عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

نصوص أدبية

محمد سهيل: لو ان ّ..

يفصلنا نحن العاشقين الصغيرين نهر صغير نقي المياه عميق هنا وضحل هناك. كان يمنعنا من التلاقي. ينعطف، بعد ان يتوغل في بساتين المحلة جنوبا كيما يقذف منهكا رقصات موج ختامية في نهر الخورة المتجه غربا.

كانت تسكن في احدى صرائف الضفة الاخرى. لم يحدث ان اقترب احدنا من الآخر قط ومع ذلك احببتها واحبتني. وكنت في سري استمتع بذلك التباعد المكاني فهو يزيد من توهج النار.

كنت جليس الضفة الجنوبية وكانت جليسة الضفة الشمالية. وكان مكاني بجوار مغسل الموتى. على مبعدة امتار مني يتكأكأ سوباط متهالك الأضلاع لحارس البستان الذي كان يفد لسوباطه بين الفينة والفينة. وكان تباعد زياراته يجعل كوخه نهبا لاقتحاماتنا الطفولية فنمزق حصيرته الارضية ونبعزق ادواته المخبوءة في صندوق قمئ بركن الكوخ. ثم نمعن في التقافز من جدول متري الى آخر او نتسلق نخلة عيطاء او نلتهم اغلفة الشفلح المجببة الحمراء. ويا ويلنا لو اصطادنا حارس الوقف المتميز غيظا وهو يطاردنا بمنجله ناعتا إيانا بأشنع الاوصاف! ومع ذلك كنا نعشق ذلك البستان المغرورق بالاخضرار فنمعن في التقافز على سواقيه المعشوشبة الضفاف، نقتطف رمانات اشجاره او نعقص ذلاذل دشاديشنا على المستل من نبات الشيخ اسم الله ليخرج التكوير كرة او مركبا او طائر ياورشين وربما فاكهة من فواكه لا نعرف اسماءها ثم نختم الطقوس بالتهام ذلك التكوير العشبي!

تقضت اربع سنوات وتدفق نهر المحلة الف مرة مدا وجزرا...  كبرنا قليلا فلم نعد نجعل من اكياس قمر الدين تلسكوبات تجعل ماء النهراصفر وصفوف صرائف الضفة الاخرى بلون الزعفران.

وفي مرة من المرات قذفت تلك البنت الضئيلة نحوي كرة ورقية منتزعة من كتاب القراءة الانجليزية وقد كتبت اعلى الصفحة بضع كلمات فهمت منها انها تريدني ان اترجم قصيدة عنوانها If لأن معلمة المادة جعلت ذلك التمرين واجبا بيتيا. استللت من دفتري ورقة وكتبت ترجمة القصيدة التي اخبرني احد القواميس بأنها من الأغاني التي تسمى التنويمة لدى الانجليز وهي مخصصة لتحفيز الصغار على الاستسلام للإغفاء : " لو ان كل البحار بحر واحد / أي بحر عظيم سيكون؟ / لو ان كل الشجر كان شجرة واحدة / أية شجرة هائلة كانت ستكون؟ / لو ان كل الرجال كانوا رجلا واحدا / أي رجل عظيم كان سيكون؟ / لو ان كل الفؤوس كانت فأسا واحدة / اية فأس عظيمة كانت ستكون / ولو انّ ذلك الرجل العظيم تناول تلك الفأس العظيمة / واجتث تلك الشجرة العظيمة / وجعلها تهوي الى سطح البحر العظيم / فأية طرطشة هائلة كانت ستكون؟ / "

في نهارات ساخنة ومهجورة كنت اتسلق ضفة النهر لائذا بشجيرة الدفلى مستظلا بوردها الاحمر العديم الرائحة وحملها الخرنوبي العديم المذاق. كنت اتوسد حقيبتي المدرسية المثخنة بالكتب والكراسات، حينئذ تنصاع اجفاني لاغفاءة لا تتجاوز البرهة فتوقظني ذراع مؤذن الجامع وهي تخض بدني الذي خدرته الاغفاءة :

ــ هيا اسرع لمدرستك قبل ان يفوتك الدرس. لا تكن مثل تنابلة السلطان!

