عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

مدارات حوارية

المثقف تحاور الأديبة المبدعة الأستاذة سعاد الراعي في مدارات حوارية (6)

خاص بالمثقف: الحلقة السادسة، مع الأديبة المبدعة الأستاذة سعاد الراعي، ضمن مدارات حوارية، وحوار شامل أجراه معها الأستاذ مراد غريبي، حول تجربتها الإبداعية وأعمالها الأدبية وآفاقها الفكرية، فأهلاً وسهلاً بهما:

***

س29: أ. مراد غريبي: بعد هذا المسار الذي يجمع بين السرد والذاكرة والنقد، ما المشروع الحالي وما المشروع الذي تتمنين أن تواصليه في المرحلة القادمة؟

ج29: أ. سعاد الراعي: تتوزّع مشاريعي بين حاضرٍ أُنجزه الآن، وقادمٍ ينتظر دوره القريب، وثالثٍ أرنو إلى معانقته حين تحين المرحلة المقبل ورابع مؤجل يشكو الانتظار.

بخصوص الجزء الأول من السؤال، اود الإشارة الى كوني منشغلة حاليا

بروايتين تلوحان في أفق الصدور القريب، تنتمي كلٌّ منهما إلى مناخ سردي مختلف، لكنهما تشتبكان في همٍّ إنساني واحد: محاولة اقتفاء أثر الجرح الخفي في جسد المجتمع ومن ثمة في جسد الفرد.

الرواية الأولى، وهي تحت الطبع، تُقارب ظاهرتين تتشابك عقدُهما في فضاء واحد هو الفضاء العلاجي، أو ما يُسوَّق له باسم "المصحات":

الاحداث في أوروبا، وهي محاولةٌ لتجريد البيروقراطية من ثيابها الفضفاضة، وكشف وجهها البارد، ذلك الوجه الذي يتخفّى خلف روتين جامد، وطبقية مقيتة، تتحكّم بمصائر المرضى كأنهم أرقام لا أكبادٌ تنزف. والثانية، وهي الأكثر حضوراً في ضميري ككاتبة، تتمثل في رصد التعامل العنصري الفجّ الذي يلقاه الأجانب في قلب أوروبا، وعلى رأسهم طالبو اللجوء، من خلال معاناة بطلتي "ندى"، تلك الشخصية الحقيقية التي، رغم اندماجها الكامل في نسيج البلد الذي احتضنها، وحملها جنسيته حتى صار، بتقادم السنين، وطنها الحقيقي الوحيد، تظلّ في عين الضمير الجمعي هناك مجرّد شائبة عرقية، أو عاهةً ينبغي التخلّص منها بوصفها دخيلة. وهذه الرواية، التي يمكن إدراجها في سياق أدب المنفى واللجوء، سبق أن رأت فصولٌ منها النور في صحيفة "المثقف"، لتكون شهادة حيّة على معاناة الغريب في دول اللجوء.

أما الرواية الثانية، التي ما تزال قيد الإنجاز، فتسلك مسلكاً آخر، أكثر قتامةً وضراوة، إذ تُسلّط الضوء على موضوع طالما قض مضجعي حد النزف.

ذلك النزف الذي يفضح خفايا السجون "السياسية" في ظلّ نظام حكم شمولي مطلق، معتمدةً في ذلك على تجربة حقيقية، حية لسجين سياسي، شاب نجا بأعجوبة من حُكم الإعدام، وتتقاطع الرواية مع منجز أدب السجون.

أما المشروع الذي أتطلّع إلى مواصلته، فامتدادٌ طبيعي لمسيرتي، هو تتمّة جملةٍ شرعتُ في كتابتها منذ سنين وتوقفت عند منتصفها، أعني بها استكمال سيرتي الذاتية.

