نصوص أدبية

سعد غلام: صَوْتُ اللَّيْلِ قَصيدةُ هَمٍّ

"ثم تبني في وجهيَ الأوهامُ

جُزُرًا وقِلاعًا من الصَّمْتِ يجهل أبوابها الكَلامُ

ويُضيءُ الليلُ الصّديقُ وتنسى

نفسَها في فراشيَ الأيامُ"

"أدونيس"

***

أ- [نَديمُ الوَحْشةِ]

في بَابِ اللَّيْلِ، وَلا أَثَرٌ يُنْصِتُ لطَرْقي

صَوْتي يَتكسَّرُ في حَجرٍ يَصْعدُ في دَمي

رُوحي مُتَّقِدةٌ لا دُخانَ لَها.. تَتوقَّدُ

كُلُّ جِدارٍ شَيَّدْتُ يَسْقُطُ تُرَابًا في جَفْني

أَمْشي.. لَا أَرْضٌ تَحْمِلُ وَعْدًا، لَا أُفُقٌ يَفْتحُ بَابًا

اِبْقَ، يَهْمِسُ ظِلِّي.. وأَبْقى، وَأَعي أَنَّ ظِلَّ الوَعْدِ لَيْسَ لي.. بَلْ لِصدًى يُناديني

**

ب- [خُطايَ عَلى الرَّمْلِ]

خَطايَ عَلى الرَّمْلِ.. لَا تَبْقى، تَمْحُوهَا رِيحٌ صَمَّاءْ

كَأَنِّي لَمْ آتِ.. أَوْ كَأَنَّ الحُضورَ هَوًى يَتباخرْ

خَلَّفْتُ وَرائي صَوْتًا مَكْسورًا كَحُزونةِ شِعْرٍ

وَرِسالةً دُونَ اسْمٍ تَبْكي في جَيْبِ الرِّيحِ طَويلًا

أُحِبُّ.. فَيُصيرُني الحُبُّ غِيابًا يُدْعى أَطْلالًا

وَلَوْ عُدْتُمْ.. هَلْ تَعْرِفُ أَثَري؟ أَمْ تَتْبعُ ظِلِّي الهارِبَ مِنِّي في لَيْلي؟

أَمْشي.. وَأَرُدُّ.. وَأَمْشي.. حَتَّى يَنْطِقَ رَمْلٌ: "أَنْتَ"

**

ج- [الدَّمُ يَنْتحِبُ لَا يَكْتُبُ]

الدَّمُ يَسيلُ عَلى تَاريخٍ يَحْترِقُ وَلَا يُكْتبْ

كُلَّ سَنةٍ أَرْسُمُ نَدْبًا وَأُسَمِّيهِ اسْمًا يَصْمُتُ

وَطَني.. صَليبٌ يَمْتَدُّ في ظَهْري، أَحْمِلُهُ وَيَحْمِلُني

والْقَصيدَةُ الوَحيدَةُ الَّتي لَا أَنْشُرُهَا.. أَنا

أَكْتُبُ: "كُنْتُ هُنا" دَمًا في جُدْرانِ اللَّيْلِ.. فَيَمْحوهُ،

فَأَكْتُبُهُ مَرَّةً أُخْرَى، حَتَّى يَعْلمَ لَيْلي أَنَّ الدَّمَ لَمْ يَسْقُطْ عَبثًا

**

د- [فِي الصَّدْرِ شَيْءٌ مَوْقُوتٌ]

في الصَّدْرِ شَيْءٌ لَا يَموتُ وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَنْطَفِئا

حَتَّى إِذَا غَفتِ الرُّوحُ يَبْقى.. يُنَادِي اسْمًا يَصْعَدُ.

لَوْ طُمِستْ كُلُّ الْحُروفِ في الأَرْضِ، سَيبْقى اسْمُكِ في دَمي.. نَبْضًا.. أَنْتِ.

وَسَأَكْتُبُهُ عَلى جُدْرانِ اللَّيْلِ، حَتَّى يَفْهمَ لَيْلي أَنَّني لَمْ أَنَمْ.. لَنْ أَنَما

**

هـ - [زَهْرَةُ لُوتُسٍ في يَدِ المُحارِبِ]

وُلِدْتُ في زَمنٍ لَا يُحِبُّ وُرُودًا.. لَا يَفْهَمُ عِطْرًا

فَكُنْتُ زَهْرَةَ لُوتُسٍ فِي كَفِّ مُحَارِبٍ يَنْزِفُ.

قَالُوا: "اِرْمِها.. تَضْعُفْ"، فَضَممْتُها في صَدْري،

فَأَصْبحتْ شَوْكَةَ سَيْفٍ.. وَقَصيدَةً لَا تُهْزَمُ أَبدًا

قَصيدَةٌ تَرْقُصُ رَصَّاصًا، تَلْمسُ جَبْهةَ مَوْتٍ

وَتَهْمِسُ لَهُ: "اِبْكِ.. قَدْ مَرَّ بي نُورٌ"

**

و- كُودَا

[صَوْتُ اللَّيْلِ يَكْتُبُني]

في آخِرِ الصَّوْتِ.. يَنْحدِرُ لَيْلي نُقْطَةَ ضَوْءٍ

كُلَّما سَقَطْتُ، رَفَعني هَمْسٌ يَكْتُبُني فِي الظُّلْمَةِ

أَصِيرُ اسْمًا يَنْطِقُني صَوْتٌ لَا أَعْرِفُ مِمَّنْ جَاءَ،

وَيَبْقى اللَّيْلُ يُرَاوِدُني: اِكْتُبْ.. فَأَنْتَ بَدْءَ اللَّيْلِ وَآخِرُ هَمِّهِ

***

د. سعد محمد مهدي غلام

في نصوص اليوم