عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

مدارات حوارية

المثقف تحاور الأديبة المبدعة الأستاذة سعاد الراعي في مدارات حوارية (2)

خاص بالمثقف: الحلقة الثانية مع الأديبة المبدعة الأستاذة سعاد الراعي، ضمن مدارات حوارية، وحوار شامل أجراه معها الأستاذ مراد غريبي، حول تجربتها الإبداعية وأعمالها الأدبية، فأهلاً وسهلاً بهما:

***

س5: أ. مراد غريبي: متى شعرتِ أن التجربة الشخصية لم تعد تكفي بوصفها ذاكرةً، وأنها تحتاج إلى أن تتحول إلى كتابة؟

ج5: أ. سعاد الراعي: لا يمكن ردّ ذلك الشعور إلى تاريخ محدد أو حادثة بعينها، فقد تبلور عبر مسار طويل من السنين. فبعض التحولات تنمو في صمت وتراكم، حتى تكتشف أن الذكريات القديمة تحولت إلى سؤال وجودي ملحّ لا يجد اكتماله إلا في الكتابة.

سنوات طويلة مضت وأنا منشغلة بإيقاع الحياة اليومي، الدراسة، والعمل، ومسؤوليات الأسرة، وتربية الأبناء. وكانت متطلبات الواقع لا تترك مجالًا للتأمل في الذات أو الإصغاء إلى ما كانت تختزنه الذاكرة من تجارب وأسئلة مؤجلة. وهكذا كانت الحياة تسبقني دائمًا بخطوة.

حين انتهت المرحلة الوظيفية، ودخلت فضاء التقاعد، وجدت نفسي للمرة الأولى في مواجهة هادئة مع ذاتي. كان الصمت الذي بدا في ظاهره فراغًا، امتلأ فجأة بأصوات الماضي، أحداث ظننت أن الزمن طواها، فإذا بها تعود أكثر وضوحًا وإلحاحًا. عندها أدركت أن الذاكرة التي تطالبنا بحفظ الوقائع، تطالبنا بفهمها، وأن بعض التجارب تظل ناقصة ما لم تُمنح اللغة التي تكشف معناها.

تجاوزت تلك الذكريات حدود الصور العابرة، فأصبحت ثقلًا وجدانيًا يبحث عن معنى ويعيد إليها توازنها. ومع تدفق الأسئلة في داخلي، اتجه وعيي إلى الكتابة بوصفها ضرورة معرفية ونفسية، تمنح التجربة انتظامها، وتكشف دلالاتها الخفية، وتنقلها من خصوصية المعاناة الفردية إلى فضاء الخبرة الإنسانية المشتركة.

ثم جاءت تجربتي، بعد التقاعد، في العمل، مترجمةً داخل مراكز للتأهيل النفسي والاجتماعي، لتمنح هذا الشعور عمقه الحقيقي. هناك، وأنا أرافق حكايات الآخرين وآلامهم، اكتشفت أن الإنسان لا يتحرر من أثقال ذاكرته بإنكارها، بل بمواجهتها وفهمها. وأدركت، من خلال تلك التجربة الإنسانية والعلمية، أن الكتابة مع كونها فعل تسجيل للوجع، هي فعل شفاء ايضا، لأنها تمنح الألم لغة، وتمنح الفوضى نظامًا، وتعيد إلى التجربة توازنها بعد أن كانت مجرد شظايا مبعثرة في الذاكرة.

في تلك المرحلة بدأت أدوّن ما عشته، لا بنيّة النشر، ولا بحثًا عن قارئ، وإنما استجابة لذلك الإلحاح الداخلي الذي لا يهدأ إلا على بياض الورق. كنت أكتب لأفهم أكثر مما أكتب لأروي، ولأتصالح مع الماضي أكثر مما أكتب لاستعادته. ومع مرور الوقت، أخذ يتكشف لي أن تلك التجربة لم تعد تخصني وحدي، وأن ما تحمله من أسئلة ومعاناة يتجاوز حدود السيرة الشخصية، ليلامس خبرة إنسانية مشتركة.

