نصوص أدبية
قصي الشيخ عسكر: صريع الزعفران

رواية جيب
هواجس غريبة
كان ذلك قبل عشر سنوات
لقد ذهب هذه المرّة بعيدا
بعيدا جدا إلى أمدٍ يكاد يكون لا حدّ له.
استطلع الخليقة منذ أن وجدت على سطح الأرض...
مازال هو هو لم بتغيّر
ومازالوا هم في لغط وفوضى
يلعونه
يسبونه
يشتمونه
حتّى لو أخطأوا نسبوا الخطأ والخطيئة إليه...
مع عنفه، وصخبه، تجلّت له فكرة عفويّة
لا يشكّ أن الجميع يلعنونه وإن كانوا قد وصلوا إلى درجة عالية من العلم..
لايرونه خرافة..
لذلك لايرى نفسه خرافة مادام في نظر الآخرين حقيقة، ليكن، لا ينكر أن هناك أغلبية مطلقة تكرهه وتلقي بكلّ أعمالها الدنيئة على عاتقه،
ولن تنفعه أقلية صغيرة تتحاشاه ولا تذكره بسوء
العالم
الكون
الدنيا
الناس
لن ينجو منه أحد
يملي
يوسوس
يتدخّل في شؤون الآخرين
هكذا يصفونه
ولو استعرض السباب واللعن عليه، لوجده كثيرا.. كثيرا جدا. ومايهمه هو أن يحصر في السجل أمامه من هو الأكثر سباب له ومن هو الأقل..
راح يتصفح الدفتر القديم الجديد، يقلب صفحاته بتأمّلٍ وتأنٍّ حتّى وقع بصره على شخصين مهمين رجل وأنثى في مكانين متباعدين الرجل يسكن مدينة تُدعى (برمودة)
والمرأة من مدينة (الذهب)
(نديم التاج) أكثر الناس لعنا للشيطان منذ بدء الخليقة إلى ساعة ان فُتِح السجلُّ الخاصُّ باللاعنين.. والعذراء ذات التاسعة عشر عاما (طلّة الورد) هي أقلّ الناس لعنا للشيطان.
بدأ يفكّر بالطريقة التي يجمعهما بها...
رغبة تراوده في أن يلتقي الأكثر بالأقلّ
كيف تكون المعادلة إذن؟
ولم يكن ليهمّه الحرام في هذه الحالة سيجتمعان بالحلال... ليدرك هو نفسه أنّه يمكن أن يفعل الخير أيضا، وليبدأ مع (نديم التاج) قبل كلّ شئ.
2
البشرى
استبشرت (طلّة الورد) خيرا، وسارعت كما لو أنّ إحساسا غريبا يدفعها إلى الباب الخارجي، فتطلّ عليها سيدة بهيّة الطلعة في الأربعين من عمرها لم تنل منها التجاعيد، في عينيها غبطة وانشراح على الرغم من أنها كانت تلهث وعلى جبينها يندى عرق غزير...
ارتاحت (طلّة الورد) لمرآى السيدة الغريبة التي لم ترها من قبل، وبسطت يدها إليها قائلة:
- تفضّلي!
- لك الفضل (واصلت تلتقط أنفاسها) هل أستطيع أن أستظلّ في بيتك قليلا؟
- على الرحب والسعة.
قادت الضيفة إلى صالة الاستقبال:
- استريحي، سأذهب لأحضر لك ماءً وبعض الطعام.
فالتقطت الضيفة نفسا طويلا:
- أشكر لك كرمك لاتتعبي نفسك إنّي صائمة.
وحالما استراحت وبدأ تعبها يتلاشى ونَفَسَها يعود لحاله:
- أنت وحدك؟هل خرج الأولاد مع أبيهم؟
فارتسمت حيرة على وجه (طلة الورد) يخالطها بعض الحزن والأسف:
- الظاهر أنّك لست من سكان مدينتنا، أليس كذلك؟
ابتسمت السيدة الغريبة، وقالت بنظرة ثاقبة:
- أنا من مدينة (الذهب) وقد قادتني الأيام إلى بلدكم حتّى أنهكني التعب، فطرقت بابك لأستريح بعض الوقت قبل أن أواصل سيري إلى بلدي.
- أهلا بك ضيفة عزيزة (ببعض التردد، والتأفف) لكن عشر سنوات مرت على زواجي ولم تحلّ بعد مشيئة الربّ لأكون أمّا.
فقطبت الضيفة مابين حاجبيها:
- لا تيأسي يا عزيزتي... مادمت آويتني، كأنّ القدر ساقني إليك، مادمت خفّفت عنّي التعب، فإنّي أبشّرك أنّ وليّا من أولياء الله الصالحين سيأتي غدا، ويتخذ من (شقائق العاقول) مستقرّا له إلى حين، والأجدر بكِ أن تزوريه ليجد لك مخرجاً.
راودها يقين وشك في الوقت نفسه:
- شقائق العاقول؟
- نعم.. أراك في شكٍّ يمكن أن تجرّبي فتقطعي الشكَّ باليقين ولن تخسري شيئا!
وفي لحظات انقلب شكُّها إلى يقين دامغ:
- هل من شرطٍ لذلك؟
- العلم علمه هو.
- كلّ شئ يهون إلّا شرط الحرام.
ردّت الضيفة بانزعاج ظاهر:
- لا أبدا.. لا يلبسْكِ الوسواس، وأظنَ أنّ شرطه الوحيد ألّا تخبري زوجك!
تركت (طلة الورد) الصالة تختار هدايا لضيفتها: بعض النقود... قطعة ذهب من صنع زوجها.. زوّادة طعام.. وعادت تخطر بنفحة من الحيويّة والرشاقة بعد كلّ ماسمعاه من أمل..
لكنْ
لم تقع عيناها على السيدة الضيفة
بل
أبصرت على الأريكة الزرقاء شريطا أصفر بلون الزعفران، فأدركت أنّه ليس بحلم يقظة، وما هذا الشريط إلّا علامةً تدلّها إلى (شقائق العاقول) وأنّ السيدة الغريبة لابدّ أن تكون ذات شأن عظيم، اختصتها بالزيارة، واختارتها من دون كلّ النساء العقيمات.
