مقاربات فنية وحضارية

عدنان حسين أحمد: توظيف المنحى الحروفي في لوحات الفنان ثائر الخفاجي (1- 2)

تكمن أهمية المعرض الشخصي الذي نظّمه المركز الثقافي الپولوني بلندن للفنان ثامر الخفاجي الذي   يحمل عنوان (حيث تلتقي الأساليب) للمدة من 15 إلى 20 آذار 2026 في جَمْعِه بين اختصاصاته الثلاثة وهي الرسم والنحت والخزف. وعلى الرغم من شهرته المتأتية من كونه واحدًا من أبرز خزّافي الجيل الثاني الذي يضم ماهر السامرائي وشنيار عبدالله ومحمد عريبي وما سواهم من المبدعين العراقيين الذين أثْروا المشهد الفني العراقي مع مَن سبقهم من جيل الروّاد وأبرزهم سعد شاكر ومقبل ظافر الزهاوي ونُهى الراوي وطارق ابراهيم ولا ننسى الإشارة إلى الفنانَين المعروفَين اللذَين درّسا فن الخزف في العراق وهما البريطاني إيان أولد والقبرصي ڤالينتينوس كارالامبوس.84 thamer

لا يقتصر اهتمام ثامر عبّاس الخفاجي على الخزف الذي درسه في أكاديمية الفنون الجميلة ببغداد بين عاميّ 1971 - 1975م وتخصّص فيه وترك أثرًا ملحوظًا في المشهد الفني العراقي ولعل جدارياته المبثوثة ببغداد والبصرة والموصل تتحدث عن موهبته الفنية في هذا المضمار التي استدعت الجهات المعنية لأن تضع جدارياته في مطار البصرة الدولي، وساحة الاحتفالات ببغداد، وفي أحد القصور الرئاسية بمدينة الموصل. إذ درس قبل ذلك مادتيّ الرسم والنحت في معهد الفنون الجميلة بين عاميّ 1967- 1971، فلا غرابة في أن يكون رسامًا ونحاتًا وخزّافًا في الوقت ذاته. وبما أنَّ هذا المعرض المميز يجمع بين الفنون التشكيلية الثلاثة وهي الرسم والخزف والأعمال النحتية فقد ارتأينا أن نتوقف عندها تباعًا لنرصد العناصر المشتركة التي تجمع بين هذه الفنون على الرغم من اختلاف التقنيات والأساليب التي اعتمدها الفنان المثابر والمُجدِّد ثامر الخفاجي الذي خلق بصمة خاصة تقترن به ولا تُحيل إلى أقرانه أو الذين سبقوه سواء من الفنانين العراقيين أو العرب أو الأجانب.85 thamer

والمتتبع لنتاجات الخفاجي الفنية سيجد من دون صعوبة تُذكر هيمنة الحروفية بلغات متعددة كالسومرية والأكدية والبابلية والآشورية والعربية والإنگليزية وما سواها من اللغات العالمية الحيّة التي يمكن أن تجد طريقها بسهولة ويُسُر إلى أعماله الفنية. كما يستدعي الخفاجي في هذه الفنون الثلاثة الكثير من أعمال الفنانين العراقيين؛ القدماء منهم والمُحدثين على حدٍ سواء، ويرّصعها في لوحاته وخزفياته ومنحوتاته؛ فالحاضر هو امتداد للماضي، واستشراف للمستقبل. لا يصنع الخفاجي عمله الفني اعتباطًا وإنما يعتمد على بنية فنية تنتظم العمل الفني برمته؛ فالرموز العميقة، والإشارات الجمالية، والدلالات التعبيرية تتشابك ضمن الأنساق الداخلية للعمل الفني الذي يجمع، في كثير من الأحيان، بين عنصريّ الواقع والخيال، كما يراهن على الربط بين الجوانب الوظيفية والجمالية للعمل الفني. ولا بد من الإشارة إلى البنية الحركية للعمل الفني الذي ينجزه الخفاجي، كما يعوِّل في الوقت ذاته على البنية اللونية، إن صحّ التعبير، فهو يعشق اللون الفيروزي والأزرق بكل تدرجاته ويراهن عليه منذ سنوات التلمذة وحتى الآن.86 thamer

تداخل المذاهب والتيارت الفنية

لا يعوّل الخفاجي على مدرسة فنية بحد ذاتها وإنما يستعمل غالبية المذاهب والتيارات الفنية في عمله الفني الذي يمكن أن تجد فيه الواقعية، والانطباعية، والرمزية، والتعبيرية، والتجريد، والسوريالية، والوحوشية، والتكعيبية وما إلى ذلك.