وقد أفضى بي هذا الحوار الذي أُجريه معكم الآن وما ترتب عليه من تفاعل أقدره واعتز به، إلى التفكير في فصلٍ لم يخطر ببالي من قبل، فألهمني مشروع، وإن كانت صفحاته ما تزال بيضاء تنتظر مدادها. فقد أدّى كل سؤالٍ طُرح عليّ، بعمقه وثقل وقعه، دورًا فاعلًا ومحفّزًا معًا، دافعًا إيّاي إلى تصوّر كتابةٍ تستوعب هذه التجربة برمّتها، وتكشف أهم ما خلّفته من أثرٍ في تكويني ككاتبة... فقد أيقظ هذا الحوار في داخلي أسئلةً اقتحمت وعيي قبل أن تستأذنه، وربما ظلّت غافيةً لولاه، عصيّةً على الالتفات.

وفي هذا تكمن قيمته الكبرى عندي: فقد ردّني إلى ذاتي، ووجّهني للالتفات إليها من جديد، متجاوزًا وظيفته الأولى في استخلاص إجاباتٍ معدّة وتعليقات قيمة وثرية.

فصرتُ، بفضل هذا الالتفات، أعيد النظر في كل ما كُتب عني، بما في ذلك ما كتبتُه عن نفسي، وأدركتُ أن موقعي من سؤال الكتابة عن الآخر موقع الشاهدة الأولى عليه، تنطبق عليّ قوانينه كما تنطبق على من سواي.

وهكذا سأحاول الانصراف إلى الكتابة عن الكتابة ذاتها، كتجربةٍ حيّة تُعاش وتُنقل كما تُعاش الحياة وتُنقل، متحرّرةً من برودة النظرية المجرّدة. وهذا، في اعتقادي، محطّة يلتفت فيها المسار ليرى نفسه، في ذاته وفي غيره، مرآةً تُبصر ذاتها للمرة الأولى بعد رحلةٍ طويلة من النظر إلى الخارج وحده.

مقتفيه بذلك أثر المفكر الايقونة إدوارد سعيد حين انجز بعد عقودٍ في النقد الثقافي والسياسي الصارم بين الاستشراق، والثقافة والإمبريالية، مذكراته "خارج المكان"، التي عاد فيها إلى الذاكرة الشخصية والطفولة بعد مسارٍ طويل من التنظير الأكاديمي البارد نسبيًا. انتقاله هذا يمثّل نموذجًا واقعيًا لكاتب استكمل مساره بمشروعٍ يعيد فيه صياغة تجربته الخاصة بأدوات نقدية اكتسبها طوال حياته.

***

س30: أ. مراد غريبي: رائع جدا، لا اصدق أستاذتي الفاضلة، بينما الحقيقة انني وكل القراء والنقاد نحن من غرفنا واستفدنا من فيض اجاباتك العميقة والخلاقة للنباهة والوعي، مما يدفعني الآن بكل ثقة للتساؤل، ما القضية الفكرية أو الإنسانية التي ترين أنها تستحق اليوم مزيدًا من الاشتغال، في كتاباتكِ أو في خطاب الثقافة العربية عمومًا؟

ج30: أ. سعاد الراعي: رغم أنى لا أحمل مشروعًا محددًا بالمعنى التقليدي للكلمة، غير أن خيطًا واحدًا يشدّ كتاباتي كلها إلى بعضها، ويمنحها، رغم تشعّبها وحدة غايتها:

استعادة كرامة الإنسان، وصون إنسانيته من هيمنة السلطة بمؤسساتها المتعددة الأقنعة.

أرى الإنسان بوصلةً وحيدة تُقاس بها قيمة السياسة والثقافة والقانون والاقتصاد جميعًا، إذ يبقى هو غايتها المُثلى، لا أداةً تُسخَّر لخدمة مشاريعها.

