عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

نصوص أدبية

نورالدين حنيف: الشّيْطان كائنٌ وَسِيم

ناولَ المريدُ شيخَه قدحَ الماءِ، طلبًا للرّواء وسدًّا لعطشةٍ فرضتْ ذاتَها بعد تناولِ وجبةٍ دسمةٍ من طعام الكسكس. ترنّحتْ كفّ الشيخ فانفلتَ القدحُ من قبضته وتهشّمَ أرْضا... وفي ردّةِ فعلٍ سرِيعةٍ نبس الشيخُ قائِلًا: أعوذُ بالله من الشيْطانِ الرّجيم. وفي ردّ فعلٍ أسرعَ منْ ومضة، ودون تفكير، ردّ المُريدُ:

- وما دخْلُ الشيْطانِ في هذه النازِلة يا شيخَنا؟

استغربَ الشيخُ لهذا الردّ. ولم يتوقّعْهُ من جليسه البتّة. وهو المطمئنّ إلى حصيلةِ تعليمه وتوجيهه وإرشاده أنّها انغرستْ في قلوب مريديه وعقولهم.

- كيفَ تسأل هذا السؤال يا ولدي؟

- ولِمَ لا أسأل؟

- لأن البداهةَ تقول ذلك.

- لا يا شيخي... البداهةُ لا منطق لها. البداهةُ تسليمٌ قامَ على العجز والقبول الخاوي وكذا على شَلِّ حركية العقل. وحضرتكم قد علّمْتُمونا أن نشكّ لبلوغِ اليقين.

سُقِطَ في يدِ الشيخ، وحاول صرفَ الحوارِ إلى منطقةٍ أخرى حتّى لا يستفحل ويجرّ الحالَ إلى المحال.

في الضّفّة الهيولانيّة الأخرى من المجلس، قال الشيطان لخليلته: أسمعي يا خليلتي إلى هؤلاء. وبربِّكِ، هل تدخّلتُ في النازلة؟ هل عاكستُ كفَّ الشيخ كي يسقط القدحُ من تحكّمه؟ هل مارستُ إلهاءً كبيرًا أو صغيرًا على سمْتِهِ حتى يحشرَني في هذا الأمر.

قالتْ: أشهدُ أنكَ إبّانَ حدوثِ النّازلة كنتَ تغطّ في قيلولتك غطًّا سادِرا، وكنتَ تشخرُ شخيرًا هادِرا...

ضحك الشيْطان حتّى بدتْ نواجدُهُ، ثمّ استلْقى على ظهرهِ في نشوةِ المظلوم الّذي ظهرتْ براءته.

شطّب المريدُ أشلاء القدح من البلاطِ، وجمعها في كيسٍ مرصودٍ للقمامة. ثم التفت إلى شيخه وقال:

- افرِض يا شيْخي أن توقيتَ سقوط القدح من كفّك هو توقيتُ نومِ الشيطان؟

- وهل اليشطانُ ينام؟

- نعم... ينام...

- وما دليلك؟

- دليلي من القرآن.

- هات ما عندك.

- النوم حالةٌ ناقصةٌ. والشيطان ناقص.

- لم تُفْحِمني.

- الله سبحانَه وتعالى، هو الوحيد الّذي لا تأخذه سنةٌ ولا نوم. وبقية الخلق يعتريها الكلل والتعب والعياء فتطلب النوم صفةً لاصقةً بنقصانِها.

سمعَ الشيطانُ مقالة المريد، ابتسم في وجه خليلتِه ثم قال: علينا أن نرصدَ لهذا الشابِّ مزيدا من الرقابة. إنه خطر عليْنا.

ردّتْ بأن العكسَ هو الصحيح. لأنه طاقةٌ تكسّرُ المسلّمات. ونحن نقيم في التفاصيل. فلندعهُ يمارِس بعض الهدمِ في غيرِ شعورٍ أو إرادة، عسى أن تنبثق من تفاصيلِنا في روْعِهِ خدعةٌ أو خدعتان، نرعاها ونرويها وننشرها كأنّها اليقين المقيمُ في رفرفة الفراشة.

انبرى الشابُّ مدفوعًا برغبة عارمة في اجتناء المعرفة. قال:

- أسألكم يا شيخنا. لِم في وصفِنا للشيطان نصفه دائما بالبشاعة والقبح..؟

- ردّ الشيخُ: لأنّ البداهةَ قالتْ ذلك.

- وهل للبداهةِ سلطان على العقل؟

- وما بديلك أيّها الشابّ المشاكس؟

- بديلي هو أن الشيطانَ جميلٌ ووسيم.

- على أيّ بنيانٍ أسّسْتَ قناعتَك؟

- قد أثبتْنا الآن في نازلة سقوط القدح أن الشيطان برئ. أليس كذلك يا سيّدي؟

- بلى...

- إذن فكل برئٍ هو جميل.

- هل تقصدُ جمالَ المظهر؟

- طبعًا لا يا شيخي. أقصد جمال المخبر.

