غَريبٌ في بلادِ الإغْترابِ
بعيدٌ عن مُجالسةِ الصِحابِ
*
مَضى زمنٌ بهِ الأيّامُ راقتْ
نُبادلُها طموحاتَ الشبابِ
*
وقد دارتْ وألقتْ مُحْتواها
وأوْجَعتِ الخوافقَ بالخيابِ
*
إليها كيفَ عُدنا من جديدٍ
تُطاردُنا عَقابيلُ الغيابِ
*
مَلأنا كأسَنا سُلاّفَ نورٍ
وألقينا مَواعِظَ للترابِ
*
قليلٌ فاعلٌ والكُثرُ قالوا
وإنَّ طريقَها رهنُ الذهابِ
*
يُعربدُ صامتٌ وبها تَوارى
يُجالسُ هدأةً بنتَ اضْطرابِ
*
تَعانقَ سوؤها والشرُّ يَطغى
وكلّ قويةٍ صارتْ تُحابي
*
مَعالمُ ذاتها بَلغتْ ذُراها
مُعلقةً بداهيةِ المَآبِ
*
عقودٌ من تَجَهُمها أماتتْ
وفرّقتِ الأحبّةَ بالصِعابِ
*
مُعللتي بنورٍ بعدَ نارٍ
رمادُ الذاتِ في قاعِ الجوابِ
*
سألتُ الكونَ عن زمنٍ أليفٍ
فأوْهَمني بمِهْمازِ الصوابِ
*
بأمْرٍ عاجلٍ رغِبتْ نفوسٌ
كأنَّ الصبرَ من بُدَعِ الكتابِ
*
خوافقُ وَجْدنا حنّتْ لماضٍ
تزيّنهُ الرغائبُ بالعِصابِ
*
مَتاهاتٌ بها عَثَرتْ خُطانا
مَشيناها على ظهرِ السَرابِ
*
شوارعُها دموعٌ مِنْ دماءٍ
تعبّدُها أعاجيبُ الريابِ
*
سَمِعْتُ لشدْوها صوتٌ نَحيبٌ
يُذكّرنا بواعيةِ انْتكابِ
*
هيَ الأحلامُ خائبةُ المَزايا
تطيرُ بنا مُعانقةَ الضبابِ
*
نِيامٌ كلنا في خدرِ أدْري
ويَقظتُنا بإبْلاسِ التصابي
*
فهلْ نفعتْ تمائمُ مُنطوانا
إذا حانَ الوداعُ بلا عِتابِ
*
بَذلنا العمْرَ في وادٍ سحيقٍ
ستطمرهُ العواضلُ بالعِقابِ
*
فلستُ بقاضمٍ صخراً حديداً
ولا بمُصارعٍ بعُلى الهضابِ
*
نبيضُ القلبِ في وطنٍ عَزيزٍ
حَملناهُ بأفئدةِ ارْتقابِ
*
بُذِرنا في ترابٍ لا يُضاهى
به الأجدادُ مشروعُ انْتسابِ
*
قصيرٌ ليلنا إنّا رَقدنا
فكانَ لصُبْحِنا صَخبُ احْترابِ
*
سَلامَتنا بهاعَجبٌ فريدٌ
فكلّ مَسيرةٍ ذاتُ ارْتكابِ
*
كذا الأيامُ تفعلُ ما لديْها
وتَختمُها براعيةِ ارْتعابِ
*
بلوْعةِ شوقِها سَعيٌّ تَواصى
يُذكّرها بمَرْعودِ السَحابِ
*
تَطامرَ بدْؤها بختامِ سِفْرٍ
يوافيها بألوانِ الوَصابِ
*
تواءَمتِ الخلائقُ في رُباها
وفيها نارُ ملحَمةِ العِقابِ
*
عَداواتٌ بلا سَببٍ صَريحٍ
تؤجّجها مَراسيمُ اكْتسابِ
*
بها الأيّامُ تحدونا لحَتفٍ
وترسِمُنا على وجهِ الشِعابِ
*
فكنْ فيها كما شاءتْ خُطاها
فلا أملٌ بدائرةِ انْعطابِ
*
خطونا فوقَ مقبرةِ البرايا
ونَحفرُ قبرَنا حينَ اقْترابِ
*
أحاديثٌ مُفبركةٌ بوهمٍ
تؤمّلنا بواسعةِ الثوابِ
*
ذئابٌ في عَدالتها عَفافٌ
وإمْعانٌ بحاميةِ انْتهابِ
*
سَلونا كلّ مُنطلقٍ جَميلٍ
ودُمنا في مُجالسةِ الكَوابي
*
تأديكة الدجاجة حينَ صاحتْ
لأنّ ديوكَها ذاتُ اكْتئابِ
*
برايا من ثرى زمنٍ خصيمٍ
تواكبَ مَوجُها بينَ الروابي
*
تُعللنا بأضْواءٍ لروحٍ
مُصدّحةٍ بها نحوَ انْجيابِ
*
تماسكَ جوهرٌ برؤى مُغيثٍ
يُبشرُنا بمعسولِ الشرابِ
*
سَبقنا ظلنا والموتُ أدْنى
يُباغتنا بمَهروعِ الرِكابِ
*
لقيتُ كلومَها في بحرِ جَهْلٍ
يُغرّقنا بأمْواجِ انغلابِ!!
*
عَجائبنا مِن الإعْجابِ هانتْ
تُدثرها طواميرُ انْسحابِ
*
خشيلٌ عاصفٌ فينا بقيلٌ
يُبشّرُنا بسَحْبانِ الخطابِ
*
مَضى عمرُ ابْتلاءٍ في عناءٍ
وكانَ حصادُنا ضدّ المَتابِ
*
فهلْ بلغتْ رؤانا مُنتهاها
وهلْ ولّى زمانُ الإنقلابِ؟
*
تدجّنتِ الخَطايا والرزايا
ودامَ فسادُها دونَ احْتِسابِ
*
تُواعدُنا روافدها بنَهرٍ
عظيمِ الماءِ في زهوِ الثيابِ
*
أ مغلوبٌ بها أضْحى وصياً
كغالبهِ الذي قبلَ انْسرابِ
*
أ ضاعَ العمرُ في بُهتٍ ووهمٍ
كموؤودٍ بأحْجية التغابي؟!!
*
د. صادق السامرائي








