدمة في هذه القضية اقتباسات من خطابات قادة الجماعة في اجتماع للصلاة في المنطقة، حيث دُعي الناس إلى قتل الشيعة.
كما طالبت قضية أخرى باتخاذ إجراءات ضد ثمانية أفراد مسؤولين عن كتابة خطاب كراهية على جدران المنطقة. وأفاد ناشطون بأن الكتابة على الجدران التي تحرض على العنف ضد الشيعة أصبحت شائعة ونادرًا ما تُزال، لأن الشرطة وعامة الناس يخشون القيام بذلك. لقد نشأ جيل جديد في باكستان يقرأ هذه المواد التحريضية. ويذكر ناشط شيعي، من إسلام آباد، لم يكن هذا النوع من الكراهية موجودًا، قبل سبعينيات القرن العشرين.
اذ أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي، مثل فيسبوك، منصةً لخطاب الكراهية والتحريض. ولدى جماعة سباه صحابة (SSP) وداعش والقاعدة وغيرها من الجماعات الدينية المتطرفة مواقعها الإلكترونية وصفحاتها الشخصية التي تعرض حملات عنيفة ضد الشيعة.
وتتضمن هذه الصفحات دعوات علنية لقتل الشيعة وتمجيد الهجمات ضدهم. وفي إحدى الحالات، دعت جماعة "سباه صحابة" وجماعات مسلحة أخرى، بما في ذلك حركة "تي بي بي"، إلى الانخراط بشكل أكثر فعالية في أعمال العنف ضد الشيعة.
ويؤكد بعض النشطاء الشيعة على أن تشويه سمعة الشيعة يقتصر على تفسير متشدد للمدرسة الديوبندية من الإسلام السني، والتي يشكل أتباعها أقلية في باكستان فضلا عن الوهابية الدخيلة على باكستان.
مع ذلك، يتزايد التعصب الطائفي في باكستان، وقد أدلى بعض رجال الدين البريلويين بتصريحات معادية للشيعة، أصبح وضع الهزارة في كويتا الآن خطيرًا للغاية، بسبب ملامحهم المميزة، يُعدّ السفر خارج أحيائهم أمرًا بالغ الخطورة. إضافةً إلى الهجمات البارزة التي تتصدر عناوين الأخبار، تتكرر حوادث إطلاق النار وغيرها من الهجمات ضد أفراد أو مجموعات صغيرة من الشيعة في كويتا وفي إسلام آباد، كان آخرها التفجير الذي وقع اليوم في 6/2/2026 والذي تبناه تنظيم داعش والقاعدة، اذ أوقع عشرات القتلى وأكثر من مئة جريح، وخلف استياء شعبي من تكرار هذه الحوادث التي أفقدتهم شعورهم الحاد بانعدام الأمن.
***
د. رائد عبيس
....................
المصادر:
1- موقع الجزيرة نت، عشرات القتلى "بتفجير انتحاري" استهدف حسينية في إسلام
https://www.aljazeera.net/news/2026/2/6
2- Farah Mihlar ,Everything has shattered’– rising levels of violence against Shi’a in Pakistan www.minorityrights.org