ومن هذا الوعي ولدت رواية "بين غربتين" بجزئها الأول، كثمرة لتحول داخلي عميق، وحوارًا ممتدًا مع الذات يعيد قراءة التجربة في ضوء دلالاتها الكامنة. ومنذ ذلك الحين غدت الكتابة وسيلة لاستنطاق الذاكرة وتأمل الذات، ومنح التجربة الإنسانية أفقًا يتجاوز صاحبها ليصل إلى القارئ في فضاء المشاركة والفهم.

***

س6: أ. مراد غريبي: جميل جدا، لكن متى تتحول التجربة في وعيكِ من معيشٍ صامت إلى مادة قابلة للكتابة؟ وهل يتم هذا التحول بدافع داخلي تلقائي أم عبر مسافة تأملية واعية؟

ج6: أ. سعاد الراعي: تتحول التجربة من لحظة لا تحمل ملامح الحدث المفرد، وإنما تنضج ببطء عبر مسار ممتد من التراكم الداخلي، يتحقق هذا التحول عبر مسار ممتد عبر إجاباتي، كما أشرتُ سابقًا.

أما عن طبيعة هذا التحول، فهو يجمع بين قوتين متعاقبتين لا بين دافع واحد يستأثر بالمسار كله.. فالبداية تنبثق من إلحاح داخلي تلقائي، يشبه فيضا لا تسبقه خطة ولا يستدعيه قرار واعٍ، إذ تتدفق الأسئلة بوتيرة تفوق الإجابات المتاحة، وتتحول الذكريات المتناثرة إلى ثقل وجداني يبحث عن نسق يجمع شتاته. غير أن هذا الاندفاع الأول، على حرارته، يظل مادة خاما تحتاج إلى مسافة تأملية تنضجها وتعيد ترتيبها في صورة قابلة للتدوين. وقد منحتني هذه المسافة تجربتي اللاحقة في طبيعة عملي، مترجمة، كما ذكرت في اجابتي السابقة. ومن التقاء هذين المصدرين، الاندفاع الداخلي والمسافة التأملية التي أتاحها الصمت أولا والاحتكاك بتجارب الآخرين لاحقا، بدأت أدوّن ما عشته. وهنا أستعيد ما أشرت إليه آنفًا عن ان الكتابة عندي استنطاق للذات قبل أن تكون استعراضًا للماضي

 أستطيع القول إذن إن التحول، إنما يتشكل عبر حركة مزدوجة تتعاقب فيها لحظة الاندفاع التلقائي مع لحظة التأمل الواعي، فالأولى تفتح الباب على الذكرى وتمنحها إلحاحها الأول، والثانية تهبها النظام واللغة اللذين يحولانها من ثقل داخلي إلى نص يحمل معناه إلى غيري.2292 soad alraei

س7: أ. مراد غريبي: لنغوص أكثر في نصوصكِ حيث يتجاور السرد مع التأمل، والبوح مع التفكير، ماهي المؤثرات الأولى التي شكّلت هذه الحساسية المركبة لديكِ؟

ج7: أ. سعاد الراعي: أرى أنّ التجاور هنا ليس دقيقًا، فالعلاقة بين السرد والتأمل بنيوية لا عارضة، إذ إن الصلة بين السرد والتأمل في تجربتي الكتابية تتجاوز مجرد التقابل أو التلاقي العارض بين مسارين مستقلين، لتتجسد في بنية واحدة تتشابك عناصرها وتتساند مكوناتها. فالحكاية تنبثق، في هذا السياق، متصلة بالسؤال، كما يكتسب البوح اكتماله حين يعبر فضاءً من الوعي الساعي إلى استيعابه وتأويل طبقاته الخفية. ومن ثمّ، فإن هذه الحساسية لم تظهر بوصفها اختيارًا جماليًا طارئًا في مسار الكتابة، وإنما تبلورت كامتداد طبيعيًا لتكوينٍ تداخلت في تشكيله روافد متعددة وتجارب متباينة.