- هل جُنِنْتَ وكل الأدلّة النصية والعقلية تقول بخبث الشيطان.

- نعم يا شيخي. ولكنني أقصد بجمال الشيطانِ ووَسامتِهِ إخلاصهُ لمشروعه الأزلي والتاريخي.

- أيّ مشروع يا هذا؟

- مشروع الغَواية.

- كيف؟

- ألم نقرأ في كتاب الله العزيز قوله (قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِي إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ . قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنظَرِينَ . إِلَىٰ يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ .قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ. إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ)؟

- بلى... قرأنا واستوعبنا وحسمْنا... فما مكمنُ الجدّة والفرادة في هذا؟

- الشيطانُ جميلٌ ووسيمٌ لأنه قرّر وأخلص المضيّ في القرار بخلاف البشر الذين يغلب عليهم الإخلاءُ بالقرار والتخلّي والتراجع والخيبة وما شابه. الشيطانُ برئٌ ووسيمٌ وصادق، لأنه أقسم أن يبلغ بمهمّته في الغَواية مبلغَ التنفيد في دقّةٍ متناهية. وما أحوجنا أن نتعلّم منه هذه القوة في التنظير وفي التظهير.

بدا على الشيخِ بعضُ الارتباك نتيجةَ جرأة المريد. وقرّر في روعهِ أنْ يحسمَ النقاشَ بطريقةٍ قيصريّةٍ، ولكنّه لم يجرؤ على الفعل تقديرًا لصورةِ المعلّمِ المتجرّدِ في تعليمه، والمخلص في أهدافه وغاياته، وإيمانِه أن أول شرطٍ من شروطِ المَشْيَخَة ألّا يتكاثَر الشيخُ عبر استنساخِ ذاتِه في مُريديه، وأن يعلّمهم دونَ نيةِ قهرِهم كي يتبنّوا ما اعتقده في التفكير، اللهم في الاعتقاد، فهو مسألةٌ مركزيةٌ تقوم على التوحيدِ... وهو خطٌّ أحمر.

سايرَ الشيخُ مريدَه لا لجبْرِ خاطر، وإنما لإحساسٍ فيه تولّدَ، وقام على أن يجتنِيَ من النهرِ ما ليس في البحر.

انبرى المريد سائِلًا وهو في غمرةِ الحماسِ المطوِي في صدرهِ منذ زمن:

- لِمَ يا شيخنا عندما نصف الشيطان نصفُهُ بقرْنيْن وذيلٍ وأظلاف، وأظافر مثل المخالب...؟

- لأنّه كذلك، وهذه التفاصيل تعبير مناسبٌ لصورةِ الغوايةِ فيه ومناسبٌ للشرّ الكامِنِ فيه...

- لا يا سيدي... هذه الصورةُ نمطيّةٌ لا علاقة للشيْطانِ بها، وإنّما بنتْها وأسّستْها وروّجتْ لها ذاكِرَتُنا الغارفَةُ من وجدانِنا الجمعي الّذي حاصر هذا الكائن في هذه الدائرة الضيقة، وأورَثهَا للأجيالِ حتى ترسّبتْ فينا ترسّبًا منحها مصداقية الحضور وأعطاها صفةَ الإطلاقية وثبّتْناها برغبتِنا الكسولة في تجسيدِ الشيْطان تجسيدًا خرافيًّا لاعلاقةَ له بالمنطق وبسيرورة هذا المخلوق وصيرورته.

- فكيف يا ولدي الحاذِق في الفهم والعلم يكون هذا الشيطان وما صفاتُه وخصائصه وشكله وباطنه؟

- مهلًا يا سيدي مهلا... فأنا أحاصر حديثي في تمثّلاتِنا المغلوطة فقط. فلا قيمةَ للشيطانِ بالقرنيْنِ والذيل والمخالب والأظلاف.

- كيف ذلك؟

- إنّ هذه الصورة النمطية غريبة وفاشلة لأنها لا تقومُ على حقيقة، وإنما تقوم على وهم. زِدْ على ذلك أن وظيفةَ الشيطانِ الإغوائية تفرِضُ عليه أن يتقدّم للمغرَّرِ بهم في صورةٍ وسيمةٍ وجميلةٍ للتمكّنِ منهم. فهو إن بدا على الشكل النمطيّ المعهود فسيكشف بعضَ أوراقِه وسيدفع المغرّر بهم إلى الاحتياط منه. وسيفضحُ خطّته كلّما تجلّى بقرنيْن وذيلٍ ومخالب وأظلاف...

- ما هذا التخريجُ الغريب لصورةِ الشيْطان؟

- أنا أجتهد يا سيدي، وقد علّمتمونا أن باب الاجتهاد مفتوحٌ على مصراعيْنِ واسعيْن لآفاقَ أوسع...

- وإلى أين قادكَ اجتهادك؟...