3
لا يهمّه الوقت
سواء قبل عشر سنوات أم الآن..
والذي يعنيه أن يسمع أحدا يلعنه أم يشتمه
كان في غاية الرّضا عن خطوته الأخيرة في لقاء الرجل الأكثر لعنا له في هذا العالم الملئ بالمتناقضات. سيأتيه بصفة تاجر ذهب يمارس الحرفة نفسها والفن الجميل النفيس ذاته.
هيئة أخرى غير التي ظهر بها لزوجته يوم الشريط الذهبي!
حين وصل إلى معرض الصائغ القدير الشهير، وجده منهمكا في تلميع تمثال صغير لملك قديم عاش منذ قرون، فترك الأخير عمله، وحياه بطرف عينه ثمّ ترك مابين يديه، ونهض يحيي الزبون الجديد.
- ياسيد (نديم التاج) الملك القدير عبدك بكل ّهيبته أتتركه من أجلي أنا الذي قد أرى ولا أبتاع منك شيئا؟
- عفوا يا....
- كاتب الزعفران.
- عفوا ياسيد كاتب الزعفران.. الحاضر أولى هو يملكنا ولا نملكه كالماضي وأنت أولى بأن ألتفت إليك وأضع جانبا ما أملك فهو في يدي مضمون!
- أعجبني جوابك أيها التاجر القدير، وقد جئتك بطلب أرجو ألّا تردني عنه.
- قل ماعندك وستجد مايرضيك.
كان عليه أن يثير في في التاجر الشهير (نديم التاج) حاسّة حبّ الذهب عنده، فقد وجده الأكثر لعنا له والأكثر رغبة في تحويل المعادن الخسيسة إلى جواهر أرقى:
- الحق أنا تاجر ذهب مثلك من مدينة (عين الذهب) ، وللأسف استشف الناس أنّ هناك معادن تعج بها بطن الأرض أغلى من الذهب وأنفس بعضها سائل أو غاز والأخرى صُلبه، فهرعوا وبيدهم المعاول ولم يلتفت أحد للذهب فهبط سعره وأصبح بثمن التراب.
فهزّ (نديم التاج) رأسه، وفغر فاه وبدا مثل تمثال تشنَّجت رقبته، وعاد بعد لحظة إلى توازنه:
- إلى هذا الحدّ؟ الحمد لله أنّ باطن الأرض عندنا لاينبئ عن شئ.
فابتسم الآخر ابتسامة تخفي كثيرا من المكر:
- لذلك جئتك (وبسط ماعنده، فاصطفت تماثيل من ذهب لملائكة، وطيور، وشجر، وحيوان، وحلقات زواج، ومفاتيح، ودوائر، وأقراط... تحفٌ تحسها حيّة تكاد تنطق وتتحرك كلها من الذهب الخالص أشياء غريبة يضمّها كيس التاجر الغريب) خذها بثمن تراه يناسبك!
- كلّ هذه التحف من صنعك!
- نعم ولا أكذب!
بعض الدهشة والصدمة، تخامر ذهن (نديم التاج) :
- قد يزعجك سؤالي لِمَ اخترتني أنا؟
فضحك ضحكة بريئة وسقطت من عينيه دمعة خافتة:
- لأنّك الأكثر شهرة، والأكثر إيمانا في هذا البلد!
فازداد إعجاب الصائغ بالتاجر الصائغ الغريب، وقال:
- ليس تحت يدي مال سائل الآن يمكن أن تذهب معي إلى البيت نتغدّى معاً و....
فقاطع مضيفة بلهجة رجاء:
- أنا اليوم صائم... وأضطرّ إلى أن أغادر المدينة لأصفي حساباتي مع تجّار آخرين لا عليّ دَيْنٌ وديني لآخرين كثير ، وسأترك كلّ شئ عندك..
- من دون ضمان قد يعرض لك حادث لا قدّر الله؟
- سمعتك تكفي وإيمانك الذي لا يشوبه شئ، أمّا الأعمار فبيد الله، إن لم أرجع ابن بمالي ماينفع الناس من مشاف ودور خير حسبما تراه يليق.
قد يكون هذا آخر الناس الطيبين
حدّث الصائغ نفسه، وتساءل:
- هل توصي بأمر آخر؟
- أنصحك أن تسرع إلى مدينة (عين الذهب) فتبتاع كلّ مافيها من ذهب بسعر التراب وتعود إلى مكانك ليكون لك النفوذ الأعلى ولا يدانيك أحد!
وغادر، تاركا الصائغ في شكٍّ من أمره ويقين... شكّ إلى حدّ الهلوسة وإيمان قوّي بالخير وأملٍ جديد يغيّر مسار حياته...
لكنهّ حسم أخيراً أمره.
فأغلق متجره
واستعدّ للرحيل حيث مدينة (عين الذهب)
4
شقائق العاقول
حسب وصف السيدة الغريبة لم تكن (شقائق العاقول) سوى خربة تمتد من نهاية الطريق عبر تلّة الملح إلى طرف المدينة البعيد من ناحية الشمال. تبدو الخربة هادئة في النهار وحين يجنّ الليل يأوي إليها المشردون، والدراويش وبعض السّحرة، وربّما بعض من الجنّ الذين يتركون تلّ الملح ليطّلعوا على عالم الإنس الغريب، وقد اعتادت الخربة أن تستقبل في موسم الربيع أحد المشايخ من ذوي القدرات الذين يعالجون المرض والآفات ببركاتهم، ويدّعي أهل (برمودة) أنّ الشيخ اختص بمدينتهم وحدها فلا يذهب ليستعرض قدراته في أيّة مدينة أخرى.
الشيخ (ذو العطاء) زارته في أكثر من موسم، فقال لها أن تلزم الصبر، وأنّها لا تقلق للوقت. ، يشير إليها بعينيه الهادئتين، أن الزمن سيفي بوعده لها فلا تحاسبه على طوله أو قصره، وحين ذكرت ذلك لزوجها ابتسم واستعاذ بالله من الشيطان الرّجيم، وعاهدها أنّه لن يخونها لا بالحلال ولا بالحرام إذ قبل مختارا بحكم القدر، كان يستعيذ بالله من أيّ مكر ومن غواية الشيطان، مع ذلك يفكّر أين ستذهب كلّ ثروته.. أملاكه وذهبه وبيته بعد وفاته، وهو القلق نفسه الذي عانت منه (طلّة الورد) وربّما أكثر.
