مقاربات فنية وحضارية
احمد عابر: من الرؤية الى المعنى رحلة في انعكاس
(ان تدفع انتباهك لما حولك.. هذا هو عملنا الذي لا ينتهي وهو واجبنا الحقيقي)... ماري اوليفر- شاعرة امريكية
تضعنا ماري اوليفر امام فكرة عميقة وبسيطة في آن واحد، وهي ان جوهر وجودنا يكمن في القدرة على الانتباه. ليس الانتباه مجرد نظرة عابرة، بل هو حضور كامل وتامل هادئ واستعداد داخلي لاكتشاف ما يختبئ خلف الظاهر. كأن الشاعرة تشير الى ان الجمال والحقيقة لا ينكشفان لمن يمر مسرعا، بل لمن يتأنى ويصغي ويمنح العالم فرصة لان يتكلم. ومن هذا المدخل يمكن الاقتراب من لوحة انعكاس للفنانة عائشة السليطي، فهي لا تقدم معناها مباشرة، بل تدعو المتلقي الى التمهل والتأمل، والى رؤية ما وراء الشكل، حيث يتحول الصمت الى لغة، والغياب الى حضور، والانكماش الى تساؤل وجودي مفتوح.
بصريا تعتمد اللوحة على بساطة في التكوين تقابلها كثافة في الشعور. تظهر هيئة بشرية منكمشة داخل كتلة من القماش الابيض، حتى يكاد الجسد يذوب فيها ويصعب التمييز بين الانسان وغطائه. الخلفية الداكنة والمساحة الرمادية تضاعف الاحساس بالعزلة، بينما يبرز البياض بتفاصيله الدقيقة كأنه مركز الضوء والمعنى معا. غياب ملامح الوجه يدفع النظر نحو الداخل، نحو الحالة النفسية بدلا من الهوية الظاهرة. ويأتي الشريط الازرق في اسفل اللوحة ليكسر هذا السكون باشارة لونية واضحة، كأنه حد فاصل بين عالمين، بين الثقل والخفة، او بين الواقع وانعكاسه الداخلي.
ومن حيث الاسلوب يمكن ان تنتمي هذه اللوحة الى التعبيرية المعاصرة ذات الطابع التأملي، مع حضور لملامح من الواقعية الرمزية التي تستخدم الشكل الظاهر للتعبير عن عمق داخلي اكثر مما تنقل مشهدا مباشرا.
هذا الانكماش الذي تظهره اللوحة يمكن ان نقرأه من زوايا متعددة تتقاطع كلها عند نقطة الانتباه العميق الذي تحدثت عنه ماري اوليفر.
فمن زاوية محيي الدين بن عربي نجد ان هيئة الانكماش ليست سوى صورة من صور التجلي الالهي الذي لا ينحصر في شكل دون شكل، اذ يقول في فصوص الحكم "فسبحان من أظهر الأشياء وهو عينها"
ويقول في موضع آخر
"الوجود كله ظاهر وباطن فمن شاهده من حيث الظاهر سمي عالما ومن شاهده من حيث الباطن سمي عارفا".
فالبياض هنا ليس حجابا يحجب الجسد بل هو عين ما يظهر الجسد، كما ان الخلفية الداكنة ليست نفيا للضوء بل هي حضوره بصيغة الغيب. غياب الوجه يصبح في هذا المنظور اعلى درجات الحضور، لان المعرفة عند ابن عربي لا تنال بالنظر الى الصورة الظاهرة بل بالبصيرة التي تدرك ان كل شيء يبقى سرا الهيا لا ينكشف الا لمن انكشف له الحق في كل شيء.
اما من زاوية ابي حامد الغزالي فان هذا الانكماش يقرأ صورة الانسان الذي عاد الى نفسه بعد ان كشفت له الاغراض حقيقة التشتت.
يقول الغزالي في احياء علوم الدين: "اعلم ان القلب مرآة مجلوة والهوى صدأ متراكم والخواطر اعداء والجهل ظلمة فبالعلم يجلى وبالعمل يزال الصدأ وبمحاربة الهوى تنكسر الاعداء وبالتقوى تزول الظلمة".
فالبياض الذي يحيط بالجسد ليس قماشا عاديا بل هو تجسيد لمقام التجريد الذي يتحدث عنه الغزالي حين يدعو الى تجريد القلب عما سوى الله.
الخلفية الداكنة هي ظلمة الجهل والهوى التي لا تتبدد الا بذكر الله، وغياب الملامح دلالة على ان الوجه الحقيقي ليس ما نراه في المرآة الحسية بل ما يظهر في مرآة القلب بعد تصفيتها من الصدأ.
عبد الجبار الرفاعي في دروب المعنى يقدم زاوية مختلفة تقترب من روح اللوحة بطريقة معاصرة، اذ يقول: "المعنى لا يقتحم علينا دفعة واحدة بل يتفتح في زمن التأمل حين نمنح الاشياء وقتها الكافي لتفصح عن نفسها بعيدا عن تسرعنا المعرفي".
انكماش الجسد في كتلة القماش الابيض ليس هروبا بل هو شرط اولي لامكان التامل، فالانسان عندما ينكمش على نفسه يخلق مسافة بينه وبين ضجيج المباشر فيفتح امامه مجال الرؤية المختلفة.
غياب الملامح هنا لا يعني غياب الهوية بل يعني ان الهوية في طور التكون وليست شيئا نهائيا جاهزا للاستهلاك البصري. اللوحة ببساطتها التكوينية ترفض ان تكون معطى سريعا وتصر على ان تكون سؤالا بطيئا، تماما كما يقول الرفاعي ان المعنى يتفتح في الزمن لا في اللحظة.
والشريط الازرق يذكرنا ان التأمل ليس انغلاقا على الذات بل هو حركة بين الداخل والخارج، بين عالم الانسان وعالم الاشياء، وهذه الحركة هي جوهر الانتباه الذي يمنحنا القدرة على رؤية ما لا تراه العين العاجلة.
ثم نعود في النهاية الى ماري اوليفر التي لم تكن تتحدث عن نظرية في الانتباه بل كانت تختبره في تفاصيل يومها العادي، فالعمل الذي لا ينتهي هو هذا الحضور الذي يتحول الى طقس يومي. اللوحة تنهض على نفس الفكرة، فالانكماش والبياض والظلمة والضوء ليست عناصر شكلية بقدر ما هي ادوات لاستدعاء حالة الانتباه التي لا تستعجل المعنى بل تتركه ينمو في زمن التامل.
غياب الوجه لم يعد نقصا بل صار فرصة امام المتلقي ليملأ اللوحة بوجهه الداخلي، بوجوده المتامل، بقلبه الذي انتبه. والشريط الازرق في الاسفل كأنه ايقونة صغيرة لهذا العمل الذي لا ينتهي، نافذة تذكر ان هناك ما وراء هذا الصمت وهناك ما يستحق ان ندفع انتباهنا اليه.
وبهذا تلتقي عائشة السليطي مع ماري اوليفر ومع ابن عربي والغزالي والرفاعي في نقطة واحدة:
ان الوجود لا ينكشف لمن يمر سريعا بل لمن يتوقف ويمنح العالم فرصة ان يتكلم بلغته التي لا تسمعها الا اذن منتبهة وقلب حاضر.
***
د. احمد عابر