وأكثر ما يؤلمني، في هذا السياق، أن أرى الإنسان يُستدرج إلى حروبٍ وصراعاتٍ تُفتعل بعيدًا عن إرادته، فيدفع من عمره وكرامته ثمنًا لا يليق بمقامه، وأن تُصادَر حريته في التعبير عن رأيه، فيُدان لمجرد اختلافه مع سلطةٍ تضيق ذرعًا بالرأي الآخر. وحين أتأمل خطابنا الثقافي العربي اليوم، أجد هذه القضية بعينها تنتظر مزيدًا من الاشتغال والحفر العميق:

كيف نُعيد الإنسان إلى صدارة الخطاب بعد أن هُمّش لصالح شعاراتٍ كبرى أفرغت من مضمونها؟ ...

كيف نصون له حقه في الحرية والاختلاف والكرامة، في زمنٍ تتقاطع فيه المصالح وتتصادم الرؤى؟ ...

هذه القضية ظلت حاضرة في كل ما كتبت، بدءًا من التفاصيل الصغيرة التي تلتقط وجع الفرد العابر، وصولًا إلى الأسئلة الكبرى التي تُساءل بنية السلطة ذاتها.

فحين أكتب عن المنفى، أكتب في الجوهر عن إنسانٍ اقتُلع من جذوره بقرارٍ لم يستشره فيه أحد.

وحين أكتب عن الذاكرة والخيانة والتبني والتميز والعنصرية والاضطهاد والكره، أكتب عن إنسانٍ يحاول أن يفهم موقعه من عالمٍ يُعيد تشكيله باستمرار وفق مقاييس لا تخصّه.

وهكذا وجدتُني، دون تخطيطٍ مسبق، أنسج من نصوصي المتفرقة نسيجًا واحدًا، محوره الإنسان في مواجهة كل ما يسعى إلى تذويبه في جماعةٍ أو أيديولوجيا أو سلطة.

وأعتقد أن هذه القضية، رغم قِدَمها، تكتسب اليوم إلحاحًا مضاعفًا. فالثقافة العربية، في ظل ما تشهده من انقساماتٍ حادة واستقطاباتٍ متتالية، وتأثيرات أيديولوجية ممنهجة، تحتاج إلى العودة إلى سؤال الإنسان بوصفه الأصل، قبل أي انتماء أيديولوجي أو طائفي أو سياسي يُراد له أن يحل محله. فحين تغيب هذه البوصلة، تتحول الثقافة نفسها إلى ساحة صراعٍ إضافية، بدل أن تكون فضاءً يحتضن التعدد ويحميه.

ولذلك، فإن اشتغالي المتواصل على هذه القضية ليس محطة عابرة في مسيرتي، بل هو جوهرها الثابت الذي لن يتبدل مهما تنوّعت الأشكال والموضوعات التي أطرقها. فكل نصٍّ جديد أكتبه إنما هو محاولة أخرى لإعادة طرح السؤال نفسه من زاويةٍ مغايرة:

كيف نحمي الإنسان من أن يتحول إلى رقمٍ في معادلة السلطة، أو ضحيةً في سجل الصراعات التي لم يخترها؟

وسيبقى هذا السؤال، في تقديري، حاضرًا في كل ما سأكتبه لاحقًا، لأنه، ببساطة، السؤال الذي لا تكتمل الكتابة بدونه.

***

س31: أ. مراد غريبي: لحظة أستاذة سعاد، لابد من أن احصل على جواب شافي من سعادتكم، إذا تأملتِ ما أنجزتِه حتى الآن، فما الفكرة أو النداء الذي ترغبين أن يبقى من عملكِ بعد سنوات، حتى لو تغيّرت الأشكال والموضوعات؟

ج31: أ. سعاد الراعي: هذا سؤالٌ استشرافيٌّ بطبعه، يمضي إلى الأمام بينما يحفر في الوقت ذاته عن الجوهر الثابت الكامن خلف تعاقب الأزمنة والأشكال.

وإن أتيح لي أن أختزل كل ما كتبته في نداءٍ واحد، فهو الحفاظ على إنسانيتنا. لا أرفعه شعارًا يُزيَّن به غلاف كتاب، بل أحمله خيطًا وحيدًا ظل ثابتًا خلف كل ما تناولته من موضوعات متبدلة.

