عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

اخترنا لكم

إبراهيم العريس: الطاهر الحداد.. سيرة فكرية بين التكفير والإنصاف

المفكر التونسي من عزلة الثلاثينيات إلى تأثير دائم في تحرير المرأة وتحديث المجتمع

ملخص: كتاب المفكر التونسي الطاهر الحداد "امرأتنا في الشريعة والمجتمع" الذي صدر في تونس للمرة الأولى عام 1930، لا يزال حتى اليوم – في بعض أجزائه على الأقل – يثير سجالات، تدعو حتى بعض "متنوري" اليوم إلى انتقاده، وإن وقفوا إلى جانب أفكار رئيسة فيه واعتبروه، في مجمله، عملاً اجتماعياً تحريرياً يحاول أن يطوّر بعض المفاهيم الإسلامية المتعلقة بقضية المرأة

منذ عقود طويلة، يعتبر المفكر التونسي الطاهر الحداد معلماً وطنياً، تُكرَّم ذكراه، وتصدر الطوابع البريدية بصورته واسمه، وتُدرَّس بعض نصوصه الأساسية في المدارس والجامعات، ويُقال دائماً إن المكاسب التي حققتها المرأة التونسية منذ الاستقلال، وبدفع أساس من الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة، ما كان يمكن أن تتحقق لولا كتابات الطاهر الحداد وجهاده في سبيل رفعة شأن هذه المرأة في المجتمع.

ومن المعروف أن بورقيبة في سياق تعاطيه مع قضية المرأة في تونس، إنما قرأ الطاهر الحداد جيداً، وطبّق الكثير من نظرياته. ومع هذا، إذا عدنا إلى بداية ثلاثينيات القرن العشرين، يوم كان الحداد فاعلاً في الحياة الثقافية التونسية، تحت وطأة الاستعمار الفرنسي، كان هذا الكاتب "ملعوناً" من مجايليه، وليس فقط من الأوساط المحافظة المتشددة التي كانت تجد في آرائه "خطراً على المجتمع"، أي بالتحديد "على مصالحها في المجتمع".

ولم يتردد بعض ناقدي الحداد في أوساط أقل تزمتاً في اعتباره "فرداً من شيعة طه حسين وسلامة موسى وأضرابهما من رؤسائهما الملحدين المستنيرين بدعوى التجديد والإصلاح"، وفق تعبير الكاتب عمر البري المدني الذي أصدر عام 1931 كتاباً كاملاً للرد على طروحات الطاهر الحداد عنوانه "سيف الحق على من لا يرى الحق".

سجالات كتاب "امرأتنا في الشريعة والمجتمع"

ولم يكن هذا الكتاب سوى حلقة من سلسلة كتب ومقالات تداعت للرد على الحداد والتحريض ضده، و"تفنيد" ما كان جاء في كتاب له، يُعتبر اليوم أساسياً وهو "امرأتنا في الشريعة والمجتمع".

والحال أن هذا الكتاب الذي صدر في تونس للمرة الأولى عام 1930، لا يزال حتى اليوم – في بعض أجزائه على الأقل – يثير سجالات، تدعو حتى بعض "متنوري" اليوم إلى انتقاده، وإن وقفوا إلى جانب أفكار رئيسة فيه واعتبروه، في مجمله، عملاً اجتماعياً تحريرياً يحاول أن يطوّر بعض المفاهيم الإسلامية المتعلقة بقضية المرأة. ومن هؤلاء من يتأرجح بين مناصرة كثير من أفكار هذا الكتاب والتحفظ على أمور أخرى، الدكتور الباحث الفلسطيني فهمي جدعان، الذي يقول في معرض تحليله لفكر الطاهر الحداد، في كتابه القيّم، بصورة إجمالية، "أسس التقدم عند مفكري الإسلام"، بعد حديثه عن رجوع الطاهر الحداد إلى الظروف المتغيرة كمبرر لتغيير بعض أحكام الشريعة: "هل الظروف المتغيرة التي تفرض ـ جدلاً ـ تغيير الأحكام هي ظروف الانحطاط الاجتماعي في الإسلام التي أصبحت لها قوة الإلزام، أم هي ظروف المدنية الغربية التي أصبح لسلطتها هي أيضاً، بسبب الغزو الخارجي أو الداخلي المقلد، الحق في تغيير الأحكام الشرعية؟ من الواضح أن كلتا الحالتين لا تسوّغ إخضاع الشريعة لما أخضعه لها الطاهر الحداد".

والحقيقة أننا نكتفي هنا بهذا المقدار من موقف جدعان، للإشارة فقط إلى أنه إذا كان هذا موقف كاتب متنور معاصر من أفكار أحد كبار المدافعين عن مكانة المرأة المسلمة والعربية في النصف الأول من القرن العشرين، فهل يُستغرب، حقاً، موقف معاصري الطاهر الحداد؟2694 altaheralhadad

