كانت الأيامُ الأخيرةُ تنسابُ فوق روحِ ندى بطيئةً الى حدٍّ يلامسُ حدودَ العذاب المُر.. كأنَّ الزمنَ في ردهاتِ تلك المصحّة قد تخلّى عن فِطرتِه السّيالة، وتحوَّل بغتةً الى كتلةٍ صلدةٍ من الساعاتِ الرمادية الرتيبة التي لا تنقضي. لم تعد ندى تميّزُ فجرًا من غسق، ولا سبتًا من أحد، فكلُّ ما حولَها كان يذوبُ في أتونِ انتظارٍ طويلٍ مجهد، انتظارِ تلك النهاية اللامرئية التي بدت لقلبِها المنهك بعيدةً مراوغة، كشاطئٍ ناءٍ لا تصلُ إليه السُّفنُ الضالّة.
كانت تستيقظُ في كلِّ صباحٍ وفي صدرِها الغاضب سؤالٌ واحدٌ يلحُّ عليها بإيقاعٍ موجعٍ لا يهدأ:
"متى الانعتاقُ من هذا المكان؟
متى أعودُ الى بيتي الدافئ الذي تركتُ بين أركانه نصفَ قلبي، والى حياتي الفطرية التي كانت تشبهني، قبل أن تبتلعَ نضارتي، هذه الجدرانُ البيضاءُ المصمتة، ببرودِها القاتل؟"
كانت تعدُّ الأيامَ الزاحفةَ كما يعدُّ السجينُ المحكوم خطواتِه الأخيرةَ نحو شمسِ الحرية، تحسبُها بالدقائقِ المتلكئة تارةً، وبخفقاتِ قلبِها المرتجفةِ تارةً أخرى.
حين وفدت الى هذه المصحّةِ في المبتدأ، ظنّت في غمرةِ وهمِها الشفيف أنها تهربُ من جراحِها النازفةِ لكي تتعافى.. لكنها اكتشفت، بعد طولِ اختبار، أن بعضَ الأمكنةِ المرتجاة لا تشفي الآلامَ أبدًا، بل تعرّيها بعنفٍ حتى آخرِ طبقاتِها المستورة.
كانت ندى تبدو للنزلاءِ من حولها هادئةً، متزنةً الى أبعدِ الحدود، لكنها في مُحاق دورتِها الداخلية كانت ساحةَ حربٍ مستعرةٍ لا يهدأ لظاها. روحُها المتعبةُ تتأرجحُ بعنفٍ بين رغبةٍ ضارية في النجاة، وخوفٍ دفينٍ أسودَ من أن تكونَ قد فقدت جَوهرَ نفسِها ومفاتيحَ هويَّتِها الى الأبد.
وكان أكثرُ ما تخشاه ويقضُّ مضجعَها، أن تتحولَ تلك المصحّةُ بالتدريج الى قدرٍ جاثم، الى حياةٍ معلّقةٍ في البرزخ، لا هي تنتمي فيها الى العالم الخارجيّ الحي، ولا هي قادرةٌ على الاندماج في هذا العالم الداخلي الممسوخ.
وحين أشرقَ صباحُ اليومِ قبل الأخير، استشعرت ندى شيئًا يشبه الرجفةَ الغامضة يسري في أوصالِ المكانِ كلِّه، إذ أخبرتهم المشرفةُ، بنبرةٍ تخلو من التعاطف، أن اللجنةَ الطبيةَ المختصة ستقابلُ الآن كلَّ فردٍ منهم على انفراد، لتقررَ مصيرَه النهائي:
هل انتهت رحلتُه العلاجيةُ وحانَ سراحُه، أم أنه سيبقى رهينَ الأسوار لأسابيعَ أخرى؟
كانت المشرفة تتحدثُ بلهجةٍ عمليةٍ جافة، لكنَّ كلماتِها سقطت في أعماقِ ندى كصخورٍ ثقيلةٍ تتكسر في بئرٍ مهجورة. أوضحتْ أن اللجنةَ الوقورة تضمُّ مسؤولَ المصحّةِ الأول، ورئيسةَ الأطباء النفسيين، والمشرفين المباشرين على الخطط العلاجية، وأن القرارَ النهائي سيُبنى حصرًا على التقارير الطبية المدونة ومدى استجابة كل مريض للتدجين العلاجي.