بعد أن عبرت التلة حسب الشرط أن تمشي ولا تركب في الذهاب والإياب لمحت عن بعد خيمة رماديّة اللون، جاثمة في الخربة مثل سحابة تلتصق بالأرض الجرداء. دقّ قلبها وأدركت أن الضيفة اختصتها وحدها فالوقت ليس وقت زيارة الدرويش صاحب البركات. لقد أنستها المفاجأة أن تسأل الضيفة الغريبة عمّا تأخذه معها هديّة للوليّ، فحملت بعض الطعام وقطعة ذهب، ووقفت عند الباب مترددة أتدخل أم تنتظر...
قطع عليها تردّدها صوت مهيب ذو صدى يبعث بعض الخوف:
- أدخلي.. أدخلي..
اندفعت داخل الخيمة، واستعادت بعد لحظات بصرا انتقل بين ظلام ونور، فرأت أشبه بما يرى النائم دخانا رماديّ اللون يلفّ شيخا مهيب الطلعة ذا لحية صفراء وعينين ثاقبتين لو نقرتا في صخر لثقبتاه.
كاد يغمى عليها من الرهبة لا الخوف
الحيرة والعجب.
فرمت مافي يديها من ذهب ومال وطعام بين قدميه، ولوّحت بالرقعة الصفراء، وقالت بصوت متهدّج:
- إن كان لايكفي فاعذرني سآتي بما هو أكثر وأغلى.
فصاح بها:
- لا تخافي، أمّا ماعلى الأرض فسينفع المشردين المتسكعين، وأمّا شريط الزعفران فهو لي.
تلاشى خوفها وشعرت قليلا بالأمان:
- جئتك أطلب البركة.
فهزّ رأسه غير راض:
- بل قولي جئت تطلبين الولد.
- ياشيخ.. أنت الذي أرسلت من منحني شريط...
فقاطعها:
- اسمي كاتب الزعفران.
فراودتها جرأة:
خذ ماتريد إلأ الحرام.
فقهقه على غير رزانته المعتادة:
- أبعدي عنك الظنون (ثم سكت برهة وأردف) تطلّعي في عينيّ.
رفعات بصرها إلى عينيه، في الوقت نفسه سرت حرارة في جسدها ونمت في عظامها قوّة هائلة تُمكِنها من سحب العالم كلّه بيد واحدة، أشار إليها أن تتمدد على التراب، فامتثلت بيسر عندها ارتفعت عيناه إلى سقف الخيمة حيث تصارعت عناكب ماتت، وذباب خاوٍ، وشباك يعلو الغبار:
- مادمت تريدين ولدا، فسيكون حقّا طيبا وشرّيرا، يخرّب ويبني، يرحم ويظلم، عنيف وشرّير.. قبيح وجميل..
- قبلت
مدّ الشيخ يده إلى السقف ذي الشباك فطلع منه قلم خشبيّ ودواة ذات لون ذهبيّ مصفرٍّ، قال هذه المرّة بصوت أجشٍّ قادم من زمنٍ بعيد:
- اكشفي ثوبك عن بطنك إلى مافوق سرتك.
لا ونعم.. أرادت أن تصرخ أو تضحك.. لا تدري على أيهما تقع :الخوف أم الطمأنينة، ويداها مشدودتان إلى ثوبها فأزاحته إلى ماتحت ثدييها. فجثا الشيخ على ركبتيه جنبها، وغطّ القلم في وعاء الزعفران، فتناثرت على بطنها البيضاء كقلب نخلة أشكال شتى من حروف وتكوينات:
أفعى
أو
حصان
وردة
سوط
خطوط
دوائر
تفتح عينيها تلاحقان ملحمة العناكب والذباب القديمة، وتفتحهما، تظلّ تفتحهما وتغلق... والسقف من فوقها ثابت ومتحرك.. والحروف تستقر على بطنها.
دخان
ص وغ ثاء تاء
يرسم
يزخرف حسب هواه
تتقاطع الصور والحروف وتنتشر على البطن كلّها فتصبح ذهبيّة اللون من قطعة انشقت عن القمر، وكلما انهمك في الزخارف ازدادت طمأنينة، وراحة، وفي لحظة ما.. ساعة ما... وقفت يده، وقال :
- إنهضي وغطّي نفسك.
ظلّت صامتة وواصل:
لا تنظري إلى بطنك إلّا بعد أن يواقعك زوجك، فإذا حدث، فيمكن أن تبصري ما مسطور عليها ولك الحق في أن تغتسلي!
فلملمت نفسها ولو خُيّرت لها لظلّت على نومتها تحدّق بالعناكب القديمة إلى أبد الآبدين، وواصل الشيخ:
- أسرعي إلى بيتك قبل حلول الظلام فيأتي المشرّدون، وتخرج العفاريت من مكامنها لتغزو المكان.
فهرعت بخفة إلى خارج الخيمة دون أن تلتفت إلى الشيخ الذي عاد إلى وقفته. كانت الشمس في الخارج تعبر التلة باتجاه الغرب غير أنّ الوقت مازال فسيحا أمام الغروب، فعجبت من أنها بقيت تحت يد النّقاش من الظهر إلى ماقبل المغرب ولم تشعر بالوقت الذي تجلّى لها داخل الخيمة بدقائق معدودة.
5
مدينة غريبة
كانت مدينة الذهب في رحلة إلى باطن الأرض...
رحلة عجيبة يرى (نديم التاج) آثارها واضحة في كلّ مكان. الرجال حملوا أدوات حفر، وانهمكوا مع الأرض. تركوا المعدن الأصفر إلى نسائهم يعرضنه للبيع. لم يبق رجل في المدينة قطّ. قالوا إنّ الذهب خدعهم قرونا وقرونا.. نقي للزينة لاغير، أمّا االمعدن المخفي تحت الأرض والذي انبعثت رائحته قبل أن يراه أحد، فيمكن أن يحقق لهم حياة أرقى، ومن رائحته رسم خيالهم صورته. يمكن أن يكون أبيض داكنا. ولا أحد منهم يظنّ أن خياله وسوسة من شيطان أو هلوسة لا حدود لها.
