عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

مقاربات فنية وحضارية

فؤاد بنبشينة: فنّ البورتريه.. أرسمُك لأنّي أُحِبّك

مُفتَتحة الدراسة النقدية في فنّ البورتريه

أحبّ بلدي أرسمها، وأحبّك لأني رسمتك بالقلب والعقل واليد، أرسمك فأنا أُشيّد حوارا معرفيا ثقافيا بينك وبيني أوّلا؛ ثانيا، أبني جسرا ثقافيا-حضاريا بينك وبين المتلقي. عديدة هي المعارض الفنيّة التشكيلية التي أبدع من خلالها  الفنان التشكيلي ابن مدينة الجديدة المصطفى عاقل ورام من خلالها أن يؤسس خطاب الوطنية المغربية من خلال معارضه، ويأتي معرضه: وجوه دكالية، (35 بورتريها لحيوات شخصيات دكالية) بالمكتبة الوسائطية التاشفيني بالجديدة، من 27 أكتوبر 2026 إلى 07 نونبر 2026، باعتباره تراكما فنيّا لتمثيل حياة-قيمة مغربية وبقلب يغلب عليه الإخلاص.

بدءا بلغة الدِّراسة

إن أوّل ما يثير الانتباه في محاولة مقاربة شكل خطاب «البورتريه» هو النشأة الأولى لرسم شكل الآخر، أو هو البدايات لفن تجذير شكل الذكرى الخارجية التي يحملها النقش على الحجر والرسم على الجدران والخشب والورق، ومعروف أن الإنسان ما إن رام محاكاة صورة الأخر (والآخر هنا كائن حي، إنسان أم حيوان) على الجدران داخل الكهوف كانت له مقصدية تجذير وترسيخ الذكرى، طبعا ذكراه أوّلا ومن ثمّة الآخر للاستئناس بظلّه/ روحه، إنّه شكل حبّ آخر لصمت حضور.

هذا القصد في الخلود من خلال «البورتريه» يعكس رغبة الإنسان في تجذير أثر دائم بعبارة محمود درويش: «هزمتك يا موت الفنون جميعها»، ومقاربتنا للخطاب البصري عموما والبورتريه خصوصا، ارتكزت على استهلال، عتبة لاستحضار بدايات الرسومات الفنية الأولى، فجاءت البدايات الأولى من خلال الاكتشافات التي تحققت داخل «مغارة لاسكو» بفرنسا، وقد تناولت المجلة الفرنسية: علوم إنسانية في ملف شهر أكتوبر من سنة 2018 موضوع الصورة باعتبارها «سلطة»، تحت عنوان: «من مغارة لاسكو وصولا إلى الأنستغرام». ومن الطبيعي أن مفهوم le Pouvoir  يختلف عن l’Autorité، حيث إنّ الأوّل يتحدد فلسفيا بارتباطه بالاستطاعة والقدرة والتأهيل وإمكانية القيام بالفعل أي الإنجاز، وهذه المقولات تندرج سيميائيا تحت ما يسمى إشباع حالة حرمان/ نقص، أو إدراك حسي وفي حالات ترتبط كل عناصر القدرة بالسلطة l’autorité/؛ وإشباع الحرمان شكل آخر لمسار الحبّ، محبّة شيء ما ينقصُنا باستمرار. إنّ تحقيق الموضوع- البورتريه هو ترسيخ ذكرى شخص ما، وعليه استند الإنسان على المحاكاة الظلّيَّة في بداية البورتريه ومن بعد ما تبلورت له فكرة التواصل طوّر ممكنات هذا التواصل فارتكز على اللغة التخييل والنقل والإشارة والعلامة والنصبة والترميز والتصوير، أي مجموع تقنيات صناعة وإنتاجية اللوحة-البورتريه. إذن الصورة الفنية باعتبارها علامة إنسانية مُركبة وتشترط «علم الإنسان» أي تداخل التاريخي والاجتماعي والسياسي والديني والاقتصادي والفلسفي والرقمي.