يتمثل أول هذه المسارات في خلفيتي الأكاديمية التي أسهمت في تشكيل رؤيتي للكتابة، فقد انطلقت تجربتي من تكوين معرفي وعملي، إذ نهلت من علوم الاقتصاد السياسي والإدارة والتخطيط، والتي أتاحت لي النظر إلى الظواهر في مستوياتها العميقة، متتبعة دوافعها الكامنة، والبنى التي تتولد عنها الأحداث، والصلات المستترة التي تصل الفرد ببيئته الاجتماعية ومساره التاريخي. ولهذا، عندما أتناول تجربة أي شخصية في الكتابة، فإنني أتعامل معها ضمن شبكة أوسع من الدلالات والسياقات، فالمهم عندي يتصل بالكشف عن الشروط التي أسهمت في تشكلها، وما يمكن أن تضيئه بشأن علاقتها بالآخر ومحيطها.

لهذا، حين أعدتُ في رواية "بين غربتين" صياغة مشهد الوصول إلى مطار صوفيا وسط تساقط الثلج، انفتح المشهد أمامي على دلالة تتجاوز حدود الاغتراب المكاني، إذ أفضى إلى سؤال أكثر عمقًا يتعلق بالكيفية التي تتحول بها الغربة إلى تجربتين متداخلتين: غربة المكان، وغربة اكتشاف أن الإنسان الذي قطعت المسافات من أجله قد تبدّل، ولم يعد الصورة التي استقرت في الذاكرة. وتأتي هذه الرؤية امتدادًا لتكوينٍ معرفي رسّخ لديّ، حول أهمية النفاذ إلى ما وراء الظواهر، حيث يتوارى خلف المشهد الخارجي مستوى أعمق من المعاني التي تستدعي التأمل والكشف.

أما الوجه الآخر لهذه الحساسية فقد تبلور من خلال الاحتكاك المباشر بالتجربة الإنسانية، وخصوصًا عبر عملي مترجمةً. ففي تلك البيئات اقتربت من معاناة الآخرين، وشهدت الكيفية التي قد يحمل بها الإنسان جراحه لسنوات ممتدة قبل أن يعثر على اللغة التي تمنحه القدرة على الإفصاح عنها. ومن خلال هذا القرب الحميم من التجارب الإنسانية أدركت أن الكتابة، إلى جانب بعدها الجمالي، تحمل إمكانية استعادة الذات لذاتها، إذ يتيح التعبير عن الألم مسافةً تأملية يتحرر فيها الإنسان تدريجيًا من أسر التجربة، فيعيد النظر إليها ويعيد تشكيل صلته بها.

ومن هنا جاء فهمي للكتابة كمساحة تلتقي فيها التجربة بالتأمل، فالمرأة التي عاشت الحدث ليست هي نفسها المرأة التي تكتبه بعد سنوات. بين الاثنتين مسافة ضرورية تمنح الألم معنى، وتحوّل الذاكرة من عبء إلى معرفة.

أما البوح فقد تَكوّن في داخلي تحت تأثير بيئة عائلية كان للصمت فيها حضور دالّ يوازي حضور الكلام. فقد نشأت في بيتٍ ذاق وطأة القسوة السياسية، واختبر الاعتقال والملاحقة، وكان أبي مثالًا لإنسان أدرك أن الكلمة مسؤولية تتطلب وعيًا بثقلها، وأن الصمت قد يصبح في بعض اللحظات موقفًا حكيمًا تصوغه ضرورات التجربة. وفي الجهة المقابلة، فتحت أمي أمامي أفقًا آخر من المعرفة الإنسانية، إذ علّمتني، من خلال خبرتها في مجال التمريض، أن اليد التي تمتد لمداواة الجرح تحتاج إلى ثبات ورسوخ، عندما يثقل القلب بما يحمله من ألم.

بين هذين النموذجين تشكلت علاقتي بالكتابة: أن أقترب من الجرح، لكن لا أتركه يتحدث وحده، أن أمنح المشاعر حقها، لكن أن أضعها داخل إطار من الوعي والفهم.