وقعت عبناه على تماثيل من ذهب في الشوارع، وأبصر ذهبا كثير ملقى على الأرض بشكل ذليل، كانت النساء يقبلن أيّ سعر يعرض عليهن، وفي خلال جولته بعد أن ابتاع من محلات كثيرة، توقف أمام عارضة تضمّ مصوغات لأشجار ونخيل، وخلف منصّة البيع فتاة...
رفع عينيه عن الذهب إليها
التقت عيناهما
سرت في جسدة رجفة غريبة
أهي لفحة الحب؟
لم يعتد على الحرام ولا يرغب فيه، ولا يدري أنّه أكثر الناس كرها للحرام وشيطانه، لكنّها أشبه بوحي يتجسّد أمامه في الطول والخصر والنظرات؟ألم ير امرأة ثاقبة الجمال من قبل؟ بلى أما هذه فلها جمال ذو هيبة.
براءة
التقت عيناه بعينيها فاستعاذ من الوساوس:
- جئت شاريا؟
ابتسمت عن أسنان ناصعة البياض
- لبعض الذهب أمْ كلّه؟
- إنّي أرى معرضكم يضم أشجارا لا غير.
فجالت بالمعروضات واستقرت عيناها على عينية بنظرة ذات دلالة:
- أبي صائغ ماهر يصوغ أي شئ بتوصية، أيّ زبون يرغب في تحفة يبتكرها له، أما المعرض الذي تراه فلا يضمّ غير الشجر الذي يعشقة أبي.
في هذه اللحظة انتقلت عيناه بين صفوف الإبداع من نخيل وصنوبر وآس وموز وطلح.. كان المعرض غابة تكتظ بالشجر وحده لا يشرك معه شئ، فيتيقين من أنّ صائغ الشجر القدير يمتاز بقدرة وموهبة لايضاهبه فيها أحد، فتحوّل بعينيه إليها وقال:
- ما اسم والدك.
- ساجي الرحيم.
- أنا نديم التاج
- مرحبا بك.
- واسمك؟
- طلّة الورد.
فتردّد واستجمع شجاعته:
- هل ذهب السيد ساجي الرحيم مع سكان المدينة للحفر؟
فابتسمت وردّت بأسف:
- أبي لايؤمن بمعدن ٍ آخر غير الذهب يقول إنّ المعدن الجديد الذي نطمح أن نعثر عليه سيريحنا بلا شكّ لكنه سيقتلنا مثل السمّ البطئ.
غادرا المعرض المزهو بالشجر والنخيل إلى بيتها، فمرا بأسواق ذاهلة، ووجوه تعرض أصحابها للخسارة غير أنّهم مستبشرون بالمعدن الجديد الذي يظنّون أنّه يعوّضهم أضعافا مضاعفة، ولا رجل يمشي في الشارع إلّا هو و (طلّة الورد) تمشي أمامه كقطاة تزهو بأنوثتها، ولم يقنع نفسه أنّ هناك من هي أجمل منها في أيّ مكان...
فجأة
انطلقت زغرودة
تلتها ثانية
وثالثة
ثمّ
عجّت المدينة بالزغاريد
ليس هناك من رجل غيره، فهل ظنته النساء عريسا، فتساءل:
- ماذا حدث؟
ردّت من غير أن تلتفت إليه:
- ذلك يعني أن إشارة وصلت من الرجال تعلن عن نجاحهم.
- ومتى يعودون؟
- لن يعودوا قبل أن يقبضوا على المعدن الهارب في بطن الأرض فيدخل كلّ بيت به يرتاح الجميع.. يتنقلون وهو يخدمهم.. يدفئ البيوت حسبما يظنّون، وينير الطرقات.. ويختصر الزمن، فنرحل معه حيثما شئنا بساعات لابشهور وسنين.
- قاطعها بحذر:
- هل تؤمنين به؟
- لا أدري مادمت لم أره بعد!
دخلا البيت، فتجاوزت به الصالة إلى غرفة يمين البهو، في الحال وقع بصره على شيخ مهيب الطلعة ذي لحية يتوزّعها سواد وبياض، ممدّد على فراشه، ارتسم الشحوب على وجهه الوقور، حاول الرجل أن يمدّ يده، المزدحمة بالعروق فسارع (نديم التاج) ولمس يد مضيّفه فسرت في يده منها برودة خفيّة :
- لا بأس عليك.
- أبي جاء الضيف يشتري الذهب ويطلب مقابلتك!
غمز الرجل ابنته، فغادرت الغرفة، وقال:
- لو جئت من أجل الذهب لوجدته في المعرض واستغنيت عن رؤيتي، فما الذي ترجوه عندي؟
- اطمئن سأشتري الذهب بالسعر الأصيل، أما هدفي من الزيارة فهو ابنتك..
استجمع (ساجي الرحيم) أنفاسه، وحاول أن يعتدل بجلسته، تطلع في وجه ضيفه الذي اتخذ مكانه على كرسيّ بمحاذاة السرير:
- طلّة الورد ابنتي الصغرى سابعة أخواتها كلّهن تزوّجن ورحلن، (سماء الورد) تزوّجت من تاجر مصابيح ورحلت، وليان الورد من بحار لايستقرّ على أرض وهي لاتتركه، أمّا الثالثة الأخرى شوق الورد فزوجها صاحبب أرض شاسعة الأطراف، والرابعة هالة الورد فقد اختارت درويشا تهيم معه في الساحات البعيدة، والخامسة غزل الورد فقد تزوّجت من قائد قتل في الحرب فقضت كمدا عليه، هيام الورد السادسة خرجت ذات يوم ولم تعد قيل لي دخلت البحر تغتسل بالضياء فجرفها الموج.. ربّما لا تعنيك هذه التفاصيل..
- بل يهمني جدّا حتّى أكون على بينة من أمري.
رانت لحظات صمت ثقيلة على قصرها فراوده فضول:
- أرى كلّ أسمائن مرمّبة من الورد فكيف اخترتها؟
فهزّ الرجل رأسه عن يقين:
- أمر لا تفهمه إلّا بعد حين (رفع عينيه الذابلتين عن ضيفه إلى السقف وتغنّى بصوت مرتعش كأنّه يدعو ابنته للدخول) :
ليلتي تنثر عطرا والشذا ينفث سحرا
أترى أسكب خمرا أم أنا أوقد جمرا
إن هتكت اليوم سرّا فغدا أحفر قبرا
قال مجاملا :
- هون عليك فكلّ خسارة تهون.
