نصوص أدبية

مجيدة محمدي: لو كان بيدي…

لو كان بيدي، لمددت أصابعي عبر مسامات الوقت،

وجمّدت اللحظات التي تسربت كالماء من بين راحتي،

كنتُ سأبني للحنين سدودًا،

وأجعل الذكريات تنحني لي، كسنابل مثقلة بالأمس.

*

لو كان بيدي، لجمعت نجوم الليل في راحتي،

ونثرتها فوق رؤوس العابرين بلا مأوى،

كنتُ سأعيد ترتيب هذا العالم،

بحجم القلب لا بحجم الحدود،

وأعيد رسم خرائط المدن، لا بالحروب، بل بالقصائد.

*

لو كان بيدي، لمحوت آثار الأقدام التي مشت فوق أحلامنا،

وسألت البحر عن وجوه الغرقى،

وأعدتهم واحدًا واحدًا إلى أمهاتهم،

وسألت الريح عن رسائل العشاق التي ضاعت في الزحام،

وسلمتها إلى أصحابها، قبل أن يبللها الفقد.

*

لو كان بيدي، لجعلت المطر يعبر الأزمنة،

يسقي عطش البدايات، ويطفئ حرائق النهايات،

كنت سأجعل الأرض تدور عكس الوقت،

فلا يكبر الأطفال قبل أوان الضحك،

ولا تهرم القلوب قبل أوان الحب.

*

لو كان بيدي، لفتحت نافذة في كل جدار،

وأخرجت الشمس من جيب المعطف الشتوي،

كنتُ سأهندس الموسيقى في صمت المدن،

وأعيد للأرصفة نبض الأقدام التي فقدتها في الغياب.

*

لو كان بيدي، لكسرت عقارب الساعات،

وحررت العصافير من أقفاصها الحجرية،

كنت سأعيد تسمية الأيام،

فلا يكون الإثنين ثقيلًا،

ولا يكون الأحد انتظارًا مريرًا،

ولا يكون الخميس وحيدًا في منتصف الطريق.

*

لو كان بيدي، لمحوت الحدود بين الحروف،

وسمحت للكلمات بأن تهرب من قوالبها الصلبة،

كنتُ سأكتبك قصيدةً بلا نهايات،

وأتركها تسافر مع الريح،

تبحث عن قارئ يصدق أن العالم لم يخلق ليكون بهذه القسوة.

*

لكنني…

لست سوى ظلٍ يمشي بين الاحتمالات،

حلمٌ يخطو بين الممكن والمستحيل،

أدس يدي في جيب القدر، وأبحث…

ولا أجد سوى قبضة من رمل، تتسرب من بين أصابعي.

***

مجيدة محمدي – شاعرة تونسية

في نصوص اليوم