أقلام حرة
نهاد الحديثي: نحن بين القيمة والثمن
الثمن رقم، والقيمة معنى.. الثمن يُحدَّد، ويُكتب، ويُفاوض عليه، أما القيمة فتُحَسّ، وتترسخ في الوجدان. قد يكون للشيء ثمن مرتفع، لكنه بلا قيمة حقيقية، وقد تكون القيمة عظيمة إلى الحد الذي يعجز معه أي ثمن عن الإحاطة بها. هنا يبدأ الوعي، وهنا تتكشف خطورة الخلط بين المفهومين.. في زحام الحياة حيث تتباين القيم، وتتنافس الأثمان، يظن كثيرون أن كل ما يمكن شراؤه يحمل قيمة، وأن كل ما له سعر يستحق التقدير، غير أن هذا الظن سرعان ما يتهاوى أمام حقيقة بسيطة لكنها قاسية: الأشياء تقع بين قيمة وثمن، وليس كل ما له ثمن يملك قيمة، والوعي بهذه الحقيقة ليس ترفًا فكريًا، بل ضرورة أخلاقية وإنسانية
الثمن رقم يُدفع، أما القيمة فهي أثر يُترك، الثمن يُتفق عليه في لحظة، بينما القيمة تُختبر عبر الزمن، قد يكون للشيء ثمن مرتفع، لكنه لا يضيف شيئًا إلى الروح، ولا يترك أثرًا في الذاكرة، ولا يُنقذ الإنسان حين يحتاج معنى لا مظهرًا، وفي المقابل، هناك أشياء لا تُشترى، لكنها تُغني، ولا تُقوَّم، لكنها تُشكّل الإنسان من الداخل ,, فحتى بعض البشر قد يكون لهم ثمن، لكن ليست لهم قيمة، قد يُشترى موقفهم، أو يُستمال رأيهم، أو يُقايَض ضميرهم، لكنهم لا يملكون أثرًا أخلاقيًا، ولا وزنًا إنسانيًا، ولا حضورًا يُحترم، فالقيمة في الإنسان لا تُقاس بما يحصل عليه، بل بما يثبُت عليه؛ بما يحمله من مبادئ، وبما يصمد به حين تتغيّر المغريات ,, وكذلك الأعمال، فليس كل عمل يُكافأ يكون ذا قيمة، وليس كل جهد يُثنى عليه يستحق الاحترام، هناك أعمال تُؤدى بدافع المنفعة، لا المعنى، وبنية الكسب لا الأثر، أعمال تُنجز، لكنها لا تُصلح، وتتحقق، لكنها لا تُبني، القيمة في العمل ليست في نتائجه الظاهرة فقط، بل في دوافعه، ونزاهته، وأثره في الناس وفي الحياة ,, إن أخطر ما في عصرنا ليس غلاء الأثمان، بل رخص القيم، حين يُكافأ التلوّن، ويُحتفى بالانتهازية، ويُنظر إلى المبادئ بوصفها عائقًا لا شرفًا، عندها يصبح الوعي ضرورة، لا خيارًا، وعي يعلّمنا أن نسأل: ماذا يضيف هذا الشيء إلينا؟ ماذا يبقي فينا؟ ماذا يأخذ منا مقابل ما يمنح؟
فالإنسان الواعي لا ينخدع ببريق الثمن، ولا يساوم على القيمة، يعرف أن بعض الأشياء تُشترى ولا تُحتَرم، وأن بعض البشر يُشاهدون ولا يُقدَّرون، وأن بعض المواقف تُصفَّق لها اليوم وتُدان غدًا. ويدرك، قبل ذلك كله، أن القيمة الحقيقية لا تُعلن عن نفسها، بل تظهر حين تُختبر,, لذلك لسنا مطالبين بأن نرفض الأثمان، بل أن نضعها في حجمها الصحيح، أن نميّز بين ما يُشترى وما يُحتَرم، بين ما يُقتنى وما يُبقي، وبين ما له ثمن وما له قيمة. ليس كل من صعد قيمة، وليس كل من اشتهر وزنًا، بعض الأسماء تُلمعها الأضواء، لكنها تخلو من الجوهر، وبعض الوجوه تتكرر في المشهد، لكنها لا تترك معنى. فالقيمة لا تصنعها المنصات، ولا تُمنح بالتصفيق، بل تُبنى بالثبات، وبالصدق، وبالقدرة على قول "لا" حين يكون الثمن مغريًا.
***
نهاد الحديثي