منذ تلك اللحظةِ العاصفة، بدأ صدر ندى يضيقُ شيئًا فشيئًا، وكأنَّ الهواءَ في القاعةِ صار أثقلَ من أن يُستنشقَ في الرئتين. جلست تنتظر دورَها المجهول، وكفاها متشابكتانِ بقوةٍ مفرطةٍ في حِجرها لتقييد ارتعادهما. كانت تحاولُ مستميتةً أن تبدو متماسكة، غير أن القلقَ الخبيث كان ينهشُ أعصابَها المشدودةَ في صمتٍ مروع.
وحين نادى أحدُهم اسمَها بنبرةٍ آلية، نهضت ببطءٍ وَوَهن، لكنها شعرت فجأةً بدفقٍ دافئٍ عجيب يعبرُ شغافَ قلبِها، إحساسٌ غامضٌ شجي يشبه حضورَ يدِ والدها الراحل، تلك اليدِ الأبويةِ الحانية التي طالما استشعرت دفأَها على كتفها الايسر في لحظات خوفها القديمة، كأنَّ روحَه الطاهرة كانت تأتي وتتجسدُ كلما ضاقت بها سبلُ الدنيا، لتهدهدَ روعَها وتقول لها بصمتٍ أبويٍّ بالغ الرأفة:
ـ لا تخافي يا بنيتي، أنا معكِ.
عندها فحسب، شعرت أن خطواتِها على البلاطِ البارد أصبحت أكثرَ ثباتًا ورسوخًا، وأن عبيرًا من الطمأنينة الفطرية قد عاد ليسكنَ رُوحَها المرتبكة.
ولجت الى غرفةِ اللجنة، فاستقبلتها وجوهٌ جادةٌ صارمة، وملفات كثيرة مبعثرة فوق الطاولة الخشبية الفسيحة. راحت الطبيبة المسؤولةُ تقلب ملفها الطبي ببرودٍ ميكانيكي قبل أن ترفعَ رأسَها قائلةً بنبرةٍ هادئة:
ـ التقاريرُ المرفوعةُ تشير بجلاءٍ الى تحسنٍ ملحوظٍ في حالتكِ العامة، وهذا أمرٌ إيجابيٌّ وجيد جدًا، لكننا، من منظورنا الطبي، نرى ضرورةَ الاستمرارِ في برنامج العلاج والمتابعة لستةِ أشهرٍ إضافية بعد عودتكِ الى منزلكِ... فما رأيكِ؟
أصغت ندى لتلك الكلماتِ وهي تلتقطُ أنفاسَها المتهدجة من بين ثناياها، ثم أجابت بصوتٍ هادئٍ رصين يحملُ صدقًا عميقًا لا زيفَ فيه:
ـ نعم.. أنا أعترف بكامل الإرادة أنني استفدتُ كثيرًا من وجودي هنا، وأشعرُ حقًا أنني أفضلُ بكثير مما كنتُ عليه في السابق، وسأواصلُ خطتي العلاجيةَ بعد عودتي الى بيتي بكل تأكيدٍ وانضباط.
ابتسمت المسؤولةُ ابتسامةً مقتضبةً باردة، وانتهى اللقاءُ البيروقراطي سريعًا.
خرجت ندى من الغرفة وهي توقنُ أن الأمرَ قد حُسم لصالِحها، وأن شمسَ الغد ستحملُها أخيرًا بعيدًا عن أجواء هذا السجن الإداري الرمادي. لأول مرة منذ أسابيع العتمة، امتلأت روحها بخفةٍ ونور يسريان في جنبات قلبها، كأنَّ نافذةً من الأمل قد انفتحت أخيرًا في نهاية ذلك النفق المظلم الطويل.