لا بد من الإشارة إلى أنني قد شاهدت بعض اللوحات الفنية لثامر الخفاجي في المعارض المشتركة للفنانين العراقيين بلندن وقد لفتت انتباهي بصمته الخاصة التي لم أجدها عند فنانين عراقيين آخرين يعيشون في المَهاجِر الأوروپية. ومع أنه لا يميل إلى رسم الموضوعات والثيمات الأوروپية إلّا في حالات استثنائية ونادرة جدًا كما هو الحال في معرض (حيث تلتقي الأساليب) أو في بعض اللوحات المتفردة التي نشرها على صفحته الخاصة في الفيسبوك خلال السنوات الخمس الأخيرة.

لو تأملنا اللوحات الـ (44) التي احتضنها هذا المعرض لوجدنا الحروفية تهيمن على الغالبية العظمى منها، أمّا اللغات المستعملة منها فهي السومرية والعربية والإنگليزية وكنت أتمنى عليه أن يستعمل الحروف الألمانية في لوحة (شيطان العائلة) والحروف الإسپانية في لوحة (سيدة الفلامنغو والغيتار) وهكذا دواليك لكي يتيح لنا السياحة والاستمتاع بمرونة الحروف الأجنبية ومطواعيتها. لقد استهل الخفاجي كتالوجه بلوحة تحمل عنوان (الحُب جميل)، والثانية (الحُب للأبد) ثم أردفها بلوحتيّ (الحُب) 1 و 2 وختمها بلوحة (حُبي) أو (حبيبتي نادية) التي نرى حروفها في أكثر من عمل فني.

لا بدّ من الإشارة إلى شغف الخفاجي بالخط الكوفي منذ نعومة أظفاره فلا غرابة في أن نراه في غالبية أعماله الفنية، إن لم أقل كلها. ونظر لولعه بالرموز والإشارات التاريخية فمن الطبيعي أن يزاوج بين الجدران السومرية أو البابلية التي يتخذ منها خلفية لخطوطه الكوفية الجميلة المطواعة كما في لوحات (حروف كوفية على جدار سومري) و (حروف كوفية على جدار بابلي) و (تكوينات حروفية) على أسطح عادية تنتمي إلى الوقت الراهن الذي نعيشه. وإذا ما اشتطّ به الخيال وهرب من الواقع الأسيان قليلًا فإنه يرسم لوحة خيالية تستجير يعنوان رومانسي جميل ومعبِّر مثل (جزيرة الحروف) بخلفيتها الزرقاء الآسرة. وثمة لوحات تُركِّز على حرف معين كأن يكون (النون) الذي يفلت من عُقاله ليتوسع إلى اسم (نادية)، المرأة التي تحتل مكانة كبيرة في حياته الشخصية أو في أعماله الفنية على حدٍ سواء. وحينما يتوسّع كثيرًا في حروفيته فإنه يرسم الجانب الأبرز من مدينة قديمة مثل (بوّابة بابل) التي يهيمن عليها الجانب الحروفي الكوفي من دون بقية الخطوط العربية المعروفة.87 thamer

البنية الحركيّة في العمل الفنيّ

كُنّا قد أشرنا سلفًا إلى البنية الحركية في الأعمال الفنية للخفاجي وهذا الملمح البارز يمكن أن نجده في لوحتيّ (المنحوتة الراقصة 1 و 2) كما نجده في خلفيتيّ هذين العملين المميزَين اللذين ينتميان إلى أكثر من مذهب ومدرسة فنية أبرزها التجريدية والتكعيبية والتعبيرية التجريدية القائمة على الإيقاع والتوازن وقوة (التصميم الجديد) Neoplasticism.

تلعب ثنائية المرأة والرجل دورًا مهمًا في أعمال الفنان ثامر الخفاجي وقد اشتمل هذا المعرض أو معارضه الجماعية السابقة على هذه الثنائية التي يجسِّد من خلالها ثنائية العاشق والمعشوق أو يكتفي بالإشارة إلى أحدهما لكنه لا يُغيّب الطرف الآخر وإنما يستدعيه إلى ذاكرة المُشاهد حتى وإن كان غائبًا عن العمل الفني الذي يرسمهُ على السطح التصويري. وهناك لوحات أخرى تجسّد هذه الثنائية كما في لوحات (القُبلة) و (الوردة الحمراء) و (همسات) وحتى لوحة (انتظار) التي تظهر فيها سيدة تنتظر قدوم الحبيب الغائب.