عادت (طلعة الورد) على نداء أبيها الذي خاطبها بصوت واهن:
- تعرفين يابنتي أن ساعاتي معدودة، ولا أحبّ لك الوحدة من بعدي، فما ترين في طلب الضيف.
خفضت بصرها إلى الأرض، وقالت بحياء:
- أقبل بشرط.
- مهرك ذهب أبيك وسيكون له قيمة في مدينتي فقولي شرطك. !
- ليس الآن، سأبوح لك به في الليلة الموعودة.
وقبل أن يرحلا حذّر ساجي زوج ابنته:
- احذر من أن يغتال الذهب في مدينتك معدن آخر مثلما حدث لنا عندئذ سينفعك الحذر عمّا يأتي.
وهكذا كان كتب الكتاب ووفاة الشيخ الصائغ في يوم واحد، فلبست (طلّة الورد) بدلتها البيضاء، ولفعت جثمان أبيها بالسواد، وقالت:
- ها نحن في بداية الطريق، سأقول لك شرطي ولك الحقّ في أن نكمل معا أو الانفصال!
فقال من دون تردّد:
- قولي قبلت!
- مادام زواجي حدث في يوم موت أبي فإنّك لن ترى جسدي الذي يخلو من كلّ عيب في النور حتى ألقح منك بمولود!
فهزّ رأسه بالإيجاب ووضع يده بيدها وكان يخطوان وسط زغاريد المدينة المفتونة إلى مدبنته وهما محملان بتحف الذهب.
6
حديث النور
ربّما تكون الليالي السّالفة متشابهة في تفاصيلها التي جرت وسط الظلام
وهذه الليلة تلتبس بصيغة لا مثيل لها حيث ضمّهما الفراش في البدء كما هو مألوفٌ والظلام الثقيل يجثم على جسديهما.. هو شرطها يوم كتب كتابه عليها.. جاء الشيخ يحمل دفتره القديم.. ورسم بخطّ قديم فريد الملامح اسمه واسمها، ومدّ الشيخ الصائغ يده المرتعشة ذات العروق مبديا وافقته.. وقال:
- انتهينا أصبحتما واحدا لتتركي أباك وكلّ قريب لك وتلتحقي بزوجك!
لم يكن بيت الصائغ ساجي بحاجة للزغاريد، فالمدينة بين لحظة وأخرى تطلق فرحها بأشكال مختلفة لأنباء تصلها من جماعة الحفر.
كان الجميع يشهدون عرسهما من دون أن يعرفوا.
وأقسمت أن تبوح له بشرطها ليلة يدخل عليها فتطلب منه أن يفعلا ما فعل آدم وحواء خلال الظلام
فلايشعلان مصباحا
ولا نارا
يتلامسان
يتعانقان
بتشبّث كلّ منهما بالآخر
لتكن، على حسب هواجسها، لغة العيون هي الحكم بينهما
حتى تعلق بنطفة منه تفتح لهما النور
وجسدها لا عيب فيه.
أقسمت له أنّه ناصع كالمرمر لا عيب فيه ولابرود..
هكذا بكلّ جرأة
كأنّها تزهو على بل هي امرأة أخرى خلقت عرسها بيوم وفاة أبيها فأرادت للمس والشمّ والسمع أن يتقدّما على البصر فهذه علامات، على وفق هواجسها، لاتغشّ مثلما يخدعنا البصر.
وتحققت هواجسها أكثر حين مات أبوها
إذ حالما شيّع نديم التاج شيخ الدفتر إلى الباب، وعاد وجدها تتأمّل في أبيها. سألته:
- متى أرحل يا أبي إلى بيت زوجي؟
ردّ بصوت مرتعش
- متى تشائين.
اعترض نديم التاج:
- كيف نتركك وحدي.
فنظر إلى صهره نظرة لوم:
- هل تنتظران موتي؟
فصمت كلاهما غير أنّ الشيخ جلس نصف جلسه فهرع إليه كلاهما يرجوان مساعدته فزجرهما يبتعدان عنه،
فجأة
قفز من سريره بخفة صبيّ، وهبط إلى الأرض..
استدار
واستدار
حتّى خيّل إليهما أنّه سيعود طفلا، فوضعت سبّابتها على شفتيها توحي لزوجها بالصمت، فظّ الشيخ يدور على نفسه، وثوبه ينتفش بالهواء.. راح يردد
_أنا آتٍ ياحي.. ياحي أنا آت.. آت.
دار
ودار ودار
ثمّ تهاوى في مكانه منكفئا على وجهه.. كلماه فلم يردّ.. فخطت إليه (طلعة الورد) لمسته فأحسّت أنّ جسده أوغل في البرودة أصبح كقطعة ثلج.. أو مثل شتاء قادم بالثلج.. عندئذ قالت لزوجها:
- أتذكر أن عينيّ خدعتني فظننت وقتها أنّ نوبة إغماء حلّت بأبي حين هوى وهو يهبط من سموّه ولم أعرف أنّه مات إلّا حين لمسته بيدي.
قال عن يقين:
- أنا أيضا ظننته مغمى عليه.
- إذن دعنا ننسى عيوننا !
لكنّ هذه الليلة اختلفت تماما.. استعدت لها ليستعيدا بصرهما. كانت رائحة الزعفران تعبق منها، وحين دخل عليها زوجها وأطفأت النور، كادت تلتهمه.. شعرت أنّها أصبحت كأنثى العنكبوت. همس في أذنها:
- راءحة غريبة.
- هي لك أتحبها؟
- أموت فيها.
صرخت
ضمته بين يديها
وتحسست أنفاسه...
اللهاث
واللمس
والعطر
واختفى سأنه كل ليلة البصر
وعندما سكنا
وتلاشات أنفاسهما مع صمت الغرفة الرهيب.
قال، وهما يستلقيان على ظهريهما يحدِّقان بالظلام
- إنّي أستاف رائحة تبعث فيّ حرارة االلهيب وسط شدّة الشتاء..
