مقاربات فنية وحضارية

احمد عابر: نور لا تقبله العتمة.. تأمل في دانيال بين الاسود

(كسوف نور السماء لا يعني ان الشمس قد انطفأت).. مارتن بوبر، من كتاب خسوف الله

تبدو هذه العبارة القصيرة كأنها مفتاح لفهم كثير من لحظات التاريخ الانساني حين يظن الناس ان النور قد غاب عن العالم. فالفيلسوف مارتن بوبر يرى ان اختفاء النور لا يعني بالضرورة انطفاءه، بل قد يكون كسوفا يحجب الضوء عن اعين البشر دون ان يطفئه. وكما يحدث في ظاهرة الكسوف حين تظل الشمس في مكانها بينما يمر بينها وبين الارض ظل عابر، كذلك قد يعيش الانسان لحظات يظن فيها ان المعنى قد اختفى من الوجود، بينما يكون النور ما زال كامنا خلف حجاب لا نراه.2515 danyal

هذا المعنى يخطر في البال حين نقف امام لوحة تصور النبي دانيال في جب الاسود. في هذا المشهد يجلس الرجل وحيدا في كهف تحيط به مجموعة من الاسود القوية. بعضها مستلق في هدوء ثقيل، وبعضها يراقب بعين يقظة، وبعضها يفتح فمه كأنه على وشك الزئير. وفي اسفل المشهد تظهر عظام وجمجمة انسان، كأنها تذكير صامت بما يمكن ان يكون مصير من يقع في هذا المكان.

ومع ذلك يجلس دانيال في وسط هذا المشهد في حالة مختلفة تماما. جسده متوتر قليلا لكنه مرفوع نحو السماء، ويداه مضمومتان في دعاء، ووجهه متجه الى الاعلى كأنه يبحث عن معنى ابعد من الظلام الذي يحيط به. الضوء ينزل من اعلى الكهف ويلامس جسده، بينما تبقى الاسود في ظل كثيف. وكأن اللوحة كلها تقوم على هذا التباين بين نور ينزل من الاعلى، وظلام يحيط بالمشهد من كل جانب.

اللوحة لا تصور لحظة صراع، بل لحظة انتظار. الاسود حاضرة بكل قوتها، لكنها لا تنقض. الزمن في المشهد يبدو متوقفا بين الخطر والنجاة. في هذا التوقف يتجسد سؤال قديم في التجربة الانسانية: ماذا يحدث للانسان حين يجد نفسه محاطا بالقوة والخوف بينما يظل قلبه متعلقا بشيء لا يراه؟

صاحب هذه اللوحة هو الرسام الفلمنكي الكبير بيتر بول روبنز، الذي رسم هذا العمل تقريبا بين عامي ١٦١٤ و ١٦١٦. كان روبنز احد اعظم فناني المدرسة الباروكية في اوروبا في القرن السابع عشر، وهي مدرسة فنية عرفت بالحركة القوية والدراما البصرية واستخدام الضوء لإبراز الجسد الانساني وقوة العاطفة. وقد درس روبنز الاسود الحقيقية في حدائق الحيوانات ليرسم حركتها وعضلاتها بدقة لافتة، ولذلك تبدو الحيوانات في اللوحة حية ومهيبة وكأنها تتحرك داخل المشهد.

لكن ما يلفت الانتباه في العمل ليس قوة الاسود فقط، بل التباين بينها وبين سكون دانيال. فالرسام لا يقدم بطلا اسطوريا يقاتل الوحوش، بل انسانا يقف في قلب الخطر وهو يتجه بنظره الى ما وراءه. وكأن اللوحة كلها تدور حول التوتر بين عالمين: عالم القوة الظاهرة حول الانسان، وعالم الطمأنينة الخفية داخل قلبه.

هنا يمكن ان نتأمل اللوحة من زاوية اخرى من خلال كلمات النفري في كتاب المواقف. يقول في موقف المطلع:

"اليقين طريقي الذي لا يصل سالك الا منه

ومن علامات اليقين الثبات

ومن علامات الثبات الامن في الروع"

اذا نظرنا الى اللوحة بهذا المعنى يصبح المشهد مختلفا. فالاسود تمثل الروع والخطر واضطراب العالم، اما الرجل الجالس بينها فيمثل الثبات. ليس ثبات الجسد بل ثبات القلب. فاليقين عند النفري ليس فكرة عقلية بل حالة وجودية تجعل الانسان قادرا على البقاء هادئا حتى في قلب الخوف.