 حين كتبتُ عن المنفى، كنتُ أدافع عن حق الإنسان في أن يبقى إنسانًا رغم اقتلاعه من جذوره وترحيله عن أرضه الأولى. وحين كتبتُ عن الذاكرة في المجموعة القصصية " من مذكرات أستاذة"، قاومتُ محو التجربة الفردية لصالح رواية رسمية تجرّد الإنسان من شهادته الخاصة وتُسكته باسم السرد الجمعي. وكذلك حين كتبتُ عن الطفولة في مجموعتي القصصية " النخلة العمة وابناؤها الاشقياء" تناولتها باعتبارها مرآة للإنسان في انقى صوره وتجلياته.

والآن وانا اتناول في مشروعي الحالي قضايا العنصرية والبيروقراطية، أُسائل الثمن الباهظ الذي يدفعه الإنسان حين تُختزل علاقاته الحيّة إلى وظائف باردة تُدار بالأختام لا بالقلوب. وحين اكتب عن معاناة السجين السياسي في زنزانة الإعدام، فإنما أكتب عن الكرامة الإنسانية وهي تصمد في أضيق ممرات الخوف، غير راضخة حتى في الرمق الأخير. ففي كل ما كتبت واكتب وسأكتب وقفتُ في وجه الفوضى المؤدلجة والمقصودة التي تنخر إنسانيتنا من الداخل قبل أن تطالها من الخارج.

فالأشكال تبدّلت، من السيرة إلى الرواية إلى النقد، والموضوعات تنوّعت تنوّع الجراح ذاتها، لكن النداء بقي واحدًا لا يتزحزح:

أن نظل بشرًا بإنسانيتنا، رغم كل ما يُغرينا، في كل محطة، بالتنازل عن ذلك. وهذا، في ظني، ما سيبقى من عملي حين تُنسى تفاصيله وتذوي عناوينه، ذلك أن الإنسانية وحدها لا تشيخ كما تشيخ الأشكال، ولا تبلى كما تبلى الكلمات التي حملتها.

***

س32: أ. مراد غريبي: ممتاز جدا، بعد كل هذا السفر بين الذاكرة والمنفى والنقد، ما الذي يمنحكِ اليوم شعورًا بالطمأنينة خارج الكتابة، ويعيدكِ إلى ذاتكِ الأولى؟

ج32: أ. سعاد الراعي: بعد هذا السفر بين الذاكرة والمنفى والنقد، أدركتُ أن الكتابة، رغم كونها ملاذي الأول، تستنزف مني طاقةً لا تعوّضها الكتابة نفسها.

ما يمنحني اليوم طمأنينة حقيقية هو السلام الداخلي البسيط:

لحظة استراحة لا أفكر فيها بمشروع واحد، شعور بالأمان والاستقرار بعد سنوات من الترحال الداخلي والخارجي معًا، وتنظيم وقتي كي أمنح عائلتي حضوري الكامل لا فتات وقتي.

حين أجلس بين من أحب، دون أن يطاردني سؤال فكري أو صفحة ناقصة، أشعر أنني أعود إلى تلك المرأة التي كنتها قبل أن تصير الكتابة قدرًا وهوية وربما ادمان.

الكتابة علّمتني كيف أسائل العالم من حولي، لكن هذه اللحظات الصغيرة هي التي تذكّرني بأنني، قبل كل سؤال، كائن يحتاج إلى أن يستريح ليعود فيواصل السؤال من جديد. فالسكينة شرطًا خفيًا يُغذي الكتابة من بعيد. شرطا، يوازي تمامًا فكرة "العودة إلى الذات الأولى" التي يطرحها سؤالك.

***

س33: أ. مراد غريبي: طيب، هل ترين أن على الكتابة العربية اليوم أن تعود أكثر إلى الإنسان المعيش، أم إلى الأسئلة الفكرية الكبرى، أم أن المرحلة تحتاج إلى مزجٍ جديد بين الاثنين؟

ج33: أ. سعاد الراعي: أرى ان المزج هو الأنسب للمرحلة الحالية، بوصفه ضرورة تفرضها طبيعة التجربة الإنسانية ذاتها قبل أن تفرضها طبيعة الكتابة. فالإنسان الذي يعيش اليوم لا يعيش معاناته في وادٍ، وسؤاله الوجودي في وادٍ آخر..