قالت:
- هل غابت عنك إنها رائحة الزعفران!
فرفع رأسه إليها:
- هي المرّة الأولى التي استافها من جسدك؟
فضحكت بغنج، وقالت:
- جاءت تبشِّرك بولد.
عرف ماتعنيه، فغادر فراشه، وخطا نحو المصباح ينيره، فجاءه صوتها:
- نعم يمكنك الآن.
اراءت له مثل إلهة قديمة لا يجاري جمالها مخلوق، غاب يتحسس نعومته ويلتمسه بعينيه..
ثمّ
اعترته دهشة غريبة
أغرب ممّا يراه
البياض والنعومة.. السّحر والخيال، ويبصر في الوقت نفسه، على بطنها، خطوطا وأشكالت غريبة..
كلّها صفراء...
بلون الذهب الذي يتابعه كلّ يوم وتابعه لئلا يهبط إلى الحضيض
وردة أم أفعى.
شجرة أم عصفور
مزمار...
كتابات قديمة..
هل ارتسمت على بطنها عبث، فهمس همسة أشبه بالصّراخ:
- من فعل هذا ببطنك؟
- كيف كشفت بطنك له؟
فاعترضت وقد خمّنته يشكّ:
لم يلمسني قط... كان القلم يجري على جسدي.
- متى حدث الأمر؟
نهضت ترتدي ثيابها فانتبه إلى نفسه فتذكّر أنّ الغضب لايليق بعارٍ:
- خلال سفرك؟
أكمل ارتداء ثيابه:
- إحكي لي كيف حدث ذلك؟
قصّت عليه قصّة السيدة الفاضلة التي زارتها، وخربة (شقائق العاقول) والوليّ المهيب، ومارأته من عناكب وحشرات تتصارع في السّقف، فهزّ رأسه متمتما:
- لكنّ الوقت ليس هو الموسم الذي يقتحم فيه الأولياء الخربة.
أكّدت:
- صدِّقني قصصتُ عليك كلّ ماحدث!
فكوّر يده وضرب على جبهته ضربة خفيفة:
- أنا لا أكذِّبُك ولا أشكّ فيك.
فكادت تفقد صبرها:
- علام إذن استسلمت للغضب والقلق والحزن؟
صمت برهة ثقلت على صدره ثمّ نطق بصوت حزين:
- أريد أن أعرف هل هو ذاته الرجل الذي زارني ليخبر عن الذهب في مدينتكم فألتقيك أم شخص آخر.
- ألست سعيدا بالولد.
- في البدء عليّ أن أعرف هل أنا ضحيّة شيطان أم أنّك وقعت بيد ملاك؟
اقتربت منه طوقت عنقه بساعديها، ونظرت بعينيه نظرات حانية.
- أطرد عنك الوساوس!
كان ساهيا كمن يتطلع بشئ ما با يستطيع لنظره عنه فكاكا:
ماسم الشيخ الولي الذي كتب على بطنك ؟
قابلت تساؤبه بابتسامة واسعة:
- كاتب الزعفران..
تراجع عنها.. فبقيت جامدة في مكانها.. حاولت الكلام فلم تقدر، كان يتمتم مع نفسه:سألاحقه حتّى أجده... وخرج من دون أن يترك أثرا.
7
حلقة النحاس
في طريقه على مايبدو مدن كثير لاتحصيها عينٌ ولعلّه يجد (كاتب الزعفران) في إحداها. أقرب المدن إليه مدينة النحاس، كان كلّ شئ فيها مركّب من نحاس:
البيوت..
الشبابيك..
أواني الأكل والشرب
الأشجار نفسها نحاسية الجذوع تأتلف أوراقها من خضرة مع لون شبيه بمعدن النحاس، كان الناس فيها هادؤون مسالمون، ولفت نظره تمثال كبير في وسط المدينة لسيدة قيل عنها إنّها ملكة المدينة، والغريب في الأمر إنّ السيدة تشبه زوجته (طلّة الورد) أو تكاد تكون هي.
ظاهرة كادت تصعقه..
هل هي عينه التي تكذب؟
أم مصادفة؟
أم حلم؟
بعد ساعة من اللّف والدوران، وأزيد بقليل وجد رقعة الدارويش، عثر على حلقتين صغيرتين أحداهما تلتفّ من الشمال إلى اليمين، والأخرى مشغولة بالدوران من اليمين إلى الشمال، وعلى بعد منهما شيخ وقور يجلس متربِّعا على حصير وقربه كسرة خبز وجرّة ماء من نحاسٍ لاخزفٍ:
- ياسيدي هل أنت كاتب الزعفران؟
بقي الرجل على صمته وعيناه تتابعان الراقصين ولا يدري أطال الوقت أم قصر حتّى توقفت الفرقتان عن الرقص، فصاح الشيخ:
- حسنا أوقفتم القتال (والتفت إلى الواقف أمامه) ، أنت في مدينة النحاس وقد أمرت مَلكَتُنَا صاحبة الجلالة (سماء الورد) ألّا نحدّث غريبا إلّا أن يأكل من زادنا ويشرب من مائنا.
ناوله الجرّة وكسرة خبز، فقضم وشرب، فسأل :
- هل لجلالة الملائكة سماء الورد أسماء أخرى؟
أجاب الشيخ الوقور:
- لا تسأل إلّا عن الشئ الذي دخلت المدينة من أجله!
- هل أنت كاتب الزّعفران؟
- طلبك ليس عندنا يمكن أن تجد له حلّاً في مكان آخر.
أذعن ودفعته هيئة الوقار إلى أن يلزم الصمت
فخرج من مدينة الزعفران قاصدا المدينة المجاورةَ لها، ويبدو أن رحلته لاتقع حسب المصادفة، فما سمعه من عمّه الشَّيخ لاح لعينيه في كلّ المشاهد حيث رآى ثانية، تمثالا يشخص وسط ساحة المدينة مصاغا من الحديد لسيدة تكاد تكون صورة طبق الأصل لزوجته (طلّة الورد) ، فتجاوز الصّدمة الجديدة وازداد يقينه أنّ المصادفة تخلّت عنه فحث خطاه إلى خربة الدراويش إذ تيقّن أنّه في غنى عن يسأل الآخرين.