على الرغم من أنَّ الخفاجي لا يرسم الثيمات الأوروپية لأنه منغمس بالأفكار والموضوعات العراقية تحديدًا لكن هذا الإحجام لا يمنعه من تجسيد حادثة مُفجعة تهزّ الضمير الإنساني في كل مكان كما هو الحال في قضية (إليزابيث فيرتزيل) التي سجنها والدها النمساوي جوزيف فيرتزل في الطابق السفلي لمنزله طوال 23 عامًا (وفي رواية أخرى 24 عامًا) واعتدى عليها مرارًا وتكرارًا فأنجبت له سبعة أطفال خلال سنوات الاحتجاز وسوف تتحرر الابنة من سجنها، وتبلّغ الشرطة بما حدث لها، فيُعاقب الأب بالسجن مدى الحياة. ترصد هذه اللوحة التي أسماها الفنان بـ (شيطان العائلة) التي تبدو فيها الضحية عارية في القسم الأعلى الأيمن من اللوحة، ثم وهي تهبط السلّم إلى الطابق السفلي لتستقر فيه في نهاية المطاف. وثمة رقم 23 يشير إلى عدد سنوات السجن. أمّا الصورة الرابعة والأخيرة فهي للأب الذي ارتأى الفنان أن يسمّيه (شيطان العائلة).

يتضمن هذا المعرض صورًا لحيوانات سومرية وبابلية أبرزها الأسد والثور والتنّين إضافة إلى زهرة البابونغ التي تمثّل رمزًا للربيع وعلامة للانتصار وقد جسّد الفنان هذه الحيوانات وهي تسير على شارع الموكب وينبغي ألّا ننسى الرموز والعلامات التي تحيط بهذه الحيوانات وتطوّقها من الجهات الأربع.90 thamer

أعمال فنية تصل الماضي بالحاضر

يزدان هذا المعرض المُميز بسلسلة لوحات تحمل عنوان (رموز من بلاد ما بين النهرين) وقد اكتظّت هذه اللوحات بأعمال فنية للعديد من الفنانين العراقيين القدماء والمُحدَثين مثل الثيران المُجنّحة والأسود والتنانين البابلية، وزقّوة أور، وبوابة بابل، وملوية سامراء، وزقّورة عگرگوف، و(الصرخة) للفنان علاء بشير، وتمثال (المتنبي) لسعد الربيعي، ومقطع (المرأة الباكية) لجواد سليم، ومنحوتة (أبو جعفر المنصور) لمحمد غني حكمت، وتمثال (الأم) لخالد الرحّال، و (نُصب الشهيد) لاسماعيل فتّاح التُرك. كما تتضمن هذه اللوحة نماذج لـ (بيت القصب) و (الشناشيل) البصرية والبغدادية وأنواع مختلفة من الحيوانات والنباتات والأزهار والطيور وخاصة البلبل العراقي الغرّيد إضافة إلى (الحروفية) التي تتواجد في غالبية أعماله الفنية إن لم أقل كلها على الإطلاق.

لم يترك الفنان ثامر الخفاجي رمزًا عراقيًا إلّا وأدخله في هذه السلسلة التي توثِّق للطيور والأسماك والأشجار والأزهار والطواويس والإوز والفراشات؛ إضافة إلى التعاويذ مثل (أم سبع عيون) و (كف فاطمة) والأبواب العراقية القديمة إلّا وجسّدها في لوحاته ومنحوتاته وأعماله الخزفية.

لا يميل الخفاجي إلى تسمية أعماله الفنية لأنه يريد دائمًا أن يترك فضاءً أوسع للمتلقي لكي يتأمل لوحته ويحاورها بالطريقة التي يراها مناسبة ولا تفرض عليه التأويلات القسرية المرسومة سلفًا في ذهن الفنان بوصفه خالق النص البصري ومُبدعه. فلا غرابة أن يلتجئ إلى تسميات عامة من قبيل (تكوينات حروفية) وما جاورها من عناوين بسيطة، مرنه تأخذ المُشاهد إلى فضاءات مفتوحة للتأويل الذي يُغلِّب الجانب البصَري على اللغة المُقعّرة التي لا تُفصح عن نفسها إلّا بشقّ الأنفس.

***

لندن: عدنان حسين أحمد

في المثقف اليوم