آراء
آية السيابي: التجويع والعظْمة!
منهجية التجويع والعظمة، هي استراتيجية سياسية تستخدمها الحكومات عبر التاريخ لإخضاع الشعوب لسلطتهم وتحقيق الغاية الكبرى في تحويل الفرد إلى كلب جائع يطيع سيّده ليلقمه. من مظاهرها: شح الوظائف، غَلبة الدّين على الفرد، إتساع نفوذ المؤسسات المالية في القطاع المصرفي، غلاء المعيشة، إقتصاد هزيل ومشاريع آيلة للإنهيار. قابلية إنهيار الطبقة المتوسطة إلى ما دونها. وإرتفاع نسبة الفقر. كل هذا يصنع مجتمعا له وجهان متناقضان. وجه يمثّل الفرد الجائع الذي يصفّق ويسجد سجود الشكر ما إن يرى العظمة طوّحت له من بعيد. والوجه الآخر هو الذي قرر أن لا ينتظر العظمة ولكن يستهدف مانح العظمة! إما غدرا أو إحتيالا. كل ذلك يساهم في تفكيك النسيج الاجتماعي وولادة توترات أمنيّة ثم اتساع المسافة بين السلطة والمواطن حتى يتقازم المواطن ويصبح لا يُرى بالعين المجردة!.
تعد سياسة التجويع، بالمعنى المباشر والحقيقي للتجويع، من الانتهاكات الخطيرة للقانون الدولي الإنساني، التي تؤدي إلى محاسبة المسؤولين عنها في المحاكم الدولية. كما حدث مؤخرا مع سكان قطاع غزة والعدو المحتل.
أما التعبير المجازي عن التجويع في سياق الحكومة والمواطن، فهو الذي يشير إلى الاستراتيجيات التي تستخدمها بعض الحكومات اليوم لإبقاء المواطنين راضين وممتنين تماما في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة. إعتمادا على مبدأ "جوّع عدوك يركع". فهي لا تعتمد الجوع وقطع إمدادات الغذاء. ولكنها تتخذ شح العطاء لها طريقا لتمارس السيادة بشكلها التقليدي القديم الذي يتمثّل في تقرّب الشاعر المدّاح للأمير حتى يأمر له بكيسا من دنانير الذهب.
أما من لا يملك لسانا ماكرا. ولا من التملق والتقرب والمدح شيئا، فيترك لتلتهمه معاناة احتياجه اليومي من الأساسيات التي تمنّعت عنه ونفرت منه بمغالاتها في سعرها. هذا الذي لا لسان له، يرى من الفتات كرما عظيما قد جاد به العظام عليه. ومن هو ليُمنح من مكارم وعطايا الأمراء؟!
يأتي هذا الفتات في صور عدة: كالوعود الصغيرة، والمشاريع قصيرة الأمد، والمساعدات المحدودة التي تأتي على شكل عطايا كريمة من يد سخيّة. أيضا قد تكون على شكل إنجازات صغيرة أو تحسينات بسيطة في بعض القطاعات، يتم تسليط الضوء عليها بدلاً من معالجة القضايا الأساسية الكبرى مثل الفقر والبطالة.
كل هذا ما هو إلا فتات كما ذكرتُ سابقا. الفتات الذي يؤمّل متلقّيه أكثر مما يشبعه. وقد لا يزده إلا رهقا! لأنه غير كاف لحل المشاكل الأساسية، مما يجعل المواطن يشعر بالامتنان حتى وإن كانت العطايا لا تسد له حاجة.
ضمن إحدى حيل تطويع المواطن أيضا، هي أن يتم التعامل مع المواطن كطفل وجب إلهاؤه. وذلك باستخدام الإعلام أو الفعاليات الثقافية والترفيهية كوسيلة لإبعاد الانتباه عن القضايا الجوهرية التي تهم المواطنين. إضافة إلى تعزيز الشعور الوطني أو الهوية الثقافية، عن طريق خلق شعور بالانتماء السامي والفخر تجاه الوطن وقاداته رغم الظروف المعيشية الصعبة. وهذا بالطبع ما يساهم في إخماد أي نية للتذمر والشكوى. وقد يتجاوز شعور الوطنية والانتماء حتى يصل إلى عليا مقاماته. فيبدأ برفض أي شخص منتقِد واستنكار كل معارض لبعض الممارسات التي تساهم في توسيع رقعة الفقر ومعاناة المواطن. وأكثر ما يؤجج شعور الرضا والصمت، هو ممارسة الحكومات لأنواع مختلفة من تقنيات القمع. باستخدام القوانين أو السياسات التي تقيد حرية التعبير أو الاحتجاج، مما يمنع المواطنين من الإعراب عن تذمرهم.
تؤدي هذه الاستراتيجيات إلى خلق بيئة يشعر فيها المواطنون بالشكر والامتنان، بينما تُخفي الحقائق الصعبة التي يعيشونها. في النهاية، قد يؤدي هذا إلى استمرار السياسات غير العادلة، حيث يظل المواطنون غير قادرين على التعبير عن مطالبهم الحقيقية.
***
آية السيابي - كاتبة وروائية عُمانية







