رحلة في أعماق الذات والوجود
في عالم يتسارع خطوه، ويقيس الكينونة الإنسانية بما تحرزه من أرقام أو تعتليه من مناصب، يجد الإنسان نفسه مدفوعا وسط هذا الصخب العارم للتساؤل عن جوهره من أين أستمد قيمتي الحقيقة هل أجدها في بريق المتاع الزائل، أم في صدى الأثر المشهود، أم في كنف ارتباط يمنحني الدفء، أم أن هناك نبعاً آخر أعمق غاب عن البصائر؟ إن الوقوف عند هذا التساؤل الوجودي يقتضي منا تشريح تلك المؤشرات التي تحرك النفس البشرية، لنتأمل منازلها ونكشف عن مبعثها الأصيل.
حين نجيل النظر في واقعنا المعاصر، نلفي أن أول المرافئ التي يستند إليها الكثيرون هو مؤشرالتملك " مال، وعقار، ومظاهر شتى. ورغم أهمية المادة كأداة لتسهيل العيش وتأمين العبور، إلا أنها تظل في الدائرة الخارجية السطحية، والدرجة الأقل استدامة؛ فالذي يربط كرامته بما يحوزه من حطام، يهتز بنيانه النفسي مع أول هزة مادية، لأن اعتباره بُني على عوارض تتبدل بتبدل الأحوال. ومن هذا المنطلق المادي القلق، يترقى المرء نحو أفق أرحب وهو مؤشر "الانتماء"؛ ذاك السياج الوجداني، والوطني، والروحي الذي يبدد وحشة الاغتراب، ويوفر مظلة أمان عاطفية وقبولاً يربط الفرد بالكل الاجتماعي، غير أن هذا الحصن ينقلب تزييفاً إذا تحول إلى ذوبان تام يلغي البصمة الشَخصية المستقلة. ولأن النفس نزّاعة بطبعها نحو صناعة المعنى، يبرز مؤشر "الإنجاز" كأحد أقوى المحركات لتقدير النفس، حيث يرى المرء أفكاره وجهوده وقد تحولت إلى واقع ملموس يعمر الوجود، فيورثه ذلك شعوراً بالجدارة والكفاءة في خطاه فوق هذه الأرض.
بيد أن التحليل الفلسفي العميق يكشف لنا أن هذه التجليات العابرة (التملك، والانتماء، والإنجاز) ليست سوى كواكب تدور في فلك النواة الكبرى وهي ذات النفس فالروح الإنسانية هي المصدر الأول والمبعث الحقيقي لهذه المعادلة بأكملها؛ إذ لا يمكن لنتاج عملي أن يبني مرءاً خاوياً من الداخل، ولا لامتلاكٍ أن يسد ثغرة وجدان متزعزع، ولا لانتسابٍ أن يمنح السكينة لمن يجهل حقيقة نفسه.
إن ذات النفس هي الميزان والمنطلق، وقيمتها الحقيقية نابعة من كونها مكرّمة بفطرتها، متعالية عن كل شرط خارجي أو رهان عابر. وحين تدرك النفس هذا التقدير الداخلي الأصيل، تتغير نظرتها للعالم من حولها؛ فيتحول الإنجاز من وسيلة بائسة لاستجداء الثناء إلى فيض طبيعي من العطاء الباذخ، ويصبح الانتماء مشاركة واعية لا تبعية عمياء، وتغدو الملكية خادمة للروح لا سيداً عليها. في نهاية المطاف، لن يجد الإنسان السلام في حشد الممتلكات ولا في رضا الآخرين، بل في الإياب إلى صميم داخله؛ فحين ينبع النور من غور الذات، تكتمل القيمة، ويصبح الأثر الخارجي راسخاً لا تطويه الأيام.
***
بقلم صبيح الكعبي