وفي المساء، وبين أجواء حفل الوداع البسيط الذي أقامته المجموعةُ النزيلة، بدت ندى مشرقةَ المحيّا، وما هي إلا لحظات حتى أحاطت بها بعضُ الوجوه، تخاطبها بنبرةٍ تقطر شفقةً وأسفًا:
ـ لكنكِ يا ندى لن تغادري أسوارَ المصحةِ معنا غدًا.
التفتت إليهم بذهولٍ صاعق، واتسعت عيناها المذعورتان كأنها لم تستوعبْ فحوى ما قيل:
ـ ماذا؟!
من الذي قال هذا الهراء؟
ـ المشرفةُ هي من أخبرتنا قبل قليل...
ستبقينَ هنا في المصحة لأسبوعين إضافيين او أكثر.
في تلك اللحظة الرهيبة، شعرت ندى كأنَّ الأرضَ الصلبةَ قد انشقت وانسحبت من تحت قدميها. ارتفع الدمُ حارًا متدفقًا الى رأسها دفعةً واحدة، وقفزت من مكانها كالملسوعة، متجهةً الى مكتب المشرفة بخطواتٍ مضطربةٍ يغمرها غضبٌ عارم. دفعت البابَ بعنفٍ ودخلت دون استئذان، وصوتُها يرتجفُ بين القهرِ الدفين والانفعال الحارق:
ـ هل صحيحٌ ما يُشاع بأنني سأبقى محتجزةً هنا؟
رفعت المشرفةُ عينيها ببرودٍ إداري كالح، وأجابت بجفاء:
ـ نعم... هذا هو القرارُ النهائي للجنة الطبيّة.
حدقت ندى فيها بنظراتٍ زاغ فيها التصديق:
ـ لكنهم لم يجرؤوا على إخباري بذلك أثناء المقابلة!
لم يسألني أحدٌ منهم إن كنتُ أوافقُ على هذا البقاء القسري ام لا.
ثم أنى فهمتُ من كلماتهم أنني سأغادر غدًا برفقة الآخرين. أريدكِ أن تتصلي بهم الآن ودون تأخير...
أخبريهم أنني أرفضُ البقاءَ في هذا المكان يومًا واحدًا، بل ساعة واحدة إضافية!
كان الغضبُ المستعر في نبراتِها ممتزجًا بخذلانٍ موجع، تراءى لها أنها خُذلت وأن حقَّها الفطريَّ في تقرير مصيرها يُنتزع منها عنوةً، مرةً أخرى تحت لافتة الطب.
كانت ندى، برغم كل ما يغلف كينونتها من رقة، تحمل في سجيتها عنادًا خفيًا صلبًا، عنادَ مَن تعلَّم بعد الآلام الطوال والجرعات المرة ألا يسمحَ لكائنٍ من كان بأن يصادرَ صوته الحرَّ أو يمسخَ إرادته.
تنهدت المشرفةُ بضيق، وقالت ببرودها البيروقراطي المتعالي:
ـ لا أملكُ لكِ من الأمرِ نفعًا...
اذهبي الى الغرفةِ رقمِ اثنينِ وعشرينَ، وهناك يُفصلُ في شأنكِ.
خرجت ندى من عندها كأنها مَذعورةٌ تطاردُ آخرَ خيطٍ من خيوط حريتِها الموشك على الانقطاع.
توجهت مباشرةً صوب الغرفة المطلوبة، وهناك بسطت موقفَها بإصرارٍ وعزمٍ قاطع لا يلين. تحدثت بقوةٍ عن حقّها القانوني والمشروع، وعن ضرورةِ أخذ موافقتها الخطية، وعن ذلك الخطأ الإداري الجسيم الذي اقترف دون علمها.
لم تكن تتحدث في تلك اللحظة لتغادر المصحّةَ فحسب، كانت تدافعُ باستماتة عن شيءٍ أعمق وأقدس بكثير:
عن حقّها في أن تُعاملَ كإنسانةٍ كاملة الإرادة والآدمية، لا كحالةٍ طبيةٍ جامدة تُنقل قراراتُها ومصائرُها ببرودٍ بين رفوف الملفات الكرتونية.
