عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

آراء

منير محقق: عبقرية الملوك المغاربة.. من الشرعية التاريخية إلى هندسة المستقبل

يقدّم هذا النص مقتطفًا نظريًا من كتاب "الصحراء المغربية: من الشرعية التاريخية إلى عبقرية الحكم الذاتي"، في إطار مقاربة فكرية تسعى إلى إعادة قراءة تطور الدولة المغربية من منظور الاستمرارية التاريخية.

التموضع النظري للأطروحة: نحو قراءة استمرارية للدولة المغربية

يندرج هذا العمل ضمن محاولة لإعادة بناء فهم نظري لتطور الدولة المغربية خارج النماذج التفسيرية التي هيمنت طويلًا على تحليل الدولة في الفكر العربي المعاصر، والتي غالبًا ما قاربت تشكل الدولة من منظور القطيعة التاريخية أو الأزمة البنيوية للعقل السياسي العربي. فبينما انشغل جزء مهم من الفكر العربي بتفسير تأخر الدولة عبر البحث عن لحظة انفصال ضرورية عن الماضي، يقترح هذا الكتاب مقاربة مغايرة تنطلق من فرضية الاستمرارية التاريخية باعتبارها المفتاح التفسيري لفهم خصوصية التجربة المغربية.

ففي التصور الذي بلوره محمد العروي، تُفهم الدولة الحديثة بوصفها نتيجة انتقال إبستيمولوجي يقتضي تجاوز البنيات التقليدية والقيام بقطيعة واعية مع التاريخ السياسي السابق من أجل الاندماج في أفق الحداثة السياسية. أما مشروع محمد عابد الجابري فقد انصرف أساسًا إلى تفكيك بنية العقل العربي وإعادة بنائه معرفيًا، عبر نقد أنساق التفكير التراثية التي اعتبرها عائقًا أمام تشكل العقلانية السياسية الحديثة.

غير أن هذا العمل ينطلق من فرضية مختلفة مفادها أن الحالة المغربية لا تنطبق عليها بالكامل نماذج القطيعة أو إعادة التأسيس الجذري؛ إذ إن الدولة المغربية لم تعرف انقطاعًا تاريخيًا في شرعيتها السياسية أو في استمرارية مؤسساتها الرمزية. فالمغرب يمثل حالة دولة تاريخية مستمرة، استطاعت عبر قرون طويلة الحفاظ على وحدة السلطة السياسية وتكييف بنياتها مع التحولات الدولية دون فقدان مركزها الشرعي.

ومن هنا يقترح هذا الكتاب مفهوم عبقرية الحكم باعتباره إطارًا نظريًا لفهم كيفية اشتغال الاستمرارية داخل الدولة المغربية. فعبقرية الحكم لا تُفهم كخاصية فردية مرتبطة بشخص الحاكم، بل كنمط تاريخي في ممارسة السلطة يقوم على تحويل الشرعية التاريخية إلى طاقة استراتيجية لإنتاج التكيف السياسي والتجدد المؤسسي. وبذلك تصبح الاستمرارية نفسها آلية دينامية للتحديث، لا نقيضًا له.

وفي هذا السياق، تُقرأ قضية الصحراء المغربية باعتبارها لحظة كاشفة عن منطق اشتغال الدولة المغربية، حيث يظهر الحكم الذاتي ليس كحل ظرفي لنزاع سياسي، بل كامتداد معاصر لمسار تاريخي طويل في تدبير المجال وتكييف السيادة مع التحولات الجيوسياسية. فالمقاربة المغربية لا تنطلق من إعادة اختراع الدولة، بل من إعادة توظيف رصيدها التاريخي لإنتاج صيغ سياسية جديدة تستجيب لشروط العصر.

وعليه، يسعى هذا العمل إلى تأسيس مقاربة نظرية يمكن تسميتها بـ نظرية الاستمرارية الاستراتيجية للدولة المغربية، وهي مقاربة ترى أن قوة الدولة المغربية لم تنبع من القطيعة مع تاريخها، بل من قدرتها على تحويل هذا التاريخ إلى أداة لإعادة بناء المستقبل. ومن داخل هذه الرؤية تُفهم عبقرية الملوك المغاربة الثلاثة - محمد الخامس، الحسن الثاني، ومحمد السادس - باعتبارها حلقات متصلة في مشروع تاريخي واحد انتقل بالدولة من استعادة السيادة، إلى تثبيتها، ثم إلى إعادة هندستها استراتيجيًا في أفق المستقبل.