فقيرٌ يقف في طابور الخبز لا يفكر في الفقر وحده، بل يسائل، ولو من طرف وعيه، عدالة التوزيع في العالم. ومنفيّ يودّع عتبة بيته لا يشعر بالغربة الجغرافية فحسب، بل يصطدم بسؤال الهوية والانتماء في الآن ذاته.

الفصل بين المعيش والفكري، إذن، ليس تجريدًا فنيًا محايدًا، بل تزييفٌ لبنية التجربة نفسها، إذ يفترض هذا الفصل إنسانًا مشطورًا لا وجود له إلا في أذهان النقاد.

حين تُكتب المعاناة اليومية بمعزل عن سؤالها الكبير، تتحول إلى شهادة عابرة، تُثير التعاطف اللحظي ثم تُنسى بانطواء الصفحة، لأنها لا تحمل ما يجعلها تتجاوز صاحبها إلى قارئها. وحين يُكتب السؤال الفكري الكبير بمعزل عن جسده المعيش، يتحول إلى محاضرة مقنّعة بثوب سردي، باردة رغم رصانتها، لأن القارئ لا يجد فيها من يشبهه ليتماهى معه. المزج، هنا، هو الشرط الذي يمنح المعيش ديمومته، ويمنح الفكرة دمها ونبضها.

في المرحلة الراهنة تحديدًا، نحن نعيش زمنًا تتزاحم فيه الانكسارات الملموسة (حروب، تهجير، قتل، انهيار سياسي واقتصادي) مع أسئلة وجودية معلّقة لم تُحسم بعد:

 من نحن؟ إلى أين ننتمي؟ ما معنى العدالة في عالمٍ فقد موازينه؟

في زمنٍ كهذا، يصبح الفصل ترفًا لا تحتمله لحظة القراءة نفسها، فالقارئ العربي اليوم لا يقرأ باحثًا عن ترف الفكر، ولا عن محاضرة معزولة عن ألمه، بل يقرأ باحثًا عن مرآةٍ تجمع له الاثنين معًا، لأن هذا بالضبط ما يعيشه هو في حياته اليومية.

أستطيع القول من خلال تجربتي المتواضعة: باني كلما حاولت الفصل بين البُعدين، شعرتُ أن النص يخونني. حين كتبت مرة فصلًا وصفيًا خالصًا عن مشهد وداع امي في المطار، وجدته يقف عاجزًا عن قول ما أريد، وحين حاولت، في محاولة أخرى، أن أكتب عن الهوية بصيغة تأملية مجردة، وجدت الجملة تفقد نبضها وتتحول إلى قول عام يشبه ألف قولٍ سبقه. لم أصل إلى الصوت الذي أعرفه إلا حين جعلت المشهد نفسه يحمل السؤال، لا حين أضفتُ السؤال إلى المشهد من الخارج.

لذلك، فإن المزج، في تصوري، ليس خيارًا ثالثًا وسطيًا بين طرفين متنازعين، هو الاسم الحقيقي لما تكونه الكتابة حين تكون صادقة مع بنية التجربة الإنسانية ذاتها: كتابة لا تسأل "هل أصف أم أفكر؟"، بل تدرك أن الوصف الحقيقي تفكيرٌ متجسّد، وأن التفكير الحقيقي وصفٌ لما لم يُرَ بعد بوضوح.