طلبت منها الموظفةُ الجالسة خلف المكتب، بنبرةٍ متوجسة، أن تنتظرَ في الرواق الخارجي حتى يتم الاتصالُ الهاتفي بالمسؤولين المعنيين بملفها.
وكان الانتظارُ هذه المرة أشدَّ ضراوةً وقسوةً على روحها من كل ما سلف.. إذ بدت لها الساعاتُ دُهورًا متيبسة. جلست تارةً وعيناها في الأرض، ونهضت تذرعُ الممرَّ جيئةً وذهابًا تارةً أخرى، وعيناها معلقتانِ برتاج الباب المغلق كأنَّ مصيرَ حياتِها بأسرها يقفُ متوجسًا خلفه.
كانت تسمعُ ضرباتِ قلبِها المتلاحقةَ بوضوحٍ يثقب الصمت، وترى خوفَها القديم وإصرارَها المتجدد يتصارعانِ في حلبةِ رُوحِها بلا رحمة.
ثم… وفي نهاية المطاف، انفتح البابُ المغلق بصريرٍ خفيف. أطلّت الموظفةُ من خلفه، وهي تقول بنبرةٍ هادئةٍ زُفت كالبشارة:
ـ يمكنكِ المغادرةُ غدًا صباحًا برفقةِ الآخرين.
في تلك اللحظةِ الغامرة، أحست ندى بشيءٍ يشبه استعادةَ كينونتها الذاتية السليبة، كأنما انتزعت رُوحَها المخطوفةَ بقوةٍ وعناد من قبضةِ الخوفِ الضاري، وعادت أخيرًا الى حِمى نفسِها للمرة الأولى منذ زمنٍ بعيد.
لم يغمض لندى جفنٌ في تلك الليلةِ العاصفةِ بالترقب. كانت الساعاتُ المتوانية تمرُّ فوق قلبِها الوجل بطيئةً متوترة.. كأنَّ الزمنَ في هذا المعتزلِ البارد يتعمدُ اختبارَ صبرها الأخير وقدرتِها على الصمودِ قبل الخلاصِ الموعود.
أنهت إعدادَ حقيبتِها الصغيرة منذ وقتٍ مبكر، رتَّبت ثيابَها بعنايةٍ فائقةٍ أقربَ الى إقامةِ طقوسِ مقدسة، ثم وضعتها قريبًا من الباب، كأنّ هاجسها الأكبر كان أن ينكث الفجرُ وعدَه، فتضطرّ إلى الركض وراء الانعتاق، خوفًا من أن ينفلت من بين يديها.
جلست على حافة السريرِ تُحدّق في تلك الحقيبةِ مأخوذةً بركودها، وفي أعماقها تتنازع مشاعرُ غريبةٌ.. مزيجٌ من فرحٍ مرتبك، وخوفٍ غامض، كأنها من فرط الخيبات لا تصدّق تمامًا أنها ستغادرُ أسرَ هذا المكان أخيرًا. كانت تخشى بكبرياءِ الأنثى الخائفة أن يحدثَ أمرٌ طارئٌ في اللحظةِ الأخيرة.. أن يُفتح البابُ بغتةً ليقال لها بنبرةٍ بيروقراطيةٍ صلبة إن ثمة خطًا آخر قد وقع في السجلات، وإنَّ عليها البقاءَ أسابيع إضافيةً داخل هذه الجدران المصمتة التي استنزفت رُوحَها ببطءٍ مرير.
ولم تُطلعْ ندى خطيبها مايك بشيءٍ مما جرى معها في تلك الليلةِ المشهودة، لا عن صراعِها المرير مع اللجنةِ الطبية، ولا عن قلقِها الطويل الطاغي، ولا حتى عن الموعدِ الدقيق لعودتها. أرادت بحبٍ وعاطفةٍ أن تفاجئَه بظهورِها المباغتِ أمامه كالنور، لتلمحَ في مآقي عينيه تلك الدهشةَ الدافئةَ التي افتقدتها وطال حرمانُها منها في غربتها. كانت تتخيلُ لحظةَ اللقاءِ العاصفةَ تلك مرارًا وتكرارًا في خيالِها الصامت، حتى غدت الفكرةُ وحدها كافيةً لتبديدِ وحشةِ الأسابيع الماضية وعذابها الصامت.