على سبيل الافتتاح

لا يمكن فهم استمرارية الدولة المغربية خارج منطقها التاريخي الخاص، إذ إن المغرب لم يتشكل باعتباره كيانًا سياسيًا طارئًا فرضته تحولات الحداثة أو نتائج إعادة رسم الخرائط الاستعمارية، بل بوصفه دولة ممتدة في الزمن، تشكلت عبر سيرورة تاريخية طويلة حافظت خلالها على وحدة بنيتها السياسية واستمرارية مؤسساتها الرمزية والتنظيمية. فالدولة المغربية لم تنشأ من لحظة قطيعة، بل من تراكم تاريخي متصل جعل من الشرعية التاريخية أساسًا لبقائها وقدرتها الدائمة على التجدد.

ومن داخل هذه السيرورة، تبرز المؤسسة الملكية باعتبارها العنصر الناظم لاستمرار الدولة، لا بوصفها مجرد نظام حكم أو بنية سلطوية عابرة، بل باعتبارها عقلًا تاريخيًا جماعيًا استطاع عبر القرون إعادة إنتاج التوازن بين الثبات والتحول. فخصوصية التجربة المغربية تكمن في قدرتها على تحويل التاريخ من عبءٍ ماضوي إلى مورد استراتيجي لإدارة الحاضر وبناء المستقبل، حيث لم يكن التاريخ عائقًا أمام التحديث، بل أحد شروط إمكانه.

ولا يقتصر هذا الوعي بالاستمرارية على التحليل الأكاديمي، بل يجد تعبيره أيضًا في الوعي السياسي المغربي ذاته؛ إذ أكد خطاب ملكي بمناسبة الذكرى السابعة عشرة للمسيرة الخضراء أن «المغرب من أقدم الدول المنظمة في العالم، لأنه دولة عمرها اثنا عشر قرنًا، ذات شعار ونظام وحدود وقوانين وهياكل». ويكشف هذا التصور عن إدراك عميق لطبيعة الدولة المغربية باعتبارها كيانًا تاريخيًا متواصل البناء، لم تتأسس شرعيته في لحظة حديثة، بل تراكمت عبر قرون من التنظيم السياسي والمؤسساتي، الأمر الذي يجعل الاستمرارية التاريخية مفتاحًا لفهم منطق الدولة المغربية في تدبير أزماتها وتحولاتها.

ومن هنا يتأسس الاختلاف الإبستيمولوجي الذي يقترحه هذا العمل؛ فبينما يرى محمد العروي أن تجاوز التأخر التاريخي يقتضي نوعًا من القطيعة مع الماضي من أجل الاندماج في نموذج الحداثة السياسية، ويذهب محمد عابد الجابري إلى إعادة بناء العقل العربي عبر نقد بنياته المعرفية التراثية، ينطلق هذا التصور من فرضية مغايرة مفادها أن الدولة المغربية لم تكن في حاجة إلى القطيعة مع تاريخها، لأنها لم تعرف انقطاعًا في أصل تشكلها السياسي. فالاستمرارية هنا ليست عائقًا معرفيًا، بل شرطًا لفهم خصوصية تشكل الدولة المغربية وقدرتها على التكيف دون فقدان هويتها التاريخية.

إن مفهوم عبقرية الحكم في التجربة المغربية لا يحيل إلى البطولة الفردية بالمعنى الكلاسيكي، بل إلى قدرة القيادة السياسية على قراءة اللحظة التاريخية وتحويل التحديات الوجودية إلى فرص لإعادة بناء الدولة وتعزيز مشروعها الحضاري. فعبقرية الحكم ليست صفة شخصية معزولة، بل نمط تاريخي في ممارسة السلطة قائم على التوفيق بين الشرعية المتجذرة ومتطلبات العصر، وبين استمرارية المرجعيات ومرونة الأدوات.

