عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

نصوص أدبية

مروان الدليمي: الرجل السعيد بكامل قيافته

لم يعد حميد يعدّ الأيام. كان يفعل ذلك في بداية خدمته العسكرية، حين كان الزمن لا يزال شيئًا يمكن الإمساك به. كان يعرف، تقريبًا، كم يومًا بقي على الإجازة، وكم أسبوعًا يفصله عن نهاية الخدمة، ويستطيع، في الليالي الطويلة، أن يستلقي على ظهره داخل الخيمة أو في ملجأ ضيق تفوح منه رائحة العرق والملابس المبتلة، ثم يبدأ العدّ.

واحد.

اثنان.

ثلاثة.

وكلما وصل إلى رقم جديد، يشعر أنه انتصر على يوم آخر. الزمن آنذاك بالنسبة له يشبه عدوًا يمكن مراقبته من بعيد. أما الآن، فلم يعد يعرف أين يضع يده عليه. انحلّ الزمن من شكله القديم، أو لعل حميد هو الذي انحلّ منه. لم يعد يعرف كم سنة مضت منذ ارتدى البدلة العسكرية للمرة الأولى، ولا كم جبهة انتقل إليها، ولا كم خندقًا نام فيه، ولا كم مرة استيقظ على صوت قصف ليجد أن الليل ما زال في مكانه، وأن النهار الذي يفترض أن يأتي، تأخر مرة أخرى.

الأيام فقدت أسماءها. لم يعد يميز بينها إلا بالموتى.

هذا اليوم مات فيه فلان.

وفي ذلك اليوم اختفى فلان.

وفي يوم آخر حملوا رجلًا إلى الخلف، ولم يعرف إن كان قد مات قبل أن يصلوا به أم بعد ذلك بقليل.

يتذكر الموتى أكثر مما يتذكر الأحياء. ولم يكن في الأمر ما يدعو إلى الدهشة.

كما اكتشف، أن الأحياء يمتلكون عادة مزعجة: يبتعدون، يتغيرون، ينسونك، ثم قد يظهرون بعد سنوات وكأن شيئًا لم يحدث.

أما الموتى فكانوا أكثر انتظامًا. يبقون في اللحظة التي تركتهم فيها. الوجه نفسه، النظرة نفسها، وربما الكلمة الأخيرة نفسها، إذا كانت هناك كلمة أخيرة أصلًا. وهذا جعل الموتى، بطريقة غريبة، أكثر وفاءً من الأحياء.

كان يقضي معظم حياته في الحرب، وإن لم يكن يعرف متى بدأت الحرب تأخذ شكل الحياة في داخله.

كلما وصل إلى جبهة جديدة، اختار زاوية يضع فيها حقيبته، ثم حفظ أسماء الرجال الذين يشاركونه المكان.

بعد أيام قليلة كان يستطيع أن يميز وقع أقدامهم في الظلام، وأن يعرف صاحب الخطوة الثقيلة من صاحب الخطوة المترددة، بل إنه يعرف، أحيانًا، من الطريقة التي يشعل بها أحدهم سيجارته، إن كان خائفًا أم مطمئنًا.

ثم يموت أحدهم.

ويأتي رجل آخر.

هكذا كانت الحرب تُدار بالنسبة إليه. ليس بالخرائط والخطط والأوامر، وإنما بالفراغات التي يتركها الرجال وراءهم.

حين يسأله أحد عن سنوات الحرب يقول :

ـ  كنت محظوظًا.

يقولها بلا ابتسامة تقريبًا، وبلا مرارة ظاهرة، كأنه يتحدث عن شخص آخر. لكنه لم يكن يحب هذه الكلمة.

محظوظ.

يشعر أنها كلمة غير عادلة بالنسبة إلى أولئك الذين لم يعودوا موجودين لكي يسمعوا بها. لذلك يصمت.

مع مرور الوقت، أخذت الوجوه تتآكل في ذاكرته.

يتذكر وجهًا وينسى الاسم،

أو يتذكر الاسم ولا يستطيع أن يستعيد الوجه.

وربما أكثر ما يخشاه من الموت نفسه، أن يأتي يوم يستيقظ فيه فلا يجد أحدًا في ذاكرته. حتى أولئك الذين ماتوا. وهنا بدأ يشك في نفسه.

هل كانوا أصدقاءه فعلًا؟

هل أحبهم؟

أم أن الإنسان، حين يعيش طويلًا في مكان يمكن أن يموت فيه في أي لحظة، يتعلق بمن ينام إلى جواره، لا حبًا به بالضرورة، وإنما لأن وجود جسد آخر في الظلام يمنحه الوهم البسيط بأنه لن يموت وحيدًا؟

لم يعرف.

ولم يحاول أن يعرف.