لكن
هل يكذب بصره؟
هو ليس في حلم
ولم يهادن كابوسا قطّ
العالم ينسخ نفسه أمامه بِشَكْلٍ آخر الحديد صورته والسّيوف منظره، فكلّ صنائعه التي تسير بها المدينة من حديد والشَّيخ الذي قابله في خربة النحاس هو هو الذي يراه في هذه المدينة:
الوجه
الهيئة
الملبس
كان يجلس على حصير.. جنبه قرص خبز، وجرّة ماء، عيناه تبحران في جماعتين ترقصان:واحدة من اليمين إلى اليسار، والأخرى من اليسار إلى اليمين:
الصورة تنسخ نفسها
تقدّم نحو الشيخ وظلّ صامتا ينتظر أن يقف الراقصون...
رقصوا طويلا وترنّموا
وفي ختام الرّقصة، تراشقوا بالورد الأحمر الحديديّ فسالت من جباههم قطرات دم، فصاح الشيخ بصوت رزين:
- انتهت الحرب
عندئذٍ وقفوا صامتين فانتبه (نديم التاج) إلى الماء والخبز، وحرّكه فضول للتشابه الفظيع، فشرب الماء من جرّة الحديد وقضم الخبز باسم صاحبة الجلالة (ليان الورد) :
- ألم نلتق ياسيدي من قبل.
- لا تلتفت إلى الماضي ولا تسأل عن شئ لم تأتِ من أجله.
قال بإصرار:
- أين أجد كاتب الزّعفران؟.
- إبحث عنه في المدينة المجاورة لكن لا في مدينة الملح التي أكلها البحر، ولا المدينة التي أبحرت على البحر!
- ياسيدّي لم أفهم.
- إعرف أَنَّكَ سترى ممكلة ابتلعها البحر لملكة علامتها تمثال قائم في الماء لهيام الورد فاحذر لئلا تغرق وتخطَّ
لمملكة أخرى قد يكون طلبك فيها.
فخرج وقد شعر بأنّ السَّفر بدأ يرهقه، وفي صحوه الجديد وربّما سفرته الأخرى شاهد بحرا هائجا عن يمينه وعند أسنان البحر لاح له تمثال يشبه زوجته (طلّة الورد) خانته الدهشة.. فازداد يقينا أن يعثر على كاتب الزعفران، كانت هناك طيور تحطّ على التمثال وأخرى تهبط على الماء تنقر قطراته، وقوافل من بشر ودواب تشرب منه، فأدرك أنّ ماء البحر عذب وليس مايراه خداع بصر أو لعلّ الماء مالح والواردون من حيوان وطير وبشر يروِّضون أنفسهم على الصبر وعلى الرّغم من أنّه كان يتعرّق، والعطش أتعبه إلّا أنّه تذكّر وصية الشيخ فابتعد عن مملكة الملح وملكته التي يعرفها، وتخطّى إلى مدينة أخرى.
يمكن أن يسمّيها مملكة الحجر!
بيوتها
أدوات أكلها وشربها من حجر
مقاعدها حجر
زهورها والورد فيها حجر
أناسها يحملون الحجارة فيلوونها كما يشاؤون.
أمأ التمثال فهو نفسه لم يتغيّر
الصورة
الشكل
الحجم
ومكتوب على قاعدة التمثال بخطٍّ من ذهب بلغة قديمة لا يفهمها تشبه الخطّ الذي رآه على بطن (طلّة الورد) !
وحين دخل خربة الدراويش في المدينة الحجريّة رآى الفرقتين اللتين رآهما من قبل، ينحتون ويرقصون فرقة من اليمين إلى اليسار وأخرى بعكسها، والشيخ الذي رآه من قبل يجلس على عرش من حجر كتمثال قديم يتطلع في الفرقتين الراقصتين، يتبعهما بعينينه إلى يمينه كسرة خبز وعن شماله قارورة ماء حتّى مرّت ساعة أو أكثر بقليل، فتراشقت الفرقتان بوردود من أحجار.
- أوقفوا الحرب
صاح الشيخ فجمد كلّ منهم في مكانه، ولما يئس، هتف بالشيخ:
- ياسيدي هل أنت كاتب الزعفران
- بل أنا كاتب الحجر، فخذ الماء واشربه بأمر صاحبة الجلالة (هيام الورد) ولا تخاطبني في الآتي.
- ياسيدي انتظرتك في وقفتي أكثر من ساعة.
- بل هي سنة أو دهر فارحل عنّا بسلام
وجاءته مدينة أخرى، خامسة كلّ مافيها معادن نفيسة وتمثالها الذي ألِفَه من لؤلؤ وذهب وألماس، وعند القاعدة بقي الخط بشكله القديم.
إلى هذه الساعة نظره لا يتغير
بصره لايضعف
وذاكرته في أحسن حالاتها، وسط المدينة التمثال نفسه، الناس مشغولون بالذهب والألماس والحلي، على واجهات البيوت تحف من لؤلؤ وألماس وحرير وذهب ودّ لو كان في رحلة تجارة لا رحلة بحث لابتاع كلّ ما يرغب فيه مِمّا يسرّ العين ويريح النَّفس، ولعلّ المدينة خلت من خربة للدراويش، والفقراء الذين يتخذون من أحد أطرافها مأوى لهم، فغادرها بعد أن يئس ثمّ أذهلته مفاجأة أخرى لتمثال يشبه التماثيل التي سلفت بصورة (طلة الورد) وليس هناك حوله سوى بشر عراة ذوي شعر طويل يرقصون حول التمثال. ومعهم رجل رثّ عار يكاد يكون كاتب الورد.
الجميع يصرخون
يزعقون
النساء العاريات
والرجال العراة
لا يرغب في أن يكذِّبَ نفسه إذا قال إن المدينة بدت بحجم قبضة اليد، فكيف يسأل كاتب الزعفران القديم الحديث، ولا يفهم أحدهما الآخر ولا يبالي كلّ منهم بالآخر
فكوّر يده وواصل سيره..
واصل وهو يبحث عن المدينة التالية.
8
لقاء غريب
ظلّ يمشي وهو على يقين أن المدينة التالية ليست وهماً حيث كان يبحث عن حقيقة راودته فأراد أن يقطع الشكّ باليقين!
