عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

نصوص أدبية

كريم عبد الله: حينَ ارتدى الفجرُ سيفَهُ الأخير

في مكةَ كانَ الضُّحى يتوضّأُ بأجنحةِ الحمام، وكانتِ الكعبةُ تفتحُ قلبَها لخطواتِ الأنبياءِ العائدينَ من التعبِ الطويلْ.

*

وقفَ الحسينُ كأنَّ المجرةَ استقامتْ في هيئةِ رجل، وكأنَّ اللهَ حينَ أرادَ أن يكتبَ معنى الكرامةِ ألقى حروفَهُ في دمهِ النبيلْ.

*

قالَ:

«مَنْ كانَ باذلًا فينا مُهجتَهُ فَلْيَرحلْ معنا…»

*

فارتجفتْ نجومُ السماواتِ السبع، وشهقتِ الريحُ كأنها تسمعُ لأولِ مرةٍ صوتَ الحقيقةِ وهيَ تعبرُ حافيةً فوقَ سكاكينِ الأرضْ.

*

كانَ يعرفُ أنَّ الطريقَ إلى العراقِ ليسَ طريقًا، بلْ سلّمٌ من الجراحِ يصعدُ عليهِ الضوءُ نحوَ اللهْ.

*

وكانَ يعرفُ أنَّ المدنَ التي تُبايعُ الطغيانَ تُطفئُ في عيونِ أطفالِها آخرَ قنديلٍ للرحمةْ، وأنَّ السكوتَ حينَ ينامُ في أفواهِ الرجالِ تستيقظُ في البلادِ مقابرُ لا تنتهي.

*

لذلكَ شدَّ على قلبهِ كما يشدُّ النبيُّ على آخرِ آيةٍ قبلَ الرحيلْ، ومضى…

*

وكانَ الرملُ يكتبُ خلفَ خيلهِ سيرةَ الدمِ الطاهرِ على صفحاتِ الأزلْ.

*

يا ابنَ فاطمة، أيُّ نهرٍ هذا الذي حملتَهُ في ضلوعكَ حتى صارَ العطشُ أكثرَ قداسةً من الماء؟! أيُّ شمسٍ كانتْ تنامُ في عينيكَ حتى احترقتْ بكَ كلُّ عروشِ الظلام؟!

*

كنتَ تمشي فتنحني الأزمنةُ القديمةُ كي تمرَّ روحُكَ، وكانتِ الملائكةُ تتبعُ وقعَ خُطاكَ كما تتبعُ القصيدةُ موسيقى قلبِ شاعرٍ مُصلوبٍ على الحنينْ.

*

في تلكَ اللحظةِ لم يكنِ الحسينُ رجلًا يخرجُ من مكةَ إلى العراق، بلْ كانَ الكونُ كلُّهُ يغادرُ خوفَهُ القديمْ.

*

وكانَ التاريخُ يخلعُ تاجَ الملوكِ ليضعَهُ على رأسِ شهيدٍ يحملُ اللهَ في نبضهِ الأخيرْ.

*

مضى الحسينُ…

*

وخلفَهُ كانتِ الأرضُ تتعلمُ للمرةِ الأولى كيفَ يكونُ الوقوفُ بوجهِ الطغيانِ صلاةً كونيةً لا ينطفئُ أذانُها إلى يومِ القيامةْ.

***

بقلم : كريم عبد الله - بغداد / العراق

من ديوان: مجرةُ الحسين: من كربلاءَ إلى أبديّةِ النور

في نصوص اليوم