يقول عالم الآثار الفرنسي وأستاذ التاريخ جون بول ديمول (Jean Paul Demoule) 1947:

«إنّ أوّل ما ظهر من الصُّور، هي صُوّر الحيوانات على جدران المغارات، ثم صوَّرٌ تُجسِّدُ رسومات للمرأة وخصوصا في بلاد المشرق». والشاهد عندنا هو التطوّر التاريخي للصورة في علاقة بالإنسان، وباقتضاب وتركيز شديدين نَتبيّن التمفصلات التاريخية للصورة وفق خمس محطات تاريخية، وهي كالآتي:

المحطة الأولى: صُوّر ما قبل التاريخ 35000 قبل الميلاد، التي تمَّ اكتشافها بأندونسيا وكذلك بمغارة Chauvet بفرنسا وهي رسومات تضم تيمات الحيوانات الضخمة (الحصان، الثور، الأسد) ورامت أيضا تمثيل الجسد الإنساني وخصوصا المرأة، وبعض الإسقاطات الظلية للأيدي على الجدران. (في الثقافة المغربية قديما كانت تؤشر طبعة كف اليد بالحناء على الحائط على العهد والوفاء)3403 mustafa

المحطة الثانية: فجر التاريخ: العصر الحجري الحديث وعصر المعادن، 6000 سنة قبل الميلاد، وهي الزمنية التي عرفت ممارسة الفلاحة وتربية المواشي والصيد واستخدام الطين وارتداء الملابس وتبلور فنّ النحت ونقشِ شخصيات محاربة.

المحطة الثالثة: التاريخ القديم والحضارات الكبرى: 2000 سنة قبل الميلاد، وارتبطت الصورة هنا بالحضارة المشرقية (بلاد الرافدين، مصر، بلاد الفرس، وأوروبا واليونان) وتطورت أشكال البناء كالأهرامات، وتطوّرت النقوش ورموز اللغة والرسومات.

المحطة الرابعة: العصور الوسطى، من القرن الخامس الميلادي إلى القرن الخامس عشر ميلادي، وهي محطة تاريخية عرفت ارتباط الصورة بالمعرفة الدينية المسيحية، وتبلور الفن المسيحي حيث جَسدَّ صُوَّرا لانتصارات وبطولات معارك تُبرِزُ قوة السيطرة المسيحية.

المحطة الخامسة: بدايات العصر الحديث، ما بعد القرن السادس عشر ميلادي والثامن عشر ميلادي، حيث أسهم ظهور المطبعة في إقحام الصورة في حقبة جديدة، وأيضا الصحافة مع بداية القرن التاسع عشر، ومن بعد ستعرف الصورة تحوّلا في القدرة والسلطة وسيطلق على القرن العشرين "عصر الصورة: الفتوغرافية، السينما، التلفزيون" وبعد هذه الفترة ستُحْمَلُ الصورة على الحاسوب والهواتف المحمولة.

من هذا المنظور الأركيولوجي الفنّي في مسارات فنّ الصورة، عموما والبورتريه خصوصا، نكون أمام «بلاغة البورتريه» باعتباره شكل تواصل ناقص إن لم تُشبِعه اللغة، حيث إنّ معنى هذه المقولة «بلاغة البورتريه» تندرج ضمن المقاربة التي تناولها رولان بارث في مقالته«بلاغة الصورة-Rhétorique de l’image»  سنة 1964، وأكد على أنّ الرسالة اللغوية التي تُعضِد الصورة وخصوصا في حقل الصورة الإشهارية الثابتة، فماذا عن البورتريه الذي لا يتضمًنُ رسالة لسانية؟