لم ييأس في أن يجدها فقد أكّدت له تجارب سابقة أنّها موجودة مادام العالم يكرر نفسه بطرق شتّى:يتراشق مرّة بالورد وأخرى بالنحاس أو الحديد...
وإذ رآها تلوح له من بعيد
فدخلها بعد جهد جهيد
هذه المرّة اختلفت الحال تماما..
شاهد مظاهر جديدة
جديدة إلى حدّ الإبهار والإنكار
هل يصدّق عينيه أنّه لايرى تمثال سيدة يشبه (طلّة الورد) منتصبا وسط المدينة بل رآى نُصُبَاً لايفهم معناها تعانق السماء إلى جوارِ مبانٍ شاهقةٍ، وطرقٍ واسعةٍ وحدائقَ عامرةٍ، مع ذلك تزكم رأسه رائحة غريبة تثير في نفسه الغثيان.
دخان كثيف يتصاعد
أبنية شاهقة
علامات ضوئيّة كثيرة
يتطلّع في الوجوه بعضهم يضع على أنفه قناعا، وآخرون على عيونهم نظّارات، كلهم مسرعون لا يبالون به.
حركة دائبة من آلات تحرث الأرض
وتشقّ الأرض
أو
تجوب البحر
فأين يجد كاتب الزعفران وسط الصَّخب والضَّجيج؟
ومازالت الرائحة الغريبة تخالط أنفاسه.
هناك عطر نفّاذ مريح ورائحة كريهة يمتزجان بأنفاسه.
خلال جولته خامره يأس لحظة فطرده من باله، العالم نسخ نفسه أكثر من مرّة فلماذا يمتنع الآن، كلّ شئ جديد هذه المرّة.. ورآى حين هبط الليل، حديقة صغيرة في ضاحية من ضواحي المدينة الغريبة التي لا تهدأ ليلا ولا نهارا، فأوى إليها ليستريح، ولم يكذّب عينيه، ولم يصدقه يأسه إذ أبصر من باب الخيمة ملامح لشخص يعرفه.
فتماسك
وتشجّع
فإذا به أمام كاتب الزّعفران لكن بحلّة آخرى
الوجه
الهيئة
النظرات
شيخ تركته الفرقتان اللتان تتبعان أمره، فتدوران من شرق إلى غربٍ، ومن غربٍ إلى شرق ثمّ تتقاتلان وتركنان للسلام بإشارة منه.
الدنيا تصوغ نفسها بشكل آخر
وشيخ الخربة لم يبق منه إلّا وجهه البعيد.
- أدخل
فدخل
وكانت المفاجأة الكبرى بانتظاره
لحظة انكشفت له الحقيقة أن كاتب الزعفران هو صائغ الذهب الذي زاره في الحِقبة الأولى ودلّه على مدينة يباع بها الذهب بسعر أرخص من التراب.
- هل عرفتني؟
أجاب بانكسار:
- نعم ألست التاجر الذي أخبرني عن انهيار الذهب!
فضخك ضحكة طويلة:
- هل اقتنعت الآن بقدرتي.
فأطلق عنانه للغضب:
- لِمَ فعلت ذلك معي من دون الآخرين؟
أجاب هذه المرّة برزانة:
- كنت الأكثر لعنا لي.. الجميع يلعنوني أما أنت فالأكثر لقد أعطيتك وعاقبتك.. كنتُ أفضل منك!
- ماتركته عندي من مال أنفقته كلّه في الخير بنيت مشافي وجوامع ومباني للتائهين ودورا للمحتاجين!
فزجره بعنف:
- مع ذلك تركت كلّ شئ ورحلت في المدن حتّى عدت إليّ.
يردّ بتوسّل :
- ولكن لِمَ اخترتني أنا من دون الخلق؟
فقهقه ثانية واسترخى، تلون حتّى أشاع الخوف في كلّ شئ حوله:
- لأنَّك كنت الأكثر لعناً ًلي !
سرى خوف في أوصاله وتغيّرت قسماته، فاعترف.
- لا أنكر أنّ ّالعالم كلّه يكرهك.
نظر إليه بصيغة مكر :
بغض النظر عمّ تقول وما أعرفه عن الآخرين كنت كريما معك تركت لك الذهب ومعادن أخرى أنظر إلى الدخان المتصاعد في الفضاء والآلات التي تسري بسرعة جنونيّة أنا الذي أوجدتها ستخدمك أنت والآخرين الذين يلعنونني، ستكونون عبيدا لها وقد حقّقت ثأري.
راوده حنق مكتوم:
الذي يشغلني الكتابة التي على بطن زوجتي..
استغرق الآخر\الشيخ\ الشيطان\ملك العالم الجديد:
- هي خريطة العالم الجديد رسالة تحذير لك. أما عفة زوحتك فليس لي أن أهتكها.
- الآن ارتحت.
عيناه الماكرتان تقدحان بتشفٍّ:
- ارتحت؟كم قضيت من الوقت لتصل إلي؟
شهرين.. ثلاثة.. على أكثر تقدير:
مازال في أوج سخريته:
- حين تعود ستجد حاكما لمدينة الذهب، يبني ويهدم، يقتل ويحيي يعمّر ويخرّب.. لو انتهكتُ عرض زوجتك لكان الذي من صلبي يتعامل بالشرّ وحده، فاخرج من غفلتك فقد قضيت ربع قرن وأنت تظنّها بضعة أشهر، ستجد كلّ ماتراه من دخان وآلات ومصانع ستراها هناك!
راح يتراجع إلى الوراء، ويتلفت حوله، منتصف الليل كان يغادر المدينة التي لا تنام، وهو لايرغب مثلها في النوم، المصابيح من حوله تنير الطرقات، والآلات تجري.. يا للغفلة الطويلة ربع قرن. عمر ابنه خمسة وعشرون عاما، فهل يحد المظاهر التي يراها هنا في بلده، وهل تستغرق رحلة العودة ربع قرن آخر..
أم يعرفه أهل مدينته؟
ظلّ يسير والضباب المتصاعد إلى السماء يشدّ عينيه إلى الأفق البعيد والآلات تجري من حوله ليل نهار كأنّه يتسابق مع الليل والنهار ليعود من حيث أتى في غفلة من الزمن.
***
د. قصي الشيخ عسكر