عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام حرة

قاسم المحبشي: هولندا.. البحث عن المعنى

تجربة سفر

فجر اليوم وصلني من القاهرة رقم الإيداع والتصميم الأخير لكتابي الجديد «هولندا: البحث عن المعنى»، فوجدتني أمام شيء يتجاوز فرحة صدور كتاب جديد. كنت أقلب الصفحات وأتأمل الغلاف والعناوين والصور والذكريات، وأشعر أنني لا أستلم كتابًا فحسب، بل أستعيد رحلة كاملة عشتها وما زلت أعيشها؛ رحلة بدأت من مكان تركته بحثًا عن الأمن والحرية والعيش الكريم، ثم تحولت شيئًا فشيئًا إلى رحلة أخرى: رحلة البحث عن معنى الحياة، ومعنى الوطن، ومعنى الحرية، ومعنى المؤسسة، ومعنى أن يكون الإنسان إنسانًا في عالم صار متقاربا بعد انكماش الزمان والمكان إذ تتفاعل فيه الشعوب والثقافات والتجارب، لكنها لا تزال تحتاج إلى أن تتعلم كيف تفهم بعضها بعضًا.

في ضوء هذه الرؤية الكلية للمعنى يأتي هذا الكتاب؛ لا بوصفه دليلًا سياحيًا عن هولندا، ولا سجلًا للأماكن والمدن والمتاحف والأنهار والغابات والمحطات التي عبرتها منذ أن وطئت قدماي أرضها. فما يعنيني هنا ليس المكان في حد ذاته، بل الإنسان الذي يبحث عن نفسه في المكان، وعن معنى حياته في التحول من مكان إلى آخر. لقد غادرتُ مكانًا لم يعد قادرًا على أن يمنحني ما أحتاج إليه من أمن وحرية وعيش كريم، حاملا معي ذاكرتي وأسئلتي وأفكاري، لأبدأ رحلة لم تكن في جوهرها انتقالًا جغرافيًا، بقدر ما كانت خروجًا من عالم إلى عالم من معرفة إلى خبرة، من سماع إلى رؤية ومن يقين إلى سؤال. لذلك لم أنظر إلى هولندا بعين السائح، بل بعين إنسان يحمل تاريخًا وذاكرة وثقافة، ويقف أمام مفاهيم طالما قرأ عنها ودرّسها: الدولة، والقانون، والمواطنة، والحرية، والديمقراطية، والعدالة، وحقوق الإنسان، والتعليم والعلم والتحدي والاستجابة .الخ جئت لأرى ما الذي يحدث لهذه المفاهيم - التي طلما وقرأتها منذ زمن طويل في الكتب ولم ارى أو اعش ماصدقها في الواقع- فكيف المفاهيم المجردة إلى ممارسة، وعادات، ومؤسسات، وتفاصيل صغيرة تصنع في مجموعها معنى الحياة. تلك هي المسألة فماذا تعني الحرية حين تصبح ممارسة يومية؟ ماذا يعني القانون حين يتحول من نص إلى مرجعية؟ ماذا تعني المؤسسة حين تصبح أقوى من الأشخاص؟ ماذا تعني المواطنة حين يشعر الإنسان أنها حق وليست مكرمة؟ وماذا تعني الجامعة حين تصبح الحرية الأكاديمية شرطًا من شروط جودتها؟

ومن هنا تحولت هولندا بالنسبة إليّ إلى مختبر حضاري مفتوح؛ لم أعد أراها مجرد بلد أقيم فيه، بل فضاءً حيًّا أختبر فيه أفكارًا ومفاهيم عشت طويلًا أدرسها وأكتب عنها، وأتساءل عن المسافة الفاصلة بين المفهوم حين يكون فكرةً في الكتاب، وحين يصبح ممارسةً في الحياة. وفي قلب هذه التجربة برز لي مفهوم الانتظار بوصفه أكثر من زمنٍ عابر؛ فقد صار جزءًا من تفاصيل يومي: أنتظر رسالة، وموعدًا، ووثيقة، وقرارًا، وفرصةً، وأنتظر أن تتضح بعض الأشياء التي ما تزال معلقة بين ما كان وما سيكون. أخرج إلى الشارع، أركب القطار، أمشي في الغابة، أجلس في مقهى أو مكتبة، ألتقي بالناس، وأرى الحياة من حولي تمضي في انتظامها الهادئ، بينما يظل في داخلي سؤالٌ ينتظر جوابًا. عندها أدركت أن الانتظار ليس فراغًا بين حدثين، بل تجربة نعيشها ونحن نحاول أن نمنح الزمن معنى. وربما كان هذا هو الاختبار الأعمق الذي خضته هنا: كيف أحوّل انتظار المهاجر من قلقٍ على المستقبل إلى فرصةٍ لفهم الحاضر، ومن حالة مؤقتة إلى طريقة جديدة في النظر إلى الحياة؟ومن هنا انتقلت في تجربتي من قلق الانتظار إلى اكتشاف المعنى.

وهذه النقلة هي التي تمنح الكتاب بعده الإنساني الأوسع . فأنا لا أكتب عن هولندا لكي أقول: انظروا إلى مجتمع مثالي لا أخطاء فيه. لا أؤمن أصلًا بأن هناك مجتمعًا بلغ نهاية التاريخ أو امتلك الحقيقة كاملة. وكلما ازداد الإنسان معرفة بالتاريخ والحضارة ازداد حذرًا من الأساطير التي تصنعها المجتمعات عن نفسها ولهذا لا يقوم الكتاب على ثنائية ساذجة بين «شرق متخلف» و«غرب متقدم»، ولا على الاحتفاء بالغرب من جهة، أو هجائه من جهة أخرى. إنه محاولة لفهم المسافة بين المفهوم والممارسة، وبين الدولة بوصفها اسمًا والدولة بوصفها مؤسسة، وبين الحرية بوصفها كلمة والحرية بوصفها حياة.

فالحوار الحقيقي بين الحضارات لا يبدأ من السؤال: من الأفضل