قبل الجواب، فمن المعلوم أن النقد العربي في بدايات تأثره بالأثر الأرسطي واقتحام الترجمة مع بدايات القرن الثالث الهجري تبلورت مفاهيم نقدية قاربت اللغة الطبيعية وأيضا اللغة البصرية وخصوصا لغة الرسم حيث نجد أنّ أبو عثمان بن حجر الجاحظ، في مؤلفه البيان والتبيين تناول البيان باعتباره: «اسمٌ جامِعٌ لكل شيء، كشف لك عن قِناع المعنى ... وأن حُكمَ المعاني خِلافُ حُكمِ الألفاظ». بمعنى أنه يشير إلى ما هو خارج اللفظي، أي كلّ ما يندرجُ ضمن اللا-لفظي ومن بين هذه الأشكال اللا-لفظية نجدُ شكل التواصل البصري، إذن الجاحظ يؤكد على أن: «جميع أصناف الدلالات على المعاني من لفظ وغير لفظ، هي خمسة أشياء لا تنقص ولا تزيد: أولها اللفظ ثم الإشارة ثم العقد ثم الخط ثم الحال وتسمى نَصبة، والنََّصبة هي الحال الدالة التي تقوم مقام تلك الأصناف ولا تَقصُر عن تلك الدلالات».

نستضيح إذن أن اللا-لفظي يندرج ضمن البيان هذا الأخير هو نتاجُ العِلم، يقول: «والعِلم رائد العقل والبيان تُرجمانه». إذن البورتريه باعتباره رسماً ولو أنه ساكِناً فإنه يُظهِرُ لنا سمات الشكل والهيئة وأداتُه الخطوط والألوان لتمثيل شكل ذكرى حياة حيّة صامتة بصريا لكنّها تصنع حوارا معرفيا إنسانيا بينها وبين حياة حضور المتلقي أمامها.

النقد عند الجاحظ هنا كان يُفاضل بين اللغة والرسم وآثر تفضيل الوصف والتصنيف باللغة على الرسم، حيث اللغة كانت محط الدراسة في المقام الأوّل وارتباطها بالنصوص الدينية، أو ربما لأن الرسامين –رسام بلاطات السلاطين- كانوا يرسمونه في صورة غير وسيمة –ربما).

نستضيحُ أن البورتريه يتخذ شكلا من أشكال التمثلات البصرية ولا قدرة له إلا من خلال ما نمنحه نحن له، أي المتلقي هنا، هو مانح الحياة للبورتريه، كذلك هو شكل استحضار ثقافة الفنان وليس كما نادت به الدراسات النقدية الغربية مع رولان بارث بموت المؤلف، هنا الفنان، أي صانِعُ اللوحة يَحضرُ بقوّة سياقات البورتريه الحامِلة لشكل حياة شخصياتها.

خارج البورتيريه لا حياة تُبنى:

لا خلاص لنا مع البورتريه كمعرفة تتجاوز الجمالية وتقترب من شعرية خطابه إلا من اقتحام العوالم المعرفية والسوسيو-ثقافية للشخصيتين معا الفنان/ المُؤلِف والشخصية المحمولة على اللوحة قلبا وعقلا ويدا، وهذا يتضاد والمقولة الشهيرة النص ولا شيء غير النص. فهل اللوحة وحدها كافية بمدِّنا كل ما ترغب في قوله، أكيد لا. فالمتلقي لا يدرك –مثلا-جوهرَ وروحَ شخصية إدريس الشرايبي من اللوحة فقط، ولا أي شخصية أخرى تحضر ضمن المعرض، إنها تبدو ساكِنة وهادِئة ومُعلّقة وفق علو يتوازى ونظرة المتلقي-النموذج، وإن تعتريها تَوُّترات بصرية تُحيل على توُّتر معرفي يتشكَّلُ عند المتلقي، فلابد له من موسوعة معرفية تَستحضِر سياقات الشخصية، ها نحن أمام شكل نقل «المعرفة بالبورتريه» ومن خلال البورتريه وسياقات البورتريه.