كما كان لانتمائي إلى عائلة عاشت تجربة سياسية قاسية أثر بالغ في تشكيل هذه الحساسية وترسيخ ملامحها. فقد ترسخ لديّ منذ وقت مبكر وعيٌ بأن المأساة الإنسانية تحتاج إلى أن تتجاوز حدود الألم الشخصي لتجد طريقها نحو المعنى والدلالة. فالفقد عندما يظل حبيس التجربة الفردية يواصل حضوره بوصفه جرحًا مفتوحًا، أما حين تعبره الكتابة إلى فضاء التعبير، فإنه يتحول إلى شهادة تحفظ أثر الإنسان، ومسعى لصون ما يمكن انتشاله من الذاكرة قبل أن يطويه النسيان.

وهناك مؤثر آخر قد يبدو بعيدًا عن الأدب، لكنه كان حاضرًا بقوة في تكوين أسلوبي، وهو عملي الطويل في التصميم والخياطة. فقد علمتني هذه الحرفة قيمة البناء والدقة والصبر. فكما يحتاج القماش إلى قصّ محسوب وغرز متقنة حتى يتحول إلى ثوب متكامل، تحتاج التجربة الإنسانية إلى اختيار دقيق لما يُقال وما يُترك للصمت. الكتابة عندي تشبه هذا الفعل تمامًا.

لذا فإن امتزاج السرد بالتأمل، والبوح بالتفكير، ليس تقنية اخترتها من خارج تجربتي، هو تعبير لبنية حياتي نفسها: بين عقل تدرب على قراءة البنى الكبرى، وقلب اختبر هشاشة الإنسان، بين يد اعتادت أن تصنع الجمال بالإبرة، وقلم يحاول أن يمنح التجربة معناها بالكلمة.

وفي النهاية، تبقى الكتابة عندي فعل فهم وتحرر. إنها المساحة التي تلتقي فيها المرأة التي عاشت التجربة بالمرأة التي تحاول تفسيرها، وفي هذا اللقاء تحديدًا يتشكل صوتي السردي.

***

س8: أ. مراد غريبي: تبقى الكتابة عندك فعل فهم وتحرر، ممتاز، ترى هل يبدأ النص لديك من تجربة ثم يتجه إلى التفكير، أم أن التأمل هو الذي يستدعي السرد؟

ج8: أ. سعاد الراعي: لا يسير النص عندي في اتجاه واحد، بل يتشكل من التقاء السرد والتأمل في بنية واحدة متماسكة، ويكتمل البوح عبر وعي يسعى إلى تأويل طبقاته الخفية، حتى يغدو الفصل بين السرد والتأمل متعذرًا، لأنهما يصدران عن منبع واحد تشكل عبر روافد وتجارب متعددة في حياتي.

عندما أستدعي مشهدًا ما، لا يحضر بوصفه واقعة مجردة، وإنما يأتي مشبعًا بإحساس دلالته، فتتوارى خلف صورته طبقات من المعنى تتجلى في نصوصي. لذلك يصاحب التأمل السرد منذ نشأته إلى ما وراء الظاهر، واستكشاف دلالات المشهد منذ لحظة تشكله.

تكشف تجربتي كما سبق أن أوضحتُ وجهًا آخر لهذه العلاقة، إذ تحتاج التجربة أحيانًا إلى مسافة، فالزمن هنا ليس فاصلًا بل منضجًا للدلالة. غير أن هذه المسافة لا تفصل التأمل عن التجربة، وإنما تتيح له أن يرافقها منذ بدايتها، حتى تنضج في الوعي وتغدو نصًا قادرًا على نقل خبرتها الإنسانية.