غفت ندى لبرهةٍ قليلةٍ من فرط التفكير والإعياء، لكنها انتفضت فجأةً من مرقدِها كمن سقط من حلمٍ مضطرب. تناولت ساعتَها بلهفةٍ، فإذا بعقاربِها تشيرُ الى الثالثةِ بعد منتصف الليل، فنهضت على الفور، وكأنَّ النومَ في تلك اللحظة المصيرية صار خيانةً لانتظارها الطويل. تركت زخات الماء تغسل ببطء بقايا هواجسها، ارتدت ملابسَ السفر كاملةً، صففت خصلات شعرها بعنايةٍ ورقة، ثم سحبت حقيبتَها في هدوءٍ حذر، وخرجت صوبَ الحديقة العامة للمصحّة، كي لا تستسلمَ لغفوةٍ أخرى قد تؤخرُها عن الفجر الذي انتظرته طويلًا.
كان البردُ في ساعة الفجر الاولى رقيقًا وقاسيًا في آنٍ معًا، يلفُّ أركانَ المكانِ بصمته الفضيّ الساحر. جلست ندى على إحدى الأرائك المعدنية الباردة، وضمَّت كفيها المرتجفتين الى صدرها، لعلها تستمد من جسدها دفئًا غائبًا.
بدت الحديقة الفسيحة شبه خاليةٍ من الحركة، إلا من جذوع الأشجار الشاخصة التي تقف في العتمة ساكنةً كحرّاسٍ متعبين يرقبون في صمت انطفاءَ ساعات الليل الأخيرة.
ومع انبعاث خيوطِ الفجر الأولى، شعرت ندى بدفقٍ دافئٍ عجيب يتسرَّب الى أحشائها، كأنَّ الضوءَ الطالعَ لم يكن يشرقُ على صفحة السماءِ الزرقاء وحدها، بل كان يشرقُ ويهلُّ على رُوحِها المظلمة أيضًا. راحت ترقبُ تبدُّلَ الألوان ببطءٍ أسطوري على الأفق، والصباح وهو يفتح بواباتِه الفسيحةَ للحياة.. دبت حركةُ عمالِ النظافة في الممرات، وبدأت الأبوابُ تُفتح تباعًا استعدادًا لولادة ذلك الروتين اليومي الرتيب الذي حفظته عن ظهر قلب، الوجوه المنطفئةُ نفسها، التعليماتُ الجافة نفسها، وساعاتُ العلاج والتدجين نفسها. لكنها، في هذه المرة الفريدة، كانت تنظر الى تلك التفاصيل كلها من الخارج، كأنما انفصلت روحُها أخيرًا وبشكلٍ حاسمٍ عن ذلك العالم البيروقراطي الذي لوّعها طويلًا.
رفضت ندى هذه المرة بكبرياءٍ وعناد أن تذهبَ الى ردهة المطعم لتناول وجبة الإفطار، فما كان بها توق الى زادِ الجسد، بل كان جوعُها دافقًا صوبَ مائدةِ الحريةِ والانعتاق. بقيت عيناها معلقتينِ بالطريق الطويل الممتد الذي ستطلُّ منه الحافلةُ الموعودة التي ستقلُّها الى محطة القطار، كأنما تخشى في سرّها أن تتأخر الحافلةُ عن موعدها، أو ألا تأتيَ أصلًا لتتركَها لمصيرها.
وبدأ النزلاءُ الآخرون يتوافدون الى فناء الحديقة واحدًا تلو الآخر، بوجوهٍ أكلها التعب وأحلامٍ مبعثرة، بعضُهم كان يبتسم في خفاءٍ باعتزازِ المنتصرين الذين هزَموا الوعكة، وبعضُهم الآخر يحمل في ملامحه حزنًا خافتًا، لأنه سيغادر المكانَ دون أن يستشعرَ في أعماقه أنه تعافى تمامًا من عِطبِه الروحي. أما ندى، فقد لزمت الصمتَ المطبق على عادتها القديمة، وهي تغالبُ ارتجافًا خفيًّا يعصف بوجدانها.