سلطة البورتريه: التراكم والكثافة التشكيلية عند الفنان المصطفى عاقل

طبيعي عندما يكون الفنان صديقك، فأنت تكتشف أشياء عديدة ترتبط بإنتاجيته وفضاءات اشتغاله وتقترب من إبداعيته من خلال حوارات معه، لكن بموازاة هذا اكتشفت أن مجموع الإنتاجية الفنية التشكيلية عند الأخ المصطفى عاقل يُنظَرُ إليها كنسق مجموعات بصرية دالّة تفضي إلى توليد خطابات حالة مجتمعية سوسيو-ثقافية تتأطر ضمن فضاء دكالة، وليس جملا تشكيلية استهلاكية، إنه الخطاب البصري كأداة ثقافية، بمعنى مجموع «النّص الفنّي التشكيلي» داخل حقل فنّ البورتريه، وهنا تشتغل مقاربتنا ذات التمفصل المُزدوج: النقدي البصري والنقدي العقلي التأويلي، دينامية البصري والمعرفي، لفهم كيف يُشيّد الفنان «المعنى» على مستوى اللوحات التشكيلية «البورتريه»، أيضا كيف يتوالد «النص التشكيلي الفنّي» باعتباره صيرورة تحوّلات حالات الشكل والمحتوى داخل بنية «التقرير الثابت والإيحاء اللا-متناهي التحوّل المعرفي- الثقافي» أيضا هناك مُكوِّن ثالث يتفاعل وخطاب حالات عرض لوحات البورتريه في شموليتها، وهو مُكوِّن «الإيقاع» بمعنى الزمن؛ أي رسمتك الآن وأنت غائب عنّي بسنين قد مضت، أو أنّي أرسمك الآن وهنا وأنت حاضرٌ في زمنيتي، إذن نحن أمام ثلاث مقولات/ مُكوّنات تُسهم في استيضاح معنى البورتريه، إنها ثلاث طبقات للدراسة وهي:

الشكل / المحتوى / الإيقاع

-). أوّلاً، حالة الشكل، ثابت، إنّه ما تراه العين، شعرية النظرة أو فنّ النظرة، جمالية اللوحة أي البنية السطحية في تَشكلِّها الكروماتي (أبيض، رمادي) والخطوط والأشكال والإطار والتوقيع، يقول جون ماري فلوش: «إن اللونَ والشكلَ، والإطارَ، هي عناصرٌ ليست محايدةٌ، لكنها تُشارِك وبفعالية في إنتاج المعنى».

-). ثانياً، حالة المحتوى، حالة الفكر، ما يدفع بالعقل إلى استنفار جهوده المعرفية للتعرّف على الصورة وماذا تقول؟ بتعبير جون ماري فلوش : «ما هي الوظيفة الإبلاغية للصورة»، ماذا يريد أن يقوله لنا البورتريه وماذا يريد إبلاغنا إياه؟ حيث إن الإبلاغ كما نعلم يتحدد ميديولوجيا باعتباره أسطورة أو معجزة إنه العنصر المهم داخل العناصر الأربعة لميديولوجيا ريجيس دوبري، إنه «الوسيط»Midium ، فأنا لا أنظر هنا للوحة التشكيلية بل أنظر في الشخص الذي أنتجها، وعليه ينقلب السؤال: ماذا يريد أن يُبلِّغه الفنان المصطفى عاقل؟ ومن ثمّة فالوسيط هنا يتخذ شكل بنية بين اللوحة والذات التي أنتجتها، فيتخذُّ الإيحاء شكل سيرورة بناء المعنى عبر مسالك المدلولات التي تفضي إلى إشباع معرفي للدّال البورتريه، فالدّال واحد لكن تتوالد مدلولاته في علاقة مع التفكير فيه، فحالة المحتوى لا-نهائية؛ إنها سيرورة تأويلين: عقل وقلب.