ويضيف النفري ايضا عبارة ذات دلالة عميقة: "العلم بابي والمعرفة بوابي". وكأن الطريق الى الطمأنينة لا يقف عند حدود المعرفة الظاهرة، بل يتجاوزها الى معرفة اخرى اعمق. وربما كان دانيال في هذه اللحظة قد تجاوز لحظة الخوف المعروفة الى لحظة معرفة لا تظهر للعين.

ومن زاوية اخرى يمكن النظر الى المشهد عبر كلمات ابن عطاء الله السكندري حيث يقول:

"انار الظواهر بانوار اثاره

وانار السرائر بانوار اوصافه

لأجل ذلك افلت انوار الظواهر

ولم تأفل انوار القلوب والسرائر"

ويقول ايضا في الحكمة التالية:

"ان شمس النهار تغرب بالليل

وشمس القلوب ليست تغيب"

بهذه الرؤية يبدو المشهد في اللوحة وكأنه لقاء بين نورين. نور الظاهر الذي قد يغيب حين يشتد الظلام، ونور القلب الذي لا يغيب. فالعالم الخارجي قد يمتلئ بالخطر والعتمة، لكن النور الداخلي قد يبقى مشتعلا في قلب الانسان.

ومن زاوية ثالثة يمكن النظر إلى المشهد، وهي زاوية ابن عربي في الفتوحات المكية حيث يميز بين نور الذات ونور الصفات. يقول في الباب الثامن والخمسين بعد المائة:

"فانوار الذات لا تقبل الكسوف ولا الاحتجاب لانها ذاتية وما كان ذاتيا لا يفارق الذات وانوار الصفات تقبل الكسوف والاحتجاب لانها عارضة للذات والعارض يقبل الزوال"

بهذه الرؤية يصبح المشهد اكثر عمقا. فالاسود التي تحيط بدانيال تمثل عالم الظواهر الذي يقبل الكسوف والزوال. اما النور الذي يتجه نحوه دانيال بنظره فهو نور الذات الذي لا يقبل الاحتجاب. الفرق عند ابن عربي ان الكسوف ليس في النور نفسه بل في عين الرائي. كما يقول في موضع اخر:

"الحجاب لا يكون في الحق وانما يكون في المحجوب"

وهذا يفسر العلاقة بين كل هذه القراءات. فالنور الذي يراه دانيال في جب الاسود ليس نورا عابرا قد يخفت او يختفي، بل هو نور الذات الثابت الذي لا يحجبه شيء. اما الظلام الذي يحيط به فهو ظروف الصفات والظواهر التي تقبل التغير والزوال.

عند هذه النقطة يعود الذهن مرة اخرى الى عبارة مارتن بوبر التي بدأنا بها. اذا كان كسوف نور السماء لا يعني ان الشمس قد انطفأت، فربما كانت لحظة دانيال في جب الاسود صورة رمزية لهذا الكسوف. لحظة يبدو فيها العالم مظلما، بينما يبقى النور كامنا خلف حجاب لا يراه الجميع.

لكن عبارة بوبر تكتسب الان عمقا اضافيا بضوء كلمات ابن عربي. فاذا كان النور الذي لا يقبل الكسوف هو نور الذات، فمعنى ذلك ان الكسوف الحقيقي لا يحدث في مصدر النور، بل يحدث في عيون من ينظرون. وما يسميه بوبر "خسوف الله" ليس خسوفا في الاله بل خسوفا في الرؤية البشرية.

وهنا نصل الى الاجابة عن سؤال المقال الاخير: هل كان دانيال في تلك اللحظة يعيش كسوفا للنور ام انه كان يرى نورا لم يكن الآخرون قادرين على رؤيته؟

الجواب عند ابن عربي واضح: دانيال لم يكن يعيش كسوفا، بل كان يرى النور كما هو. لان النور الذي في قلبه هو نور الذات الذي لا يحجبه حجاب. اما الآخرون الذين يرون الظلام حوله فهم المحجوبون، لا لان النور قد غاب، بل لان ابصارهم لا تصل اليه. وكما قال ابن عربي: الحجاب في المحجوب لا في الحق.

***

د احمد عابر

 

في المثقف اليوم