فقد اكتشف، مع السنوات، أن بعض الأسئلة يكون تركها بلا جواب أكثر رحمة.

وكان هناك شيء آخر نسيه، ربما كان هذا النسيان أكثر قسوة من نسيان الموتى: أنه كان ذات يوم رجلًا لا علاقة له بالجيش. رجلًا آخر.

قبل البندقية كان هناك حميد آخر، وقبل الخندق كان هناك بيت، وقبل الأوامر كانت هناك كتب. كان يحب القراءة. ليس ذلك الحب الذي يعلن عنه الناس حين يريدون أن يبدوا مثقفين، بل ذلك الحب الهادئ الذي يجعل كتابًا مستعملًا، ذا صفحات مصفرة ورائحة غبار، شيئًا أثمن من أشياء كثيرة يملكها المرء. ويكتب أيضًا. أو يحاول أن يكتب.

لديه دفاتر صغيرة، أوراق متفرقة، جمل كتبها في أوقات مختلفة، أفكار لم تكتمل، وبدايات قصص لم تجد نهاياتها. كتَبَ محاولات جادة، ويعتقد، على نحو بسيط ومخلص، أن بعضها يستحق أن يرى النور. لكن النور لم يأت.

ربما لأن الحرب كانت أسرع من الكتابة.

وربما لأن الكتب، في ذلك الزمن، تحتاج إلى أشياء لم يكن حميد يملكها: وقتًا، وهدوءًا، ومكانًا لا تسقط فيه القذائف. ومع ذلك لم يتخلَّ عن الكتب. يحمل واحدًا منها معه أحيانًا إلى الخندق. وهذا، في نظر بعض الجنود، أمرًا مضحكًا. رجل يقرأ بينما يمكن أن يأتي الموت من الجهة الأخرى من الساتر. لكنه لم يكن يرى التناقض. بالنسبة إليه الكتاب شيئًا يشبه النافذة. وحتى لو كانت النافذة صغيرة، وحتى لو لم تُظهر إلا قطعة من سماء بعيدة، فإنها تظل نافذة.

يقرأ تحت ضوء خافت، وفي أثناء فترات الهدوء، وبين انفجارين، وأحيانًا وهو ينتظر دوره في الحراسة. فإذا سأله أحدهم:

ـ ماذا ستفعل بالكتاب عندما تنتهي الحرب؟

يرفع كتفيه، فقط .

ربما سيعود إلى الكتابة. يقولها كأن الحرب شيء له نهاية مؤكدة.

ثم يمر يوم آخر.

ويأتي آخر.

وتستمر الحرب.

ويستمر الكتاب في جيبه.

وبعد سنوات، لم يعد متأكدًا أيهما بقي أطول: الحرب أم الكتاب.

في إجازته الأخيرة، عاد إلى البيت. جسده يعرف الطريق أكثر منه.

دخل، وضع أغراضه في المكان الذي اعتاد أن يضعها فيه، جلس قليلًا، ثم تمدد ونام.

نام طويلًا.

كان نومه عميقًا إلى درجة جعلت زوجته لا توقظه للغداء. وحين سأل الأطفال عن أبيهم، قالت لهم:

ـ اتركوه نائمًا.

كانت تعرف أنه حين ينام لا يكون نائمًا تمامًا، وإنما يبتعد. وتعرف أيضًا أن إيقاظه فجأة ليس فكرة جيدة. ربما لأن الرجل الذي ينام بعد سنوات من الحرب لا يعود دائمًا إلى المكان نفسه الذي نام فيه.

حين استيقظ، ظل لحظات ينظر إلى السقف. لم يعرف أين هو. لم يكن الأمر غريبًا عليه. سمع صوت طفل يركض في الفناء، وملعقة تضرب حافة كوب، وصوت زوجته في المطبخ، ثم احتاج إلى لحظات حتى يتعرف إلى هذه الأصوات التي يفترض أنها أكثر أصوات العالم ألفة. يعرفها جميعًا. ومع ذلك بدت له، للحظة، أصواتًا قادمة من مكان بعيد. ثم تذكر.

البيت.

الإجازة.

الحياة.

في اليوم التالي خرج. لم يكن لديه مكان يقصده. وهذا يروق له. ترك الشارع يختار عنه.

دخل مقهى، شرب الشاي، جلس يراقب الناس. يحب مراقبتهم بطريقة لا يفهمها تمامًا.

رجل يتشاجر مع سائق.

امرأة تشتري الخضار.

طفل يركض خلف كرة.

شاب يضحك بصوت عالٍ.

رجل آخر يقف وحيدًا أمام واجهة محل.

يرى في كل ذلك شيئًا يطمئنه. بأن العالم مستمر. وهذه، في تلك السنوات، لم تكن فكرة صغيرة.