ومحلتنا مثل أي محلة شرقية كان الحب فيها من المحرمات بل يعد شكلا من اشكال الخطيئة! وقد حلمت ذات ليلة بأن النخلة التي استروح تحت ظلها واختلس النظر الى فتاة احلامي قد اضحت شجرة زقوم وانني في قلب جهنم اتناول ثمرها المرير عقابا لآثم مثلي! ولم تكن تلك الصبية بالنسبة لصبي نحيل مثلى سوى حلم ملون اعلق عليه اشرطة احلامي.. اذ ذك افيق من نومي مرتعبا فالوذ ببرهامة البستان..

من انا؟!

صبي الأمس ام رجل الغد؟ متصوف قبل الاوان؟ لا ادري!

اذ ذاك تعثر عيناي عليها متنكبة تلة ترابية. لا اتبين قسمات وجهها جيدا.. بيني وبينها الماء.. وثمة غلالة ترابية تتلاعب بها الريح. اعتدت ان الفت انتباهها عن طريق قرع صفيحة سمن فارغة بحجر. ادارت وجهها نحوي فقذفت بالورقة نحوها. كنت قد كتبت في اعلى الورقة : ادرسيها جيدا وستعطيك المعلمة درجة النجاح. احبكِ..

طارت الرسالة على نحو مقوس باتجاه الضفة الأخرى.. ضفتها.. سقطت على مقربة منها فتناولتها واسرعتْ بتمزيقها وانهمكت بقراءتها. نهضتْ فجأة وغادرت مجلسها دالفة للزقاق الى حيث تسكن. شعرت ببعض الضيق. لم افهم سبب مغادرتها.

مكثت في مكاني على الربوة دون ان افكر في المغادرة. كنت اشبه بأسير موثق بحبل غليظ يلتف حول شجرة البرهامة العجفاء.. كنت عازما على المغادرة وكلي احباط من غيابها المباغت.. لم استطع.. بقيت متسمرا بين النخلة والبرهامة فيما اشتد اندفاع الريح حتى كاد ان يطيح بي في النهر لولا انني بذلت جهدا مضنيا في المكوث في مكاني مثلي مثل شجرة (باولونيا) متشعبة الجذور.

ها هي فتاتي قد عادت لمكانها السابق. كانت الريح تتلاعب بجديلتها وبتنورتها المدرسية التي اخذت بالانكفاء كاشفة عن ساقيها النحيلتين. انثنت بجسمها المغزلي الى الخلف ومن ثم طوحت نحوي بورقة مكورة الى حيث اجلس. دحرجتها الريح باتجاه النهر غير انني هرعت اليها والتقفتها داسا اياها في جيبي. انزويت خلف البرهامة منتزعا خيط الحجارة ناشرا الورقة في اضطراب.حينئذ قرأت :

" حبيبي الاول والأخير.. شكرا لارسال القصيدة. لكنني سوف لا اروح للمدرسة. ابي يريدني ان اتزوج ابن عمي. سامحني.. وداعا "

***

تسللت السنوات ولم اعد ابصر الصبية هناك.. اختفت مثلما تختفي فقاعة ملونة، بينما مكثت في مكاني على الربوة التي تشققت وتقصفت اعشابها وتسرب قطارات النمل اليها.. بانتظار ان تشرق يوما على ليلي الحالك دون جدوى..

مازلت في ركني الاثير، على الربوة استعيد طعم النبق الذي كانت تقذفه نحوي في مخروطات ورقية من صنع يدها.

في يوم غائم وعاصف فوجئت بالسدرة العجفاء ــ على الضفة الاخرى ــ تصدر تقصفا وتهوي الى مجرى النهر محدثة طرطشة عظيمة.

لم اتوقف عن زيارة الربوة حيث اقتعدها بانتظار ان تشرق صبية لم يتح لي ان اعرف اسمها.. تلاشى النهر تماما.. اضحى زقاقا معبدا بالاسفلت.. واقتلعت صرائف الضفة الاخرى وتفرق اهلها وارتفعت بيوت شاهقة السطوح بشرفات خاوية.

كنت وما زلت اردد بيني وبين نفسي تنويمة الامس.. لو انني.. لو انها.. لو ان!

***

نص قصصي

محمد سهيل احمد