فالنص عندي لا ينطلق من نقطة ثابتة، بل يتشكل من تفاعل دائري تتعانق فيه التجربة والتأمل منذ اللحظة الأولى.2066 soad

س9: أ. مراد غريبي: أعود الكتابة أستاذة سعاد، لأن مقارباتك لها تستدعي الحفر المعرفي بسؤال من زاوية أخرى، هل كانت الكتابة عندكِ فعل توثيق للماضي، أم محاولة أعمق لفهم الذات وإعادة صياغة علاقتها بالعالم؟

الأستاذة سعاد الراعي: الكتابة عندي، في جوهرها الأعمق، لم تكن يومًا فعلًا لتوثيق الماضي بقدر ما كانت محاولة مستمرة لفهم الذات وإعادة بناء علاقتها بالعالم. انا لا انظر للماضي كأرشيفٍ مغلق اعود إليه لاستعادة ما حدث، وإنما مادة حيّة يعاد تأويلها كلما اقتربنا منها بوعي جديد. وما تفعله الكتابة ليس حفظ الزمن كما كان، هي الكشف عما تركه ذلك الزمن في داخلنا من أسئلة وآثار وتحولات.

لهذا لا أتعامل مع الذاكرة كمستودع للوقائع، وإنما بوصفها مساحة لإعادة النظر في التجربة الإنسانية. فالحدث قد يكون مجرد لحظة عابرة، لكن عند دخوله عالم الكتابة يتحول إلى معنى، ويكتسب قدرة على تفسير الذات والآخر والعالم من حولها.

تظل رواية "بين غربتين"، الأقرب إلى السيرة الذاتية، لأنها انطلقت من تجربة شخصية حفلت بالاغتراب والفقد والتحولات الداخلية. غير أن غايتها تجاوزت توثيق تلك المرحلة إلى فهم أثرها في تشكيل رؤيتي للانتماء والغربة والعلاقة بالآخر، إذ يمنح السرد التجربة وحدتها، ويحوّل الألم من عبء صامت إلى معرفة قابلة للفهم.

أما بقية أعمالي الروائية والقصصية، فلم تنطلق من استعادة الماضي الشخصي، وإنما من الرغبة في مساءلة الواقع وكشف الطبقات الخفية خلف الظواهر التي اعتاد المجتمع التعامل معها بصفتها أمورًا طبيعية أو مسلّمات لا تحتاج إلى سؤال. فالكتابة بالنسبة إليّ محاولة لفهم الشروط النفسية والاجتماعية والفكرية التي تنتجها.

من هنا جاءت رواية "خلع الخاتم" بوصفها مساءلة لبنية التعصب الطائفي وما يولده من إقصاء وكراهية، بينما اقتربت "الحرز" من مناطق شديدة الحساسية، مثل العنف ضد الأطفال والاغتصاب وزنا المحارم، وهي جراح غالبًا ما تُخفى خلف جدران الصمت العائلي والاجتماعي. أما "الخنافس" فقد انشغلت بالصراع بين جشع رأس المال العقاري وحق الإنسان البسيط في الأرض والكرامة.

ثم إنّ سبب اختياري للقصة والرواية، هو قناعتي انهما أكثر المجالات الفنية قدرةً على الاقتراب من هذه القضايا، فالأدب يمنح القارئ فرصة معايشة التجربة الإنسانية من داخلها، عبر الشخصيات والتحولات والصراعات التي تنبض بها. فالفكرة المجردة قد تظل محكومة بمسافة تفصلها عن المتلقي، بينما تكتسب حضورًا أكثر نفاذًا حين تتجسد في شخصية تحمل ألمها، أو تنشد خلاصها، أو تواجه شروط واقعها، عندئذ تغدو التجربة مدخلًا إلى الفهم والتأمل، وتفتح أمام القارئ أفقًا يتجاوز إصدار الأحكام إلى محاولة الإدراك.

ويتصل هذا التصور بمفهوم الهوية السردية الذي صاغه الفيلسوف بول ريكور، حيث تتكون هوية الإنسان عبر الحكاية التي تمنح مسيرته الداخلية قدرًا من الترابط والدلالة. فالكتابة تنهض كفعل تأويل يعيد بناء التجربة، وينظم شظاياها، ويضيء ما يستتر فيها من معانٍ كامنة. وانطلاقًا من هذا الفهم، جاءت عودتي إلى أسئلة الفلسفة والسياسة ضمن مسار متصل بالكتابة الأدبية، إذ مثلت امتدادًا لمحاولة استكشاف الإنسان في علاقته بشروطه التاريخية والاجتماعية، وفهم الكيفية التي تتشكل بها تجربته داخل هذه الأطر.