قالَها الشيخُ وقد تحوّل من معلِّمٍ إلى متعلّمٍ يجتني بعض المعرفة من هذه الحصاةِ الصغيرة. فالقول القديم (لا تحقرنّ من الأمر صغيرةً، إنّ الجبال من الحصى) هو الآن قولٌ بمصداقية واضحة. وقد أبدى اهتماما بأطروحاتِ تلميذهِ وانفتحَ عليها بعقلٍ مستقبلٍ منقّح وناقد...

- الصورةُ العالقةُ في أذهانِنا عن الشيطان بقرنين وذيل ومخالب وأظلاف، صورة نازحةٌ من التديّنِ المسيحيّ الّذي بنتهُ أفكار العصور الوسطى في تأويلِها لنزول الشيطانِ مغضوبًا عليه من السماء.

- هذا صحيحٌ يا بنيّ... ولكن ما قولك في الآية الكريمة الواصفة لشجرةِ الزّقّوم ( طلعُها كأنّه رؤوسُ الشّياطين)...؟

- لستُ في مقامِ المفسّر المالك لضوابط التفسير، ولكنّني من موقع الحق في قراءةِ التراث وفهمهِ في اجتهادٍ مائلٍ جدًّا إلى الخطأ منه إلى الصواب أقول إنّ الموصوف هنا هو المُبأّرُ وهو الشجرة وليس الشيطان. ومع ذلك أقول إن القبحَ هنا مسنودٌ للمشبّهِ وللمشبّهِ به معًا. ومن ثمّةَ فالشيطانُ يمتلك رأسًا بشعةً قريبةً في بشاعتِها من شجرة الزقوم. ولكن دعْنِي يا شيخي أوضحُ مسألةً هي في غاية الأهمية...

- ما المسألةُ الجديرة بالإنصات يا ولدي؟ فقد شوّقْتني للمزيد...

- تأكّدْنا يا سيدي من أن الشيطانَ قبيحُ الرأس مثل شجرة الزقوم. السؤال هنا هو: هل يستقيم المعنى داخلَ الحقيقةِ ام داخل التجلّي؟

- الحقيقةُ هي بشاعة الشيطان، والتجلّي لابد أن يكون في الجمال حتى يتسنى للشيطانِ ممارسةُ الإواء.

- هو ذا ما كنتُ أرومه. وألهجُ بتسطيره في اجتِهادٍ منّي اجتهادًا قاصرا. لابد للشيطانِ من التجلي لضحيتهِ في صورةٍ جميلة انسجامًا مع خطّتهِ في تحقيق الكمال في الاستدراجِ والإغواء والانتصار على المغرّرِ بهم. والصورة تتمايز بين الحسن والقباحة بتمايز سياقات الضحية. فقد يتجلى الشيطانُ بشعًا لفلان ويتجلى جميلا لفلان وهكذا... كلٌّ حسب سياقه المفرد والمتفرّد...

- أنت تتكلّمُ يا ولدي خارج النقل.

- تمامًا يا شيخي. أتكلّم من زاية العقل مشفوعًا بتأويل النقل تأويلًا لا يشط بالمعنى القرآني بعيدًا عن الحق.

- أما زلتَ تلحّ على وسامةِ شيْطانك يا بنيّ؟

- نعم... وأزيدكم وأنتم العارفون.

- زِدْني زادك الله من توفيقه.

- في الثقافة المسيحية للعصور الوسطى، تبثَ في جدارياتِ الكنائس وخاصةً في إيطاليا ظهور الشيطان في صورة الملاكِ الأزرق السماوي. لكن هذه الصورة الملائكية تمّ التخلي عنها لاحقًا لصالح مظهر شيطاني... وفي بعضِ النصوص البابلية القديمة، ذُكرت الشياطين مُجنّحةً تطير ليلًا، وتُغوي الناس.

- وما قيمةُ هذا التوثيق التاريخي البعيد؟

- قيمتهُ تتجلّى في الحضور الملائكي في شخص الشيطان. ومنهُ نستدعي قيمة الجمال الشيْطاني.

- أنتَ تشطّ بعيدًا يا ولدي؟

- فما قولكم يا سيدي في اختلاف علماء الإسلام في جذور الشيطان بين جذر الجنّ وجذر الملائكة.

- هذا خلافٌ محسومٌ يا أيّها الباحث المنقّب. وهو محسومٌ لصالحِ الجن الذي هو أصل الشيطان.

- وهل هذا يقوم دليلًا على أن الجنّ كانَ قبيحًا وبشعًا وبقرنيْن وذيلٍ ومخالب وأظلاف..؟

صمتَ الشيخُ برهةً من الزمن. ثم طأطأ رأسه كأنه يبحث عن ضالّة. ثمّ قرّر... أراد الشيخُ تبديل وجهة الكلام خشيةَ أن يبزّه المريدُ بزًّا إضافيًّا، وحتّى لا يفقد بعضَ سمتِهِ وهو المعلّم الّذي يُشهد له بالحكمة والعقل، أرسل الشابّ في مهمّة خارج مقرّ الزاوية، ثمّ ركنَ إلى قيلولته المعهودة.

***

أبوشامة نورالدين حنيف - المغرب

 

في نصوص اليوم