-). ثالثاً، حالة الإيقاع، الإيقاع هنا يختلف باختلاف زمنية الفنان وما رسمه، كذلك تختلف من النصّ البورتريه الواحد أو مجموع نصوص بورتريهات متمثلة في شكل مجموع إنتاجية فنيّة معروضة داخل قاعة العرض، وهنا نكون أمام ما فرضه التركيب والتسلسل في عرض لوحات البورتريه، كل بورتريه يجاوِر بورتريهاً آخر، فالعين تلتقط اللخطاب البصري مُركبا وأنها –وبدون شعور-تقوم بفعل التأليف الذي يُفضي إلى تداخل الزمن، هذا الزمن يتخذُّ تركيبيا حالة زمنية مضغوطة، ومن الطبيعي أن الضغط هو توتر، فزمن الصورة-البورتريه، أيضا اللوحة الواحِدَة تُنتَجُ وفق إيقاع تصويري يتفاعل وإنتاجية الفنان للبورتريه، بمعنى أننا داخل ثلاثة أزمنة: زمنية من أين بدأ الفنان وأين انتهى وزمنية الشخصية الممثلة محاكاتية وزمنية العرض. إنها حالة تكثيف وتوتر الدلالة الفنية للوحة؛ بمعنى أن الفنان يضع كل شيء داخل اللوحة وكأنه يقول: «أنا شكلتك بورتريها، نقلتك من حالة الصمت البصري إلى حالات الفكر والمعرفة الإنسانية، ها أنت كُلّك هنا، فماذا ترى أنت؟ بمعنى ماذا ترى الذات المتلقية؟». وكأنه يريد أن يدفع بالمتلقي أن يصير مرآةً للشخصية المُصوّرة، ها نحن نبتعد عن نقد الجاحظ لما هو غير لفظي أي الرسم اللصورة ونروم شفافية المحكي البصري لا سكونيته وخارجيته، إننا نتدرج داخل العوالم الحقّة للشخصية التي تلتقطها العين، طبعا هذا يشترط معرفة أو هي مجاورة ثقافية للشخصية، وفي أبسط الحالات نسأل عنها صانع البورتريه. إن الإيقاع هنا يحضر زمنيا ومكانيا ويُقوّّي حقيقة موضوع اللقاء: وجوه دكالية، فاللوحة «البورتريه» وما تُحدِثه في فكر المتلقي المُصوَّر-له، تدفعُ به إلى محاورة الشخصيات الدكالية، وهنا الذات المتلقية تُصبِح ذاتا مُركبّةً من ثلاث شخصيات: شخصيتها وشخصية الفنان صانِع البورتريه وشخصية البورتريه. وهذا فرق كبير بين نظرة الأول ونظرة الثاني الوسيط ونظرة الشخصية الممثلة.

فنّ النظرة في اللوحة «البورتريه»

يُدعم الباحث سعيد بنكراد مفهوم فنّ النظرة اقتباسا عن ريجيس دوبري، يقول: «قد تُحرِمنا العين من الكلام، ولكنها تُعلمنا مع ذلك فنّ النظرة»

نحن الآن في حقل «فنّ النظرة»، فما المانِع من أن نقتبس من كلمات أغنية مغربية تستضيح بلاغة التواصل من خلال النظرة وقد تغنى الفنان المغربي عبدالوهاب الدكالي بكلمات أحمد الطيب العلج. يقول: (النظرة فتناها ؤ دزنا للابتسام/ ؤحرنا شكون يسلم ولى يبدا لكلام/ عينيه شافو فيا دواو ؤ قالو لي/ مالك خايف مني إلى بغيتي ودّي قرّب قرّب عندي ؤحاول تفهمني).

فالنظرة في اللوحة البورتريه حيرة وتوتر بصري تشترط عدم الخوف أي عدم الجهل وكذلك تشترط الحوار الذي يفترض الحب وانجذاب الأطراف الثلاثة التي سلف ذكرها أي (المتلقي، والوسيط الفنان وشخصية البورتريه) خارج مثلث الانجذاب فنحن فقط مُتفرجين، وصِدقُ القول يقول العكس، حيث إن فن البورتريه عند المصطفى عاقل ليس فرجة بصرية بقدرما ما هو خطاب حياة-قيمة، يقول أحمد الطيب العلج في فنّ المسرح: وهنا يمكن أن نقابل فن المسرح بفن التشكيل: «المسرح ماشي فرجة فقط، هو مرآة، فيه نشوفو راسنا، ونضحكو على جراحنا باش نداويوها».