***

س34: أ. مراد غريبي: هل هناك مشروعٌ لم يكتمل بعد وتودّين أن يعود إليه القارئ لاحقًا بوصفه جزءًا مؤجلًا من تجربتكِ؟

ج34: أ. سعاد الراعي: نعم، أنوي، متى أتيحت لي فسحةٌ من الوقت لا تُنازعني فيها قضية أو حدث، العودة إلى مشروعٍ ظل معلّقًا على عتبة الاكتمال، أجّلته زحمة قضايا ملحّة فرضت حضورها عليّ فرضًا، ولم تترك لي هامش المراوغة:

انوي، استكمال سيرتي الذاتية "بين غربتين" بجزأيها الثاني والثالث. فإن كان الجزء الأول منها نقطة الانطلاق التي تفرّعت منها كل الدروب التي سلكتُها بعده، بذرةً أولى نمت منها ثمار تجربتي كلها، فأتصوّر أن الجزأين القادمين سيجمعان الروافد المتناثرة لهذه التجربة في مجرًى واحد، حين يحين أوانهما، ويستريح ماؤها المتفرق في مصبٍّ لطالما انتظرته.

وأعترف، بصراحةٍ لا تجميل فيها، أن هذا الموعد يظل رهين احتمالٍ لا أملك ضمانه ولا أملك زمامه. فقد عانيت هذه الحالة مرارًا حتى صارت جزءًا من إيقاع كتابتي نفسه: كلما شرعتُ في تسويد بضع صفحاتٍ من الجزء الثاني، اقتحمت هدأتي، دون استئذان، قضيةٌ عابرة أو فكرةٌ طارئة أو مشروع روايةٍ وليد، فأترك ما بدأته معلّقًا في منتصف جملته، وأضع خطة للعمل الجديد خشية أن تتفكك فكرته أو تضيع في زحام الذاكرة، وما إن تكتمل تلك الخطة حتى أشرع في تنفيذها فأُبحر بعيدًا عن شواطئي الأولى، تاركةً "بين غربتين" على رصيف الانتظار. وهكذا تتكرر الرحلة، ويتجدد الرحيل عن الميناء ذاته، مرةً تلو أخرى، دون أن أبلغ الوجهة التي رسمتها لنفسي منذ زمن.

وحين يسألني أحد الأصدقاء، بمودةٍ لا تخلو من إلحاحٍ رقيق، عن موعد صدور الجزء الثاني من "بين غربتين"، أقف بلا جواب، عاجزةً عن أن أَعِد بما لا أملك يقين تحقيقه، لأنني، في هذه المرحلة من مسيرتي، أجدني أكثر تفاعلًا مع ما يحيط بي من مظاهر وقضايا انسانية شائكة أراها جديرة بالتوقف عندها والانحياز إليها، من تفاعلي مع مشروعي الشخصي الذي ينتظرني بصبرٍ لم أكافئه بعد بما يستحق.

ومع ذلك، فإن هذا التأجيل، لا يعني تخليًا عن المشروع ولا نسيانًا له، بل هو تأجيلٌ يشبه صمت البذرة تحت التراب قبل أن تجد لحظتها للإينـاع. فأنا أحمل هذين الجزأين معي أينما ذهبت، حاضرين في وعيي وإن غابا عن الصفحة، وأثق أن اللحظة التي ستفرض عليّ العودة إليهما ستأتي حين تهدأ عاصفة القضايا الآنية التي تستحوذ عليّ اليوم، أو حين أدرك أن سردي الذاتي هو، في نهاية المطاف، أعمق التزامٍ يمكن أن أفي به تجاه القارئ الذي رافقني منذ "بين غربتين" الأولى، وما زال ينتظر أن يعرف كيف امتدت الغربة، وأين استقرت، وهل وجدت، بعد كل هذا الترحال، وطنها الأخير.

***

س35: أ. مراد غريبي: لدي سؤال حساس وجوهري نوعا ما، ماذا هناك بين مهد الحضارات عراق الإبداع بكل تمثلاته وألمانيا ما بعد الحداثة؟

ج35: أ. سعاد الراعي: ما بينهما ليس هاوية أسقط فيها كلما تنقلت بين ذاكرتين، بل جسرٌ أعبره يوميًا دون أن أصل به إلى ضفة نهائية واحدة.

