كان يوماً قارس البرودة، من تلك الأيام الصقيعية التي تجعل المرء في موسكو ينسى كل شيء، ولا يفكر إلا في كيفية الاحتماء من البرد. كانت الحرارة قد هبطت إلى درجات لا يرحم فيها الهواء الوجه، وكانت شبكة توزيع المياه في بعض أحياء المدينة تتجمد، فتغدو المياه في الأنابيب كتلاً من الجليد. وكان البرد شديداً إلى درجة أن المرء، وهو يعبر الشارع، لا يفكر إلا في الوصول إلى أقرب مكان دافئ.
عدت مساءً إلى شقتي، مرهقاً بعد يوم دراسي طويل في الجامعة. كنت أسكن في الطابق الخامس من إحدى العمارات الجديدة في حي جريوموشكي، جنوب موسكو. وكانت تلك العمارات من مباني خروشوف التي شاع بين الناس أن يسموها، بسخرية محببة، «علب خروشوف»، لضيق شققها وصغر مساحاتها.
لم يكن في العمارة مصعد. صعدت الطوابق الخمسة ببطء، وأنا أشعر بثقل حقيبتي ومعطفي وحذائي المبلل بالثلج. كان الضوء في الدرج شاحباً، والهواء بارداً، وكانت رائحته خليطاً مألوفاً من السمك المقلي والزيت المحروق والثوم.
كنت أريد أن أصل إلى شقتي بأسرع ما يمكن. كان البرد قد أنهكني، وكل ما كنت أحلم به هو أن أخلع معطفي الثقيل، وأعدّ عشاءً خفيفاً، ثم أرتشف على مهل كوباً من القهوة البرازيلية التي كنت أحتفظ بها بعناية للمناسبات الجميلة. وبعد ذلك أندس في فراشي الدافئ، وأفتح الرواية التي اشتريتها قبل أيام، وظلت تنتظرني فوق الطاولة؛ رواية لم أجد، منذ اشتريتها، وقتاً لقراءة صفحة واحدة منها.
كان في انتظاري، إذن، مساء صغير وهادئ، لا أريد له أن يخطئ موعده.
وصلت إلى باب شقتي، وما إن فتحته حتى جاءني من الداخل صوت جهوري:
- قف! ولا تتحرك!
تسمّرت في مكاني.
لم يكن الصوت غريباً فحسب، بل كان آمراً إلى درجة جعلتني أطيعه قبل أن أفكر.
بقيت واقفاً عند العتبة، ويدي لا تزال على مقبض الباب، أحدق في الظلام داخل الشقة. لم أفهم من أين جاء الصوت، ولا من يخاطبني، ولا لماذا.
هل هناك أحد في الشقة؟
تسارعت دقات قلبي.
قلت في نفسي:
لص؟
لكن كيف دخل؟
أم أن الأمر يتعلق بشيء أخطر؟
مرّت في رأسي احتمالات كثيرة خلال ثوانٍ قليلة.
ثم خطر لي احتمال آخر أكثر إثارة للقلق: رجل أمن سري. وربما أكثر من رجل. فقد كانت مساكن الطلبة الأجانب، في ذلك الزمن، محاطة دائماً بشيء من الريبة، وكان الأجنبي يحتاج أحياناً إلى وقت طويل كي يقنع نفسه بأن أحداً لا يراقبه.
لم أجرؤ على التقدم خطوة.
كان بإمكاني أن أعود إلى الدرج، لكنني كنت قد صعدت خمسة طوابق، وكانت ساقاي بالكاد تحملانني. ثم إنني لم أكن أعرف إن كان الرجل يقف خلف الباب، أم في غرفة الجلوس، ولا إن كان مسلحاً أم لا.
ربما دخل أحدهم الشقة.
ربما كان ينتظرني.
ربما...
جاء الصوت مرة أخرى:
- قف! لا تتحرك!
شعرت بأن يدي، التي ما زالت على مقبض الباب، أصبحت باردة كالجليد.
لم أتقدم.
ولم أتراجع.
كنت واقفاً بين الخارج والداخل، بين برد موسكو وما قد يكون في الشقة.
وفجأة انطلقت موسيقى صاخبة.
تبعها صوت المذيع، ثم أصوات أشخاص يتحدثون ويتجادلون.
عندها فقط فهمت.
التلفزيون!
لقد نسيت أن أطفئه قبل أن أذهب إلى الجامعة.
ظل يعمل طوال النهار، وكان البرنامج الذي يُبث في تلك اللحظة يتضمن مشهداً درامياً بدا، من دون أن أرى الشاشة، كأنه تهديد حقيقي موجّه إليّ.
بقيت لحظة أحدق في جهاز التلفزيون، ثم انفجرت ضاحكاً.
ضحكت من نفسي، ومن خوفي، ومن ذلك الرجل الذي كنت أتخيله لصاً أو رجل أمن، فإذا به مجرد صوت يخرج من جهاز تلفزيون تركته يعمل منذ الصباح.
دخلت وأغلقت الباب.
خلعت معطفي وتوجهت إلى غرفة الجلوس.
نظرت حولي مرة أخرى.
كان كل شيء كما تركته: التلفزيون يعمل، والنافذة ترتجف تحت ضربات الريح.
ومع ذلك، لم تعد الشقة كما كانت قبل دقائق.
جلست طويلاً أحاول أن أستعيد ما حدث. لم يكن هناك لص، ولا رجل أمن، ولا حركة خلف الباب. لم يكن هناك أحد.
كنت وحدي؛ طالباً أجنبياً أنهكه يوم طويل، في شقة صغيرة وسط شتاء موسكو، بينما كانت الريح تضرب النوافذ وتعبث بأعصابي.
ابتسمت، ثم ضحكت. كنت أضحك وحدي.
قلت لنفسي إن الأمر لم يكن أكثر من وهم عابر، لحظة صنعها التعب والصمت والليل. ومع ذلك، بقي شيء واحد يزعجني:
كيف أمكن لشقة أعرف كل زاوية فيها أن تبدو لي غريبة إلى ذلك الحد؟
بعد قليل وضعت القهوة على النار.
ثم أخرجت الرواية من حقيبتي وجلست قرب النافذة.
في الخارج كانت موسكو بيضاء، ساكنة، كأن المدينة كلها قد اختبأت تحت بطانية ضخمة. وظل التلفزيون يتحدث.
هذه المرة لم أخف من صوته.
كنت أسمعه وأبتسم.
ومنذ ذلك المساء، كلما تذكرت تلك الشقة الصغيرة في جريوموشكي، لم أتذكر البرد وحده، ولا السلالم الخمسة، ولا رائحة القهوة البرازيلية.
أتذكر دائماً ذلك الصوت:
«قف! ولا تتحرك!»
وأتذكر أنني، في تلك اللحظة، صدقته تماماً.
ثم أبتسم.
فقد علّمتني تلك الليلة شيئاً لم أنسه عن موسكو، وعن الغربة، وعن الإنسان حين يكون وحيداً ومتعباً.
يكفي أحياناً صوت يأتي من جهاز تلفزيون، في شقة صغيرة وسط ليل موسكو، لكي يتحول في رأسك إلى خطر حقيقي.
ويكفي أن تهدأ قليلاً...
كي تكتشف أن أكثر ما أخافك لم يكن موجوداً إلا في داخلك.
***
جودت هوشيار