أطلّت المشرفةُ أخيرًا بوقارِها الإداري المعهود، وهي تحمل بيديها قائمةَ الأسماء والرسائل الطبية المغلقة. بدت تنادي أسماء المغادرين واحدًا تلو الآخر بنبرةٍ رتيبة، وكلما قرأت اسمًا من السجل، سلمت صاحبَه تقريرَه الطبي النهائي المختوم قبل أن تأذنَ له بالصعود الى جوف الحافلة.
كانت ندى تراقب ذلك المشهد الختامي وقلبُها يخفق بعنفٍ يكاد يثقب صدرها، وكلما اقترب الدورُ منها، ازداد شعورُها الداخلي بأن هذه اللحظةَ رخوة للغاية وقابلةٌ للتهشم تحت أي عذر بيروقراطي. حتى إذا نودي اسمُها أخيرًا، نهضت بحذرٍ رصين، وتناولت الظرفَ الطبي من يد المشرفة، ثم صعدت درجات الحافلة بوصفها آخرَ المغادرين لذلك اليوم من تلك المصحّة.
جلست قرب النافذة الزجاجية، وما إن دارت محركات الحافلة وتجاوزت بوابةَ المصحّة الحديدية بأمتارٍ قليلة، حتى شعرت كأنَّ قيدًا ثقيلًا من الرصاص قد تشظى في أعماق ذاتها وتلاشى الى الأبد.
غاصت في مقعدِها الوثير كمن ينجو بأعجوبةٍ من غرقٍ طويلٍ مرير، ثم نزعت شالَها الصوفيّ برفقٍ وربطته حول عينيها بإحكام، فلم تكن تريدُ إطلاقًا أن تلمحَ مبنى المصحة وهو يبتعد في الأفق، ولا نوافذَه الصماء، ولا أسوارَه الكالحة، ولا أيَّ زاويةٍ من ذلك المكان الموحش الذي شهد أيامَ آلامها واوجاعِها الصامتة الرهيبة.
أسندت رأسَها المتعبَ الى ظهر المقعد وأغمضت عينيها بقوةٍ تحت الشال، كأنما تمحو بظلمته تلك الصورَ البشعةَ المحفورةَ في تلافيف ذاكرتها، فلم تكن تريد أن تتذكرَ نفسَها هناك قط.. ان تتذكر تلك المرأةَ المنهكةَ المستسلمةَ التي كانت تتلمس بقايا آدميتِها وسط عواصف الخوف والوحدة والاغتراب. أرادت في تلك اللحظة أن تدفنَ الى الأبد كلَّ اللحظات القاسية، وكلَّ الوجوه العابرة الجافة، وكلَّ تلك الليالي الطوال التي بكت فيها بحرقةٍ وصمت كي لا يسمعَ نحيبَها أحد.
وفي أعماق روحها المكلومة كانت كلماتها تؤكد:
"بأنَّ النسيانَ الكامل لما مضى أمرٌ مستحيل، لكنَّ الإنسانَ في بعض الأحيان لا يُكتبُ له العيشُ والنجاة، إلا حين يختار بكامل وعيه وإرادته أن يفتح نافذةً جديدةً مشرقةً للحياة، بدلًا من التحديق المستمر والسقيم في أطلال الخراب القديم."
لذلك، تركت الحافلةَ تمضي بها مسرعةً نحو غدٍ جديد، بينما كانت رُوحُها المنعتقةُ تركضُ بوثباتٍ واسعةٍ الى الأمام، الى ذلك اللقاء الدافئ القادم... الى الحياة الحقيقية الحرة التي تنتظرها بكل لهفةٍ خارج أسوار ذلك الكابوس الثقيل.
*
سعاد الراعي
من رواية تحت الطبع








