استقرار الدينار كصمام أمان اجتماعي
يقول الحق سبحانه وتعالى ﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ﴾
تختزل هذه الآية جوهر العدالة الاقتصادية، مؤكدة أن السيولة يجب ألا تظل حكراً على فئة تتحكم بمصائر الآخرين. ومن هذا المنطلق، يرى الفيلسوف آدم سميث أنه لا يمكن لمجتمع أن يكون مزدهراً وسعيداً، إذا كان الجزء الأكبر من أعضائه فقيراً وبائساً
إن قراءة المشهد المالي العراقي اليوم بمنظور مستقل ومتزن، تفرض الاعتراف بأن الاختلال النقدي ليس مجرد أرقام جافة على شاشات البورصة، بل هو جرح حي يمس عصب الاستقرار المعيشي للمواطن البسيط. ومن هنا، يصبح نقد السياسات المالية واجباً وطنياً يسعى لتفكيك الأزمة بروح مسؤولة، توازن بين الرؤية التقنية لإصلاح القطاع المصرفي وبين البعد الإنساني لحماية الفئات الأكثر تضرراً من قسوة التضخم.
وفي ضوء هذا الواقع، تعيش الأسواق اضطراباً حذراً نتيجة الفجوة العميقة بين سعر الصرف الرسمي وسعره في الأسواق الموازية الذي يتأرجح متجاوزاً التوقعات الرسمية. هذه الفجوة التي تقترب من 20% تمثل استنزافاً حقيقياً الأقتصاد وتشويههاً للأسعار
وإذا ما أردنا تشخيص المعضلة، فإن تفكيك المشهد يظهر أن صعود وهبوط الدولار الموازي يقف وراءه مثلث حرج؛ يتمثل في المضاربات والشائعات الممنهجة لبعض شبكات الصيرفة، وشروط الامتثال الدولية (المنصة الإلكترونية) التي دفعت صغار التجار للجوء إلى السوق السوداء لعدم قدرتهم على مجيراة البيروقراطية، فضلاً عن الضغوط الجيوسياسية الإقليمية المحيطة.
ولم تتوقف آثار هذه الضغوط عند المؤشرات الكلية، بل امتدت لتلقي بظلالها على حركة التجارة؛ حيث يعاني السوق من الجمود، وترتفع أسعار الأغذية والأدوية المستوردة. والنتيجة الحتمية هي تحول أصحاب الثروات نحو العقارات والذهب، حين تقع الكلفة الأكبر للتضخم على كاهل الطبقات الهشة – وتحديداً الأرامل والمتقاعدين ومستفيدي الحماية الاجتماعية – الذين يجدون رواتبهم الثابتة عاجزة أمام دولار موازٍ لا يرحم.
ولتفادي هذا التراجع البنيوي والانتقال إلى ورقة العمل، نقترح جملة من المعالجات الإجرائية المتكاملة:
1- تسريع الشمول المالي: بأنهاء البيروقراطية المعقدة وتسهيل فتح الحسابات
المصرفية للشركات الصغيرة والمتوسطة لدمجهم في المنصة الرسمية وسحب كتلة نقدية ضخمة من السوق السوداء.
2- تعميم الدفع الالكترون عبر تطبيق صارم والزامي للبيع بالدينار في المجمعات والوكالات الكبرى بالتزامن مع منح حوافز وإعفاءات ضريبية للمتداولين به.
3- حوكمة المصارف الأهلية بتفعيل تدقيق مالي شفاف يضمن التوزيع العادل للنقد الأجنبي للمستحقين الفعليين ومنع تكرار الاحتكار والمضاربات المصطنعة.
4- نظام التعويض التضخمي المرن: بربط رواتب المتقاعدين ومخصصات الحماية الاجتماعية بمؤشر أسعار المستهلك، وأقرار زيادة مالية تلقائية مؤقته
كلما ارتفعت معدلات التضخم لحماية قدرتهم الشرائية.
5- السلة التموينية المصرفية: بتخصيص حصص دولارية ثابتة بالسعرالرسمي
لوزارة التجارة لتمويل أستيراد الأدوية والأغذية الأساسية وتوفيرها بأسعارحقيقية بعيدا عن تقلبات السوق السوداء .
6- بطاقات الدفع الذكية المدعومة تمنح المستحقين خصومات فورية تتراوح بين
15% الى 20% عند التبضع من المراكز الطبية والتجارية والشريكة لتحيد أثر السوق الموازية .
إن قراءة المشهد بعين الإنصاف تقودنا في الختام إلى أن الفجوة السعرية ليست معضلة نقدية تحلها المعادلات الرياضية الصرفة، بل هي في عمقها قضية عدالة اجتماعية؛ فكل إخفاق في ضبط السيولة الرسمية يتحول فوراً إلى عبء ثقيل يضغط على كاهل الأرملة والمتقاعد. وعليه، فإن وضع الأصبع على موضع الألم يقتضي الاعتراف بأن الحلول الترقيعية لم تعد مجدية، وأن صياغة السياسات المالية يجب أن تنطلق من مبدأ حماية الإنسان أولاً، لتكون سلامة الطبقات الهشة هي المعيار الحقيقي لنجاح أي إصلاح.
***
بقلم: صبيح الكعبي