الاجتهاد والتغيير بين الشريعة والواقع

مع هذا، فإن كلام الحداد واضح، لا يترك مجالاً واسعاً للتأويل، وهو كلام يمكن للفكر الديني والاجتماعي المعتدل أن يقبله، مع شيء من النقاش، إذا استرشد ـ مثلاً ـ بأفكار الشاطبي في "الموافقات" وبمبادئ من نمط "مقاصد الشريعة". خصوصاً أن الحداد أكد في كتابه أن "الإسلام ليس هو المسؤول عن المصير البائس الذي انتهت إليه المرأة في المجتمع الإسلامي"، وأن "المسلمين أنفسهم هم الذين يتحملون تبعة هذا البؤس، وذلك بسبب إنكارهم قانون التغير الاجتماعي ولضرورة التوفيق بين الشريعة والظروف المستجدة ـ وهو توفيق أثبته القرآن الكريم نفسه (وفق ما يؤكد الطاهر الحداد في سياق نصه) ـ وبسبب تعطيلهم حركة الفقه الإسلامي تعطيلاً قتل الحرف معه الروح، وألقى في قلوب القراء أنفسهم حب الراحة وخشية القلق، وشل عندهم كل مبادرة للاستجابة إلى الظروف المستجدة، وحبب إليهم الاختباء وراء الخطر المزعوم لكل محاولة اجتهاد جديدة".

الفكر في مواجهة السلطة: معركة غير متكافئة

إذاً، واضح في هذا الكلام أن الطاهر الحداد إنما يخوض "معركته" مموضعاً نفسه وفكره داخل الإسلام لا خارجه. ولئن كان زمن صدور كتابه هذا قد تواكب مع زمن صدور الكثير من الكتب العربية المماثلة الأخرى، التي تعرضت وتعرض أصحابها إلى حملات مشابهة ("في الشعر الجاهلي" لطه حسين، وخصوصاً "الإسلام وأصول الحكم" لعلي عبد الرازق)، فإن هذا يضعنا مباشرة في صلب قضية العلاقة الحتمية بين الفكر والسياسة. ذلك أن مثل هذه الكتب، وإن ارتدت شكلياً طابع الدراسات الاجتماعية والتاريخية والأدبية، فإن مفعولها في جوهره كان سياسياً، لأنها أتت لتطاول ذلك التحالف غير المعلن، لكنه البديهي، الذي كان يقوم بين السلطة السياسية ـ التي كان لا بد لها، في لحظة ما، من أن تدرك حدود تحركها حتى حين تشاء أن تمنح بعض المفكرين التنويريين هامشاً لتطوير المجتمع من دون خضات ثورية ـ وبين السلطة الدينية، التي لا يهمها أن تسمح بأي خرق لما هو سائد، وإن كان ـ بل خصوصاً إذا كان ـ يستند إلى الجوهر الثوري والإنساني للدين نفسه. ونعرف اليوم أن الفكر كان هو الذي ينهزم، في حينه، أمام هذا التحالف.

من القضية النسوية إلى القضية الاجتماعية الشاملة

غير أن هذا لا يعني أن الهزيمة نهائية، ولا سيما في حال الطاهر الحداد، الذي تابع جهوده متنقلاً من حيز المسألة النسوية إلى حيز القضية الاجتماعية ككل (وهو الذي يحمل كتابه الكبير الآخر عنوان "العمال التونسيون وظهور الحركة النقابية"). وهكذا نراه ـ وإن كانت جملة الظروف الخاصة به التي تلت شن الهجوم اللاذع على كتابه عن المرأة قد حرمته من متابعة دراسة الحقوق بأمر ملكي، ودفعته إلى قدر من الانطواء واليأس ـ يواصل، مخففاً، نضاله حول قضايا التربية والزواج والحجاب في المجتمع التونسي، موجهاً ـ وفق تفسير الدكتور جدعان ـ "نقداً عميقاً وصريحاً إلى غياب التربية المهنية والمنزلية والعقلية والأخلاقية لدى الفتاة التونسية"، كذلك "عرض لقضايا الحياة الزوجية والصحة والزواج القسري، وزواج القاصرات، وزواج الرجال أو النساء المصابين بعلل معدية…".

وفي هذا السياق، لا يمكن فهم فكر الطاهر الحداد من دون العودة إلى مسار حياته القصير والمضطرب. فقد وُلد في تونس عام 1899 في أسرة متوسطة الحال، وتلقى تعليمه في جامع الزيتونة، حيث تشبع بالثقافة الدينية التقليدية، قبل أن ينفتح لاحقاً على تيارات الإصلاح والتحديث.

عمل في بداياته في مجال الكتابة والصحافة، وانخرط في الحركة الوطنية والنقابية، فكان من أوائل المدافعين عن حقوق العمال، كما يظهر في كتابه "العمال التونسيون وظهور الحركة النقابية". غير أن صدور كتابه "امرأتنا في الشريعة والمجتمع" عام 1930 شكّل نقطة تحول حاسمة في حياته، إذ تعرض إثره لحملة تكفير وتشهير قاسية، حُرِم بسببها من مواصلة دراسته ومن العمل، وعاش في عزلة قاسية أثرت في صحته النفسية والجسدية.

ولم يعش الحداد طويلاً بعد تلك المحنة، إذ توفي عام 1935 وهو في السادسة والثلاثين من عمره، قبل أن يرى أفكاره تتحول، بعد عقود، إلى أحد الأسس الفكرية لإصلاحات كبرى في المجتمع التونسي. هكذا، يبدو الحداد مثالاً صارخاً لمفكر سبق عصره، دفع ثمن أفكاره غالياً في حياته، لكن التاريخ انتصر لها.

***

إبراهيم العريس - باحث وكاتب

عن اندبندنت عربية، يوم:  الخميس 30 أبريل 2026 12:44