نصوص أدبية
سعد غلام: وَحَمُ العَوْدَة
ا- [خَطوَاتٌ على الرَّمْلِ القَديمِ]
عُدْتُ لِأَقْرأَ بَيْتي، لَمْ أَعُدْ لِأَبِيهِ،
مَا زالَ بَابُ الدِّيارِ الآنَ يَحْجُبُني
قَالَ الجِدارُ: هُنا مَرَرْتَ، فَقُلْتُ لَهُ:
كُنْتُ الَّذي يَتَراقصُ الحُلْمُ انْثِيالًا فِيهِ
تَمْحُو الرِّياحُ أَسْماءَنَا إِذَا عَبرَتْ،
لَكِنَّ قَلْبي يُنَادي: "أُمِّي... فَأَيْنَ أَنا؟"
أَمْشي فَتَقْرَأُ خُطْوَاتي مَعالِمَها،
وَتَسْتَفيقُ رُكُوعاتٌ مِنَ الآثارِ
كُلَّما لَامَستْ رِجْلي ذِراعَ جِدارٍ،
مَالتْ أَشْباحُهُ المَرْقُومةُ انْكِسارًا فيهِ
وَإِنْ تَمَسَّكَتِ الأَرْضُ الْآنَ مِنْ خَطَفي،
فَإِنَّ عِطْرَ "العَوْدِ" البَاكي يُفَجِّرُني
فَالْعَوْدةُ الرِّيحُ لَا رِحْلاتُنا فَقَطُ،
بَلْ مَوْجةٌ تُكْمِلُ التَّكْوِينَ في صَدفٍ
**
ب- [الحَرْفُ الأَخِيرُ]
سَأَكْتُبُ الحَرْفَ، ثُمَّ الحَرْفُ يَكْتُبُني،
لَا شَيْءَ يَحْتَمِلُ النِّسْيانَ في زَمَنٍ
الحَرْفُ يَأْبَى فَنَاءً قَبْلَ صَاحِبِهِ،
يَخْرُجُ مِنِّي كَجُرْحٍ في مَسَالِكِهِ
إِنْ لَمْ تَقُلْ... فَمَتى يَسْرِي بَيَانُ دَمي؟
وَأَنَا أَقُولُ: بَعْدَ المَوْتِ لَا أَحَدُ
أُعَلِّقُ النَّصَّ لِلرِّيحِ الَّتي عَبَرَتْ،
لَعَلَّهَا تَحْمِلُ المَوَّالَ لِلصَّمْتِ
أَكْتُبْ بِمَاءٍ، وَبِالرَّمْلِ الَّذي ظَمِئَا،
وَبِالدِّماءِ الَّتي تَسْرِي وَتُعْلِنُنِي
كُلُّ الَّذِي كَتَبتْ كَفِّي سَيَذْكُرُكُمْ:
كُنْتُ... وَمَا زِلْتُ... كُنْتُ... وَالصَّفْحةُ ابْتَسَمَتْ:
أَنَا الَّذِي سَأَبْقَى... بَعْدَ أَصْحَابِي
**
ج- [أُنْشُودَةُ العَوْدةِ]
أَمْدَدْتُ رِجْلي لِرَمْلٍ كَانَ يَحْفَظُني،
فَابْتَسَمَ الرَّمْلُ: "قَدْ جِئْتَ الَّذِي يَهْوَاكَ"
أَحْفِرُ بِالعَيْنِ قَبْرًا لِلَّقَبْ كَانَ يَسْكُنُني،
ثُمَّ التَفتُّ: أُغَنِّي، ثُمَّ أَبْكِيهِ
نَمْ... فَإِنِّي سَأَمْضِي قَبْلَ أَنْ أَصِيرَ رَمْلًا،
فَارْتَجَفَ الرَّمْلُ، وَارْتَفَعَتْ نُجُومُ دَمِي
**
د- [رِسَالَةٌ إِلَى مَنْ يَأْتي بَعْدِي]
إِنْ وَقَفْتَ يَوْمًا عَلَى أَعْتَابِ هَذِهِ الدَّارِ،
فَاعْلَمْ بِأَنَّ الطِّينَ يَحْمِلُ أَثْقَالَنا
وَاللَّيْلُ يَحْفَظُ أَسْماءً عَبَرْنَا بِهَا،
وَالرِّيحُ تَقْرَأُ مَا أَحْفَتْهُ خُطَّانَا
لَا تَبْكِ دَارًا، بَلِ ابْكِ لِلْعِطْرِ الَّذِي
غَابَ فِي صَدْرِهَا، وَانْدَثَرَ الْوَقْتُ بِهِ
وَإِنْ كَتَبْتَ قَصِيدًا، فَاجْعَلْهُ لَحْنًا قَصِيرًا،
كَنَفَسٍ يَرْفَعُ الْوَصِيَّةَ: "كُنَّا هُنَا..."
**
هـ - [نَشِيدُ الرَّمْلِ الأَخِيرِ]
أَمْدَدْتُ رِجْلي لِرَمْلٍ كَانَ يَحْفَظُني،
فَابْتَسَمَ الرَّمْلُ: قَدْ جِئْتَ، فَادْخُلْ مَدَارَتَنَا
أَحْفِرُ بِالْعَيْنِ قَبْرًا لِلِاسْمِ الَّذِي قُتِلَتْ
أَغْصَانُهُ فِي دَمي، ثُمَّ أُغَنِّيهِ.
نَمْ... فَإِنِّي سَأَرْحَلُ قَبْلَ أَنْ أَعُودَ طِينًا،
فَارْتَفَعَ الرَّمْلُ وَاتَّسَعَتْ نُجُومُ دَمِي
**
و- كُودَا
(خَاتِمَةُ سِجِلِّ العَوْدةِ)
هَذَا بَقَايَا الَّذي يَبْقَى:
رَمْلٌ... وَاسْمٌ... وَنَجْمَةٌ تَسْتَعيرُ الْأَعْمارَ
مَنْ يَأْتِ بَعْدَنا يَقْرَأُ في الْأُفُقِ أَبْرَاجًا:
"كُنَّا... كُنَّا... كُنَّا..."
ثُمَّ صِرْنَا طِينًا يُنَادي طِينًا فِي سِرِّ الخَلائِقِ
وَيَبْقَى صَوْتُ العَوْدَةِ يَتَرَنَّمُ فِي أُذُنِ الرِّيحِ:
مَرَّةً أُخْرَى... مَرَّةً أُخْرَى…
حَتَّى يَثْنيَ الْوَقْتُ رَأْسَهُ،
وَيَعُودَ إِلَى بَيْتِهِ الرَّمْلِ
***
د. سعد محمد مهدي غلام






