خاص بالمثقف: الحلقة الخامسة، مع الأديبة المبدعة الأستاذة سعاد الراعي، ضمن مدارات حوارية، وحوار شامل أجراه معها الأستاذ مراد غريبي، حول تجربتها الإبداعية وأعمالها الأدبية وآفاقها الفكرية، فأهلاً وسهلاً بهما:
***
س25: أ. مراد غريبي: هناك مناطق في التجربة الشخصية يختار بعض الكتّاب أن يمروا بها سريعًا، بينما تفضلين أنتِ التوقف عندها أحيانًا والصمت عنها أحيانًا أخرى. كيف تحددين ما يُقال وما يُترك في منطقة الظل؟
ج25: أ. سعاد الراعي: نعم، للكاتب، وهو يعبر جسور تجربته الشخصية، سلطةٌ خفية يوزّع بها الضوء والعتمة على مساحات نصّه، فيمنح هذه اللحظة بريقًا ويترك تلك في كنف الظل. وما هذا التوزيع بفعل عشوائي يجري على هوى اللحظة، بل هو اختيارٌ واعٍ، يشبه يد النحّات حين تقرر أين تُبقي الرخام خامًا وأين تُطلق منه الملامح.
كثيرًا ما أكتب عن موقفٍ أو لحظةٍ تختمر في الذاكرة، فأتردد بين يدي القول، ثم أراني أمحوها بيدٍ أخرى، شعورا بالمسؤوليةً تجاه ما يستحق أن يُقال وما يليق أن يبقى صامتًا.
أقرب مثال يحضرني، وأوثقه صلةً بجوهر هذا السؤال، هو ما اختبرته في كتابة السيرة الذاتية. فالكاتب، حين يخوض غمار السرد الذاتي، قد يتعمّد الصمتَ لا عجزًا، بل بلاغةً، إذ إن الصمت في بعض المواضع أشدُّ فصاحةً من ألف كلمة، وأعمق أثرًا من إفصاحٍ يُسيل كل شيء على سطح النص.
ففي روايتي "بين غربتين"، حين يقف الزوج أمام زوجته معلنًا أنه "قد تغيّر، وليس هو نفسه الذي عرفته في الوطن... لا يُفسّر ما جرى، ولا تسأله هي عمّا يعني، ويبقى الصمتُ، كوريث شرعي للكلام المؤجَّل، سيّد الموقف حتى آخر صفحة في السيرة. غير أن هذا الصمت لم يكن فراغًا معلَّقًا، بل بذرةً تنمو ببطء عبر تداعيات البطلة ومحاولاتها المتكررة لفهم ما استعصى عليها، فيتكشّف السبب أمام القارئ شيئًا فشيئًا، وإن ظل معلَّقًا في أفق رؤية واحدة، رؤية البطلة وحدها، تاركًا المسألة جرحًا مفتوحًا لا يندمل إلا برحيل الحكاية.
وهذا يؤكد أن الصمت ليس غيابًا للمعنى، بل شكلٌ آخر من أشكال حضوره، انعكاسًا لحيرة البطلة وارتجاجات غربتها الداخلية. فأحيانًا لا نُخفي الحدث خوفًا منه، بل رفضًا لإغراء الشمول، لإغراء أن نكشف كل شيء ونُفرغ التجربة من غموضها الخصب. وهنا بالضبط تولد منطقة الظل، تلك التي قد تكون، في لحظات معينة، أكثر بلاغةً وصدقًا من كل بوحٍ سافر.
وثمة بُعدٌ آخر لا يقل جوهريةً: أن قرار الصمت قد يكون، في جوهره، موقفًا أخلاقيًا قبل أن يكون خيارًا جماليًا. فأنا أتحاشى أن أُصدر حكمًا قاسيًا أو جائرًا على شخصٍ أو أشخاصٍ لا أريد أن أُلحق بهم أذًى، حتى وإن تسترتُ خلف أسماء مُعارة أو صفاتٍ عابرة لا تكشف هويتهم.
فالكتابة، مهما بلغت صدقها، تظل مسؤولة عمّن تمسّهم كلماتها، أحياءً كانوا أم راحلين.
باختصارٍ يُجمل هذه الرحلة: أتوقف حين يكون التفصيلُ اللاحق هو ما يُنطق المعنى الحقيقي، حين تصير اللحظة المؤجَّلة أشدَّ دلالةً من الحدث ذاته.
وأصمت حين يكون البوح سيفًا يجرح سمعة الآخرين وتاريخهم، حتى وإن غابوا عن دنيانا ولم يعودوا قادرين على الدفاع عن أنفسهم.
فما بين البوح والصمت، تقف الكتابة على حافةٍ رفيعة، توازن فيها بين حق القارئ في المعرفة، وحق التجربة في أن تحتفظ بجزءٍ من سرّها، وحق الآخرين في ألا تُستباح خصوصيتهم باسم الصدق الأدبي.
***
س26: أ. مراد غريبي: هل شعرتِ يومًا أن الوفاء للذاكرة قد يضعكِ في مواجهة مع المسافة النقدية التي يحتاجها الكاتب ليرى تجربته بوضوح؟
ج26: أ. سعاد الراعي: نعم، وليس مرة واحدة، كأن الكتابة نفسها لا تكفّ عن نصب هذا الفخ أمام من يكتب عن الفقد. الوفاء للذاكرة إغراءٌ خادع، فهو يُقنعك أن الصدق مرادفٌ للاحتفاظ بكل شيء كما وقع، بينما الحقيقة أن الذاكرة حين تُترك بلا مسافة تتحول من مادةٍ للكتابة إلى قيدٍ عليها.
اختبرتُ هذا التصادم في ذروته حين حاولتُ الكتابة مرة عن وداع امي وأخرى عن وداع أبي في يوم سفري من العراق. كتبتُ النصين بعد سنوات من وفاتهما، وبالرغم من ذلك لم أكن قد تجاوزتُ اللحظة فعليًا، بل أجّلتها فحسب...
كانت الذاكرة، في المسودة الأولى، هي من يُملي عليّ لا أنا: رائحة غرفتهما، صورتهما الأخيرة، نبرة اصوتهما الأخيرة، قُبلاتهما على جبيني، الوصية التي لم أستطع نسيان كلمة منها. وحين خشيتُ أن أفقد تفصيلًا واحدًا، ثبّتُّ كل شيء حرفيًا، وكأن أي حذفٍ خيانة. فخرج نصٌّ غارقٌ في تفاصيل حسّية مؤلمة حتى النزف، يُقرأ من الداخل فقط، إذ لم يكن فيه من يرى المشهد من موضعٍ خارجه.
هذه التجربة، على خصوصيتها، تكشف عن معضلة أعمق تتجاوز سيرتي إلى سيرة الكتابة الذاتية بوصفها: الوفاء المطلق للذاكرة يُنتج شهادةً توثيقية، لا نصًا. الشهادة تُقال، أما النص فيُرى ويُنقل. وبين القول والرؤية مسافةٌ لا مفرّ منها، هي عينها ما تحدثت عنه فرجينيا وولف حين ميّزت بين اللحظة كما تُتلقّى كصدمةً خامًا، واللحظة كما تُعاد صياغتها كلماتٍ مرتّبة بيد الكاتب لا بيد الفجيعة.
فاللحظة المؤلمة، لا تصير أدبًا إلا حين تعبر هذا الحدّ الفاصل بين التلقي والتشكيل.
من هنا أعدتُ فهم ما جرى معي: اضطراري لانتظار سنوات إضافية قبل الكتابة، وتحويل ضمير الكتابة من المتكلم إلى الغائب، لم يكن تنصّلًا من والديَّ ولا من الحدث، لقد كان الشرط الوحيد الذي مكّنني من رؤية المشهد بدل معايشته من جديد في كل جملة أكتبها.
وهذا، في تقديري، جوهر العلاقة الملتبسة بين الذاكرة والكتابة: الوفاء لا يعني نسخ التجربة كما وقعت، بل تأويلها بأمانة، والتأويل فعلٌ يستلزم مسافة بالضرورة. المسافة النقدية إذن ليست خيانةً للذاكرة كما بدت لي أول الأمر، بل هي الشرط الذي يجعل الوفاء لها ممكنًا أصلًا، والجسر الوحيد الذي يتيح لصدق التجربة أن يعبر من الداخل الشخصي إلى الآخر القارئ.
***
س27: أ. مراد غريبي: في بعض ما كُتب عنكِ، تُقرأ سعاد الراعي كصوت امرأة جريحة ومنفية، بينما تُقرأ في نصوص أخرى ككاتبة تشاغل أسئلة التبني والخيانة والحقيقة والذاكرة، أيّ هذه الصور تظنينه الأقرب إليكِ، وأيّها يظلم تعددكِ الإنساني والفكري؟
ج27: أ. سعاد الراعي: لا أرى الصورتين متقابلتين بقدر ما أراهما وجهين لعملة واحدة أُسيء توزيع وزنها بين طرفَيها. فالجرح لم يكن يومًا غاية كتابتي، بل نقطة انطلاقٍ قادتني إلى الأسئلة الكبرى:
من يملك حق تسمية الوقائع؟ ومن يقرر أيّ ذاكرة تُصدَّق وأيّها تُطوى في الظل؟
وقبل أن أتوقف عند القراءتين، أُقرّ بأن كلًّا منهما ربما نشأ من الاكتفاء بنصٍّ بعينه، لا من استقراء المشروع كاملًا، فالقراءة الجزئية تُنتج، بالضرورة، صورةً جزئية. ومع ذلك، فإن الوقوف عند هاتين الصورتين تحديدًا مفيدٌ، لأنهما تكشفان طرفَي المعادلة التي يقوم عليها كل نصٍّ أكتبه.
فإذا اختُزلت في صورة "المرأة الجريحة" وحدها، ظُلمت فيّ الفكرة التي حوّلت الجرح إلى سؤال، وأُسقط عن التجربة بُعدها المعرفي لصالح بُعدها العاطفي وحده فقط.
وإذا اختُزلت، في المقابل، في "الكاتبة الإشكالية" وحدها، جُرِّد النص من دمه ومن الجسد الذي كتبه، وتحوّلت الفكرة إلى تجريدٍ بلا مصدر، كأن الأسئلة الكبرى تهبط من عليائها لا تُولد من جرحٍ بعينه.
تعدّدي الإنساني، إذن، لا يُختزل في تفضيل صورةٍ على أخرى، بل في تسمية ما بينهما، ذلك أن إحدى الصورتين ليست نقيض الأخرى، بل شرطها أو نتيجتها: فالجرح الذي لا يُساءل يبقى مجرد صرخة، والسؤال الذي لا يصدر عن جرحٍ يبقى تجريدًا معلّقًا في الفراغ.
***
س28: أ. مراد غريبي: حين يكتب القريب عن القريبة، تتبدّل زاوية الرؤية: فالمحبة قد تُضيء ما يغفله الآخرون، لكنها قد تُلقي أيضًا ظلًا إضافيًا على النص، هل وجدتِ فيما كُتب عنكِ من داخل الدائرة القريبة إنصافًا لتجربتكِ، أم شعرتِ أحيانًا أن القرب العاطفي يخفف من استقلال صوتكِ الأدبي؟
ج28: أ. سعاد الراعي: أظن أن القرب من الكاتب يمنح القارئ مفاتيح لا يملكها الآخرون، لكنه قد يغريه أيضًا بأن يفتح أبوابًا ينبغي أن تظل للنص وحده. ولهذا أتعامل بحذر مع ما يُكتب عني من داخل الدائرة القريبة، فالمحبة تستطيع أن ترى ما قد يفوت عين القارئ البعيد، غير أنها قد تجعل الرؤية أكثر دفئًا مما ينبغي، فتغدو الكتابة عن التجربة امتدادًا للعلاقة بدل أن تكون قراءة لها. وفي الأدب، تظل المسافة شرطًا ضروريًا لكي يحتفظ النص بحريته، ولكي تُرى الكتابة بوصفها كيانًا قائمًا على لغته ورؤيته وبنيته، لا بوصفها سيرةً أخرى لعلاقة شخصية.
لقد عانت الكاتبة العربية طويلًا من حضور ما يحيط بها في الطريقة التي يُنظر بها إلى أدبها، إذ كثيرًا ما انصرف السؤال إلى من كان وراءها، ومن شجعها، ومن قدّمها، ومن رافق بداياتها، حتى بدا أحيانًا أن الطريق إلى النص يمر عبر الأشخاص المحيطين بصاحبته. وهذا يضع الكاتبة أمام امتحان مزدوج:
أن تكتب صوتها الخاص، وأن تحمي هذا الصوت في الوقت نفسه من أن يتحول إلى صدى للأصوات التي أحاطت به. لذلك أعتقد أن إنصاف التجربة يبدأ حين يُترك للنص أن يقف على قدميه، وأن تُقاس قيمته بما يقترحه من لغة ورؤية وأسئلة، لا بدرجة القرب ممن كتب عنه.
ومع ذلك، لا أرى في القرب عائقًا بالضرورة. فهناك أشياء لا تُرى من الخارج: لحظات التكوين، التحولات الصامتة، المخاض الذي يسبق الكتابة، والسنوات التي تتراكم خلف جملة واحدة. من عاش قريبًا من التجربة قد يعرف عنها ما لا يعرفه قارئ عابر، وهذه المعرفة يمكن أن تمنح القراءة عمقًا إضافيًا.
لكن امتلاك مفاتيح البيت لا يعني امتلاك الحق في تغيير ترتيب غرفه، فالمعرفة بالسيرة تمنح سياقًا، بينما يظل النص صاحب الكلمة الأخيرة في تحديد عالمه ودلالاته.
وقد عشت هذا الفرق في تجربتي. في بداياتي، كانت هناك كتابات وقراءات تعريفية قدّمني فيها زوجي إلى القراء والزملاء في صحيفة المثقف.
كانت وظيفتها آنذاك أن تفتح الباب أمام تجربتي وأن تجعلها مرئية في محيطها الأدبي، ولذلك أراها اليوم جزءًا من مرحلة التعريف والتقديم أكثر مما أراها فعلًا نقديًا. أما حين يكتب عن نصوصي اليوم، فقد تغيّر موقعه من الكتابة، إذ يتعامل مع العمل بوصفه نصًا ادبيا قبل أن يكون نصًا لزوجته، ويقرأه من داخله، من لغته وبنيته ودلالاته، متكئًا على الفكرة التي رسخها النقد الحديث حول استقلال العمل عن صاحبه، وما يتيحه مفهوم "موت الكاتب" من تحرير النص من سلطة السيرة والنوايا الشخصية.
لهذا لا أشعر أن القرب العاطفي ينتقص بالضرورة من استقلال صوتي الأدبي. ما يهدد الاستقلال هو أن تتحول المحبة إلى سلطة تفسيرية مفروضة، وأن يصبح القرب حجابًا يحول دون رؤية النص كما هو. أما حين تتحول المعرفة الشخصية إلى قدرة على الإنصات والفهم، فإنها قد تصبح إضافة حقيقية للقراءة.
القريب يعرف الطريق الذي قطعه النص قبل أن يصل إلى صفحته الأخيرة، لكنه حين يبدأ القراءة النقدية عليه أن ينسى، قدر الإمكان، أنه يعرف صاحبه.
وأنا أميز دائمًا بين الكتابة التي تأتي من المحبة والكتابة التي تتأسس على النقد. الأولى أقدّر قيمتها الإنسانية وأعرف ضرورتها في لحظات كثيرة، لكنها تظل كتابة دعم وشهادة وجدانية. أما الثانية فتحتاج إلى شجاعة أخرى:
أن تمنح النص حقه في أن يُمدح حين يستحق، وأن يُسأل ويُناقش ويُختلف معه حين تقتضي القراءة ذلك. عند هذه النقطة تحديدًا يصبح القرب فضيلة معرفية بدل أن يكون قيدًا عاطفيًا، إذ يستطيع القريب أن يشهد للتجربة من الداخل، ثم يتراجع خطوة ليترك النص وحيدًا أمام القارئ. وربما كان هذا هو الإنصاف الحقيقي:
أن يعرفني من يكتب عني، ثم يقرأني كما لو أن النص قد خرج من يدي إلى العالم، وصار له حقه الكامل في أن يُرى بعيدًا عن ظلال العلاقة.
(يتبع)
***
حاورها: الأستاذ مراد غريبي - صحيفة المثقف
27/8/2026