إن معرض «وجوه دكالية» للفنان المصطفى عاقل هو تطهير، إعادة تلفظ ذاكرة دكالة واستحضار بعض من شخصياتها التي رامت تجويد الحياة في عموميتها.

قلتُ إن النظرة في البورتريه في شمولية المعرض هو تأليف بصري يتمفصل إلى نظرتين:

-). النظرة الأولى هي سطحية تصف ولا تصنف.

-). النظرة الثانية هي عميقة تصف وتصنف وتؤوِّل وتستحضر تداخل التخييلي الفني للشخصية بالتاريخي. إن النظرة الثانية في البورتريه نقول: «إنها ليست محايدة وبريئة، إنها دائما حامِلة للمعرفة ومُوَّجَهة ثقافيا» بتعبير(ج.م.فلوش).

البورتريه استحضار فنّي لشكل حياة إنسانية:

كل انتقال بصري بين بورتريه وآخر هو تخفيف القلق عن الذاكرة، وتهييئها على عجل لتستحضر زمنية الغياب ومن ثمّة بناء خطاب يتولّد من خلال مُحاورة اللوحة، النصوص التشكيلية في اختلاف تموضعها وعرضها تُحدِث قلقا وتوترا بصريا للعين القارئة، أيضا تفتح النظرة على أسئلة عديدة من قبيل من يتكلّم في المعرض؟ اللوحات أم صانِعها؟ أو هما معاً؟ أم المتلقي؟ أم هي صيغةُ نقدِ حالتنا الاجتماعية الراهِنة وما آلت إليه المدينة الدكاليّة؟ ها هو البورتريه يتدرج في حملنا داخل رسالته المُواطِنة، وكأن صانِع البورتريه ومنتقيه يرغب في نقلنا من حالة الفرجة الجمالية إلى حالة المشاركة في المجتمع وبناء حياة جيّدة، إنها الرسالة المعرفية التي تغيب فيها الذات المُنتِجة للبورتريه وتنصهر في ذوات المتلقي باختلاف «موسوعته الثقافية» بتعبير أمبرتو إيكو.

فمباشرة بعد طرح أي سؤال تشرع الأجوبة أو بعضها في التسلل لتستضيح المعنى الصّعب وهو: «الرغبة في معرفة أشكال حياة-قيمة وجوه دكاليّة، إنها شكل فنّ الوطنية المغربية، يقول عبد الله العروي: أن تكون وطنيا، وجب تمثل ثلاث مقولات وطنية:

-). الشعور بالاعتزاز بالذات والأجداد.

-). السلوك وهو التضحية والإيثار.

-). التطلُّع وهو طلب الحرية والتقدم والرفاهية.

هذه هي المبادئ الثلاثة التي تفضي إلى تحقيق عقد ميثاق أخلاقي معرفي وجداني وفكري بين خطاب البورتريه والمتلقي للخطاب.

البورتريه شكل خطاب المُحبُّ

يبدو لي أن الفنان المصطفى عاقل حالفه الحظ في معالجة الثيمات الفنية التشكيلية القريبة جدّاً من قلبه، فاللوحات للبورتريهات اتخذت شكل «نسق الحب» يقولون ومن الحب ما قتل، فأقول: ومن الحُبّ ما رسم وصوّر وركَّبَ وأفصحَ وأضمرَ وجَسد وجَرَّد وشكَّلَّ، وهذا حقل تعقيد التصويرية التشكيلية عند الفنان المصطفى عاقل.