العراق يمنحني الجذر: لغتي الأولى، إيقاع طفولتي، الأسئلة الكبرى التي وُلدت من أرضٍ عرفت الكتابة قبل أن تعرفها البشرية كلها.

وألمانيا تمنحني أداة النظر: مسافة نقدية، وأفقًا فلسفيًا تفكيكيًا يتيح لي أن أُعيد قراءة ذلك الجذر بعينٍ متأملة، بعيدًا عن قداسةٍ تحجب عني حق النقد....

وما بينهما، في تصوري، هو موقع الكتابة نفسها بعينه:

أقيم في مسافة العبور، لا في ضفةٍ واحدة تحسم انتمائي، وهذه المسافة ذاتها هي ما وهبني، في نهاية المطاف، كل ما كتبته حتى الآن.

كتبت عن بلدي من منظور التحولات التي عرفها خلال منعطفاتٍ كثيرة، بلغ أعنفها ذروته بعد عام 2003، حين تحوّل العراق إلى مختبرٍ تطبيقي لنظرية اقتصادية متطرفة، تصفها نعومي كلاين في القسم السادس من كتابها "عقيدة الصدمة" بوصفها أداةً استُخدم بها الغزو الأمريكي لفرض مشروعٍ نيو ليبرالي راديكالي على العراق تحت غطاء خادع وهو نشر الديمقراطية وحريتها.

وما ترتب عليه بعد نجاحه بامتياز من استهداف للوطنية وللدولة ذاتها في كيانها، إذ أُلغي كل شكلٍ من أشكال الإدارة الوطنية، وفُتحت الأبواب على مصاريعها لشركاتٍ أجنبية اغلبها وهمية، جشعة أعادت رسم البلاد وفق مصالحها، عابثةً بمقدّراته وتاريخه وحضارته، حتى نُهبت آثاره ومخطوطاته، وغدا البلد المستباح مؤسسةً شكلية تُدار من خارجها.

ذلك الجرح ما يزال، حتى اليوم، ينزّ في داخلي كلما استعدتُ صورة الوطن التي عرفتها.

ومع كل هذا الألم، أتمسّك بقناعةٍ راسخة: أن الانتماء إلى ثقافتين لا يعني انشطار الهوية، ولا خيانة إحداهما لصالح الأخرى، بل يعني "حين يحمله الإنسان بوعي"، إغناءً وتكاملًا يفوق ما تمنحه هويةٌ واحدة مغلقة على نفسها. والخطر الحقيقي لا يكمن في ازدواج الانتماء، بل في إرغام الإنسان على الاختيار بين ضفتيه، بدافعٍ يسعى إلى إنكار إحداهما نهائيًا. فالمثقف المنفي يحمل امتيازًا معرفيًا نادرًا:

أن يرى العالمين معًا في لحظةٍ واحدة، لا خسارةً لأحدهما لصالح الآخر، بل مكسبًا يتيح له أن يقرأ كل ثقافةٍ بعين الأخرى، فيتضاعف بصره بدل أن يتشتت.

وما فعلتُه ليس بدعة، لقد سبقني إليه الكثير، واولهم الشاعر الألماني الكبير غوته، أعظم أسماء الأدب الألماني، حين انفتح في أواخر ايامه على قراءة القرآن الكريم، وعلى شعر حافظ الشيرازي، فكتب ديوانه الكامل في حوارٍ مباشر مع الشرق، معلنًا أن الروح الألمانية لا تكتمل إلا حين تواجه الشرق وتحاوره، لا حين تتجاهله. وفي هذا المثال ما يكشف أن التمثّل الحضاري بين الشرق وألمانيا ليس اختراعًا استحدثته ظروف اللجوء، بل تراثٌ فكري ألماني عريق، يمكن ان يمنح تجربتي عمقًا تاريخيًا كانت تنتظره منذ زمن.

***

حاورها الأستاذ مراد غريبي

صحيفة المثقف

2/9/2026

 

في المثقف اليوم