ومن هذا المنظور، تبدو قضية الصحراء المغربية أكثر من مجرد نزاع ترابي أو ملف دبلوماسي؛ إنها اختبار تاريخي لعمق الدولة المغربية وقدرتها على تعبئة رصيدها الشرعي والتاريخي في إنتاج حلول استراتيجية متجددة. فالتعامل المغربي مع هذه القضية لم ينبنِ على ردود فعل ظرفية، بل على رؤية طويلة المدى جعلت من السيادة مسارًا تاريخيًا متصلًا، ومن الوحدة الترابية مشروعًا حضاريًا تتكامل فيه السياسة والتنمية والدبلوماسية ضمن تصور شامل للدولة.

لقد مثّل عهد محمد الخامس لحظة بعث الدولة واستعادة إرادتها السيادية، حيث التقت الشرعية التاريخية بإرادة التحرير الوطني، فتحول العرش إلى مركز وحدة الأمة ورمز استمرارية الدولة في مواجهة الاستعمار. ولم يكن الاستقلال مجرد انتقال سياسي، بل إعادة تفعيل لعلاقة تاريخية بين الدولة والمجتمع أعادت للدولة المغربية حضورها الكامل داخل التاريخ.

ثم جاء عهد الحسن الثاني ليؤسس لمرحلة تثبيت الدولة وإعادة رسم مجالها الاستراتيجي، حيث انتقلت الدولة من منطق استعادة السيادة إلى منطق ترسيخها. وفي هذا السياق تحولت قضية الصحراء من مطلب تاريخي إلى مشروع وطني جامع تُوِّج بالمسيرة الخضراء، التي شكلت فعلًا سياسيًا مبتكرًا أعاد تعريف العلاقة بين الشرعية التاريخية والفعل الجماهيري، وأثبت قدرة الدولة المغربية على تحويل الرمزية التاريخية إلى قوة استراتيجية فاعلة في الواقع الدولي.

أما عهد محمد السادس فقد دشّن طور التحول الاستراتيجي، حيث أعيد تعريف مفهوم السيادة من خلال التنمية والاندماج المجالي وإعادة هندسة العلاقة بين المركز والمجال الترابي. فمبادرة الحكم الذاتي لم تظهر كحل ظرفي لنزاع سياسي، بل كتعبير معاصر عن عبقرية النظام السياسي المغربي في تدبير التنوع داخل إطار الوحدة، وفي الانتقال من سيادة الدفاع عن الأرض إلى سيادة بناء المستقبل.

وعليه، فإن عبقرية الملوك المغاربة لا تتجلى في تعاقب شخصيات تاريخية منفصلة، بل في استمرارية رؤية حكم استطاعت نقل الدولة المغربية من مرحلة التحرير، إلى مرحلة التثبيت، ثم إلى مرحلة التحول الاستراتيجي. وهي سيرورة تكشف أن قوة المغرب لم تكن فقط في تجاوز الأزمات، بل في تحويلها إلى لحظات تأسيس جديدة تعيد إنتاج شرعيته التاريخية وتوسع أفق مشروعه الوطني.

ومن هذا المنطلق، يسعى هذا الفصل إلى قراءة عبقرية الحكم الملكي المغربي باعتبارها مفتاحًا نظريًا لفهم تطور قضية الصحراء المغربية، ليس باعتبارها قضية حدود، بل كتجسيد لمسار دولة استطاعت أن توفق بين التاريخ والاستراتيجية، وبين الشرعية المتجذرة ورؤية المستقبل، مؤكدة أن المغرب ليس دولة نشأت من القطيعة، بل دولة استمرت لأنها عرفت كيف تحوّل تاريخها إلى أفق للمستقبل.

***

د. منير محقق

............................

 مقتطف من كتاب:

الصحراء المغربية: من الشرعية التاريخية إلى عبقرية الحكم الذاتي – قراءة تاريخية واستراتيجية للسيادة المغربية الراسخة والتحول الاستراتيجي واستشراف استكمال الوحدة الترابية

 د. منير محقق

دار التجمع العربي للنشر  - مصر، 2026