فالقلب هو من يُعيد تلفظ وقراءة روح البورتريه، فأنا أرسمك، أقرأك فأنا أحبّك، الحُب هنا شكل ناقص كما هو البورتريه شكل لوحة ناقِصة، وإشباع حالة النقص تفترض بالضرورة حوار الحب معنىً ومبنىً، المعنى هنا هو عمليات سيرورة قراءة اللوحة، فأما المبنى/ الشكل فهو كما سلف ذكره هي مجموع الشكل والحجم والكروماتية والإطار. إن الحُبّ هنا يتخذ شكل حلم-يقظة بالفن التشكيلي، حلم يُطارد كل أشكال اللا-إنسانية ويسعى إلى استحضار تاريخ وهوية وأرض وبعض من الوجوه الدكالية، فالوجوه أعلام وأمجاد وقوّة الذاكرة والاستمرارية، إنها ثقافة الفضاء، و«الثقافة تساوي الحضارة» بتعبير سالم يفوت .

فاستحضار وجوه دكالية يحضر كشكل مقاومة حضارية ترتبط والمدينة باعتبارها كيان مركزي يتهدده خطر ما، وهذا شكل مقاومة الفنان المصطفى عاقل من خلال فعل «الأرشفة الفنيّة التشكيلية» إنه اللا-استسلام في إعادة نقل مواضيع-قيمة. إنه يعاهدنا من خلال ميثاق بصري يؤسس لاستراتيجية تواصل فنّي يُفضي إلى معرفة بعض من حياة شخصيات دكالة، وهو إدراك معرفي تقدِّم من خلاله الذات المنتجة للمشاهد البورتريهية في كًليّتها عن محطات ثقافية، فكل لوحة تؤشر على زمنية مختلفة وهي بطبيعة الحال زمنية مدمجة ضمن فضاء دكالة وهو فضاء مدمج ضمن فضاء المغرب.

على سبيل خاتمة

أقول، إنّ بورتريهات الفنان المصطفى عاقل هي «إعادة تلفظ» (Re-Ennonciation) بتعبير الباحثة السيميائية  Maria Giulia Dondero، بمعنى إعادة تلفظ ماض-قيمة ترغب الذات المٌنتجة له في إزالة الغبار عليه وهي كذلك صيغة استحضار جزء من تاريخ دكالة وكذلك اعتراف –عقد ميثاق شرف أرض دكالة- لشخصيات تحضر بيننا بأي شكل من أشكال الحضور، إنه تركيب بين إعادة تلفظ الماضي المجيد، أي الذاكرة الدكاليّة في المقام الأوّل وكذلك تعضيده بالسيرورة الثقافية الجيّدة للحاضر-ولو أنها قليلة- من خلال بروتريهات شخصيات قريبة من قلبه وعقله وبهذا يحاورها فنيّا-تشكيليا.

فالبورتريه هنا ليس نقلا لملامح شخصية وسماتها، بل هو مأسسة لحضور رمزي اجتماعي ثقافي، في المقام الأوّل وبتعبير رولان بارث نقلا عن جون ماري فلوش: «البورتريه يصنع الأسطورة». وقد سلف ذكر أن الوسيط يتخذ شكل أسطورة/ معجزة عند دوبري.

البورتريه لغة القلب بالمعنى الصوفي، حيث جاء في المعجم الصوفي الصادر عن المكتب الدائم للتعريب بالمغرب: «أن بيت الحكمة هو القلب الغالب عليه الإخلاص»، فتشكيل البورتريه عند الفنان المصطفى شكلُ كتابة بصرية تروم تحقق الإخلاص لشخصياته، أيضا هي بورتريهات لا تُلغي تاريخ المنطقة، ولا الفكر، إنها لغة حوار داخلي بين نظرتين؛ نظرة شخصية الصورة ونظرة المتلقي، لغة بصرية تحقق تفاعلا معرفيا، وهذا التفاعل يحقق شعورا بالحضور والهوية والمواجهة المُقلِقة: فمن هو هذا الشخص؟ كيف لي أن أبصره بقلبي وعقلي لا بعيني؟ كيف أتكلّم معه كما تكلّم معه ناقِلُه أي ذلك الذي أعاد تشكيل حضوره من خلال الكتابة البصرية؟

***

د. فؤاد بنبشينة

في المثقف اليوم