عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام حرة

صادق السامرائي: الإنشائية الفكرية!!

أتصفح العديد من المقالات لمفكرين كتبوها في ثمانينيات القرن العشرين، وأجدها ذات نزعة إنشائية وإسهابية عصية على التحقيق، فهي كتابات لا تقترب من الواقع ولا تمتك القدرة على إبتكار أدوات تغييره، والإتيان بضوابط نظرية ذات قيمة إرشادية صالحة للبناء، ومنها إتضح أهم سبب من أسباب تأخرنا، لغياب المنظار العملي القادر على صناعة الحياة الأفضل.

العراق ومصر كانا أكثر تقدما من الصين والكوريتين في النصف الأول من القرن العشرين، وبدايات النصف الثاني منه، لكنهما تدحرجا إلى الوراء، ووصلت الصين والكوريتان إلى مراتب حضارية متقدمة.

فالكتابات الإنشائية الفكرية إنشغلت بالمصطلحات المستوردة من بلاد الآخرين، كالديمقراطية والديكتاتورية والحرية وأمثالها من المفردات التي عجزنا عن تطويعها لصالح تطورنا، بل جعلناها معوقات ومدمرات لوجودنا.

فالمشكلة ليست في الديمقراطية والديكتاتورية، وإنما في القيادات المحدودة الرؤى والقاصرة المعرفة. فالمجتمعات بقادتها، والدول والأمم برجالاتها الذين يتمكنون من التعبير عن رؤاها وتحرير طاقاتها الكامنة، فليكن أسلوب الحكم ما يكن، المهم التفاعل الخلاق مع المجتمع، وتحويل الطاقات البشرية إلى ينابيع متدفقة بالإبتكار والعطاء الأصيل.

يُقال أن الراحل فيدل كاسترو جمع المختصين بالمايكروبات بأنواعها وطلب منهم أن تكون كوبا الأولى في إنتاج أمصال اللقاحات، ووفر لهم الدعم المطلوب، فحققوا رغبته، ويذكر أن كوريا الجنوبية قد شجعت القطاع الخاص ودعمته وطلبت منه أن ينتج للتصدير، فكان لها ما أرادت، وكوريا الشمالية بنظامها المعروف ذات إرادة إنتاجية فائقة جعلتها تتحدى أعتى القوى الأرضية.

اما في مجتمعاتنا، فبالتأميم قضينا على القطاع الخاص وصارت الدولة تملك كل شيئ، وفي الإصلاح الزراعي قضينا على الزراعة، وعجزنا عن الإستثمار المعقول بواردات النفط، فتبلدت قدراتنا الإنتاجية وشلت أيادينا، وصرنا نعتمد على غيرنا في كل شيئ!!

وقد أدهشني أن النظام الشيوعي في الدول الإشتراكية الذي لم يحارب الملكية الخاصة، بل دعمها بما يوفر إنتاجية عالية، وعندنا صارت الأرض لمن يزرعها، والقطاع الخاص تحت أقدام المتسلطين، ولا حياة إلا للكراسي المتأسدة في غاب وجيعنا الحامي.

تَدحْرجْنا إلى خلفَ الوراءِ

وأجْهزْنا على روحِ السَماءِ

بعِلمٍ سادَتِ الأجْيالُ فيها

ومِن كَسلٍ أُصِبْنا بالخَواءِ

فلا إقرأ ولا إصْنعْ عَرفْنا

ولا إزْرَعْ بدائرةِ النماءِ

***

د. صادق السامرائي

في المثقف اليوم