كان يحب المرور قرب دور السينما أيضًا. يتوقف أمام صور الأفلام، يتأمل وجوه الممثلين، ثم يمضي. لم يكن يريد أن يكون مثلهم. فقط يحب فكرة أن هناك حياة أخرى، حياة لا يحتاج فيها المرء إلى معرفة اتجاه الرصاصة قبل أن يسمعها.

يأكل حين يجوع. يمشي حين يريد. يجلس حين يتعب. ولم يكن يعرف أن الناس كانوا ينظرون إليه. بعضهم يبتسم. بعضهم يكتم ضحكته.

رجل تجاوزه ثم التفت إلى الخلف.

شابان صمتا حين اقترب منهما، ثم انفجرا بالضحك بعد أن ابتعد.

امرأة نظرت إليه طويلًا، ثم أمسكت بيد طفلها.

أما حميد فلم يفهم شيئًا. ولم يكن ذلك لأنه غبي. فقط لأنه كان منشغلًا بنفسه على نحو لا علاقة له بالغرور.

كان سعيدًا.

سعيدًا بهذه الحرية الصغيرة التي اكتشفها متأخرًا:

أن يمشي بلا هدف، وأن لا يصدر أحد أمرًا له، وأن لا ينتظر منه أحد أن يطلق النار.

بدا متصالحًا مع نفسه إلى درجة جعلته غير مهتم كثيرًا بما يراه الآخرون فيه.

وعندما عاد إلى البيت، كانت زوجته أول من رآه. نظرت إليه. ثم انفجرت بالضحك. حاولت أن تمنع نفسها، لكنها لم تستطع. ضحك الأطفال معها.

وقف حميد عند الباب. نظر إليهم. ثم قال:

ـ ما الذي يضحك؟

لم تستطع زوجته الكلام.

أشارت إلى الِمرآة.

اقترب منها. نظر إلى وجهه. كان وجهًا يعرفه ولا يعرفه. رجلًا أكبر مما ينبغي، وأصغر مما ينبغي، بحسب الضوء والتعب والسنوات التي لم يعد يعرف عددها. ثم نظر إلى ملابسه. وهناك اكتشف الأمر. كان يرتدي ملابسه المدنية كاملة.

القميص.

السروال.

الحذاء.

وفوق رأسه كانت القبعة العسكرية.

ظل ينظر إليها في المرآة.

ثم قال:

ـ آه.

وكانت تلك الـ"آه" كافية.

ضحك.

لم يغضب.

لم يشعر بالإهانة.

ولم يحاول أن يبحث عن شخص يلومه.

فجأة فهم كل شيء:

تلك الابتسامات في الشارع، ذلك الشاب الذي التفت إلى الخلف،  المرأة التي نظرت إليه طويلًا، الرجلان اللذان انفجرا بالضحك. كلهم رأوا ما لم يره هو. كان قد خرج من البيت بثياب رجل مدني، لكنه ترك الحرب جالسة فوق رأسه. وكان الأمر مضحكًا فعلًا.

ضحك .

ضحكت زوجته.

وضحك الأطفال.

لم يشعر أنه هو موضوع السخرية تمامًا. كان يرى الأمر من الخارج أيضًا، كأنه يشاهد مشهدًا في فيلم. رجل قضى سنوات في الحرب، ثم عاد إلى بيته، وخرج ليتنزه في المدينة، وجلس في المقهى، وتأمل صور السينما، واشترى شطيرة، ثم عاد إلى البيت وفي رأسه قبعة عسكرية لم ينتبه إليها.

كان المشهد سخيفًا. والسخرية، في هذه المرة، عادلة.

خلع القبعة ووضعها على الطاولة. ثم بقي ينظر إليها. لم تكن القبعة مجرد قطعة قماش. حملها سنوات طويلة، حتى صار من الصعب عليه أن يعرف متى يرتديها ومتى هي التي ترتديه.

تذكَّر، للحظة، الخنادق.

تذكر الرجال.

تذكر الكتب.

تذكر دفاتره الصغيرة.

وتذكر الجُمَل التي كتبها ولم يقرأها أحد. ربما لا تزال في مكان ما.

في صندوق.

في حقيبة.

في درج قديم.

أو ربما ضاعت مثلما ضاعت أشياء كثيرة. لكنه لم يشعر بالحزن. كان لديه شعور آخر، أكثر بساطة. أن الكتابة لم تمت. فهي، مثل الكتب، لم تكن تحتاج إلى أن ترى النور لكي تظل موجودة. يستطيع أن يعود إليها يومًا. إذا انتهت الحرب. وإذا انتهى شيء آخر لا يعرف اسمه.

ابتسم.

نادته زوجته إلى العشاء.

التفت إليها. ثم أخذ القبعة ووضعها بعيدًا، ومشى نحوهم.

***

مروان ياسين الدليمي

في نصوص اليوم