لذلك أستطيع القول إن الكتابة، في أعمق مستوياتها تبقى النافذة التي أعيد من خلالها النظر إلى نفسي وإلى العالم. إنها فعل معرفة ومقاومة في آن واحد، مقاومة للنسيان، وللصمت، ولتطبيع القسوة، ومعرفة بالذات لا تتحقق إلا من خلال الإصغاء إلى الآخر وفهم تجربته.

وكل نص أكتبه، يعيد تشكيل علاقتي بالحياة نفسها. أعيد بها ترتيب موقعي من نفسي ومن الآخرين ومن هذا العالم. وربما لهذا السبب أشعر دائمًا بالقلق والافتقاد حين أبتعد عنها طويلًا، لأنها لم تعد مجرد ممارسة، بل أصبحت إحدى الطرق التي أعيش بها وأحافظ بها على صلتي بمعنى وجودي.

***

س10: أ. مراد غريبي: ما الذي اضافته الكتابة إلى التجربة الأصلية لديك؟ هل هي وسيلة لفهمها، أم لإعادة تشكيلها، أم لتجاوزها؟

ج10: أ. سعاد الراعي: أضافت الكتابة إلى تجربتي الأصلية طبقة أعمق من الانتظام، حوّلت بها المعيش المبعثر إلى نسق يقوى الوعي على احتوائه وتأمله. فحين أنتقل من الحدث إلى الصفحة، أستنطق التجربة، وأستدرجها إلى ضوء اللغة حتى تبوح بما كان كامنا فيها. تصير الكتابة بذلك أداة استيعاب للتجربة التي تحتاج إلى مسافة تأملية لتفتحها كي تتحول إلى دلالة قابلة للتأمل والتدوين.

ويمضي أثر الكتابة أبعد من هذا الاستيعاب إلى إعادة تشكيل التجربة ذاتها، فالمادة التي أستحضرها من الذاكرة تخرج إلى الصفحة بعد أن تكتسب نسقا جديدا لم يكن لها حين عشتها، وتنتظم في بنية دلالية تمنحها اتساقا كانت تفتقده وهي مشتتة بين الحس والانفعال. رواية بين غربتين، تحمل دليلا واضحا على هذا التحول، فما دفعني إليها كان استخلاص أثر تلك المرحلة فيَّ، وتتبع الكيفية التي أعادت بها رسم صلتي بالانتماء والغربة وبالآخر، أكثر من توثيق مرحلة أو صونها من النسيان. فالسرد هنا يمنح التجربة وحدة تفتقدها وهي شظايا متفرقة بين الذاكرة والانفعال، ويعيد ترتيب عناصرها في صورة أرسخ وأبين.

وتبلغ الكتابة غايتها الأبعد حين تتخطى حدود التجربة الفردية نحو أفق أرحب، فأعمالي الأخرى نشأت من مساءلة شروط اجتماعية وفكرية تحكم الحياة اليومية، تناولها غيري، ربما، من زاوية تختلف عن زاوية تناولي لها، او من غير أن ينتبه إليها أحد. وفي هذه الأعمال تغدو التجربة الأصلية نقطة ابتداء تتجاوزها الكتابة نحو معنى إنساني أعم، تنتقل معه المعاناة الفردية إلى خبرة مشتركة يشارك فيها القارئ نصيبه من التأمل والإدراك.

بهذا أستطيع القول إن الكتابة منحت تجربتي الأصلية ثلاثة أفعال متعاقبة ومتصلة في آن واحد، منحتها لغة تستوعبها، ثم نظاما يعيد تشكيلها، وامتدادا يفوق حدود صاحبها ليصلها بخبرة الإنسان عموما.

***

س11: أ. مراد غريبي: ماذا عن المرجعيات التي أسهمت في تشكيل هذه الحساسية التي تمزج بين البوح والتحليل؟ وهل يمكن تتبع أثرها في نصوصكِ بشكل واعٍ؟

ج11: أ. سعاد الراعي: تتجلى هذه المرجعيات في أعمالي السابقة، متجاوزة حدود تتبع آثاره في مصائر الشخصيات، بين المعرفي المكتسب والمعيش المتوارث، وتتداخل بحيث يصعب فصلها. وتأتي في مقدمتها مرجعية معرفية وجهت اهتمامي إلى قراءة الظواهر الاجتماعية بوصفها بنى قابلة للتحليل، لا مجرد وقائع تُسرد. لذلك اتجهت في بعضها إلى تفكيك التعصب الطائفي والكشف عن شروطه الاجتماعية والفكرية، يتخطى حدود تتبع آثاره في مصائر الشخصيات.

بينما تنبع المرجعية الثانية من الاحتكاك المباشر بالتجربة الإنسانية، ويتجلى أثرها من خلال الاقتراب من قضايا العنف والاغتصاب وزنا المحارم. وقد اقترن هذا الاقتراب بوعي يوازن بين عمق التجربة وضرورة المسافة التأملية، بما يصون كرامة صاحبها ويحوّل الألم إلى معنى قابل للفهم، دون تركه أسير الصدمة وحدها.

تمثل البيئة العائلية مرجعيتي الثالثة والأعمق أثرًا في تشكيل التوازن بين البوح والتحليل، فقد نشأت في بيت خبر القسوة السياسية والاعتقال والفقد، وامتدت آثار تلك التجربة إلى سيرتي اللاحقة. وكما أشرت سابقًا علمني أبي قيمة الكلمة والصمت في بناء الموقف الحكيم، وفتحت أمي آفاقًا أخرى لرؤيتي، فتكونت بين النموذجين طريقتي في مقاربة الجرح، حيث يغدو الانفعال في النص محكومًا بالوعي.

وتجلى هذا الوعي في "الخنافس" بمعالجة صراع جشع رأس المال العقاري وحق الإنسان بأرضه، إذ حرصت أن يتجاوز الفقد الفردي حدوده نحو شهادة تحفظ أثر الإنسان بمواجهة قوى أكبر.

وتضاف إلى هاتين المرجعيتين ممارستي الحرفية الفنية، التي غرست فيّ الدقة والصبر على التفصيل، والتي جعلت علاقتي بالمادة الخام قائمة على البناء المتقن المتدرج والعمل المحسوب. كما يمكن تتبع أثر هذه المرجعيات في مضمون النصوص وبنيتها معًا، إذ تظهر بوصفها توقيعًا أسلوبيًا يتكرر في طرائق البناء والتشكيل.

تتجلى هذه الخصائص في العتبات النصية، حيث يبدأ العمل ببوح شخصي، يليه إهداء يحمل اسمي، ثم تقديم نقدي يؤطر التجربة. وداخل المتن يتكرر توزيع بصري للفقرات، تتجاور فيه لحظة واقعية مع صداها الداخلي التأملي. ويظهر هذا المزج بوضوح في بعض اعمالي حين يتحول وصف العنف إلى سؤال وجودي حول أثره في الطفولة والذاكرة، من خلال طفلة ترى الاعتداء يطال أمها في "خلع الخاتم". كما تبلغ التقنية ذروتها في "الحرز" عبر البناء البصري لمطلع أحد الفصول، بكتابته عموديًا، كلمة في كل سطر، حيث تصبح الكتابة ذاتها وسيلة لإبطاء القراءة وتعميق التأمل.

وتتأسس هذه الحساسية على ثلاثة روافد رئيسية: تكوين صحفي توثيقي سابق للهجرة، رسخ لديّ حضور الشاهد الذي يوثق قبل أن يتخيل، وتجربة المنفى التي كرست ثيمة الغربة والاغتراب، ورمزية العناوين التي تتحول إلى مفاتيح دلالية لقراءة الأزمات. ومن تفاعل هذه الروافد يتشكل اقتران البوح بالتحليل في أعمالي، بوصفه تجل لتكويني المعرفي والإنساني.

(يتبع)

***

حاورها: الأستاذ مراد غريبي

10/8/2026

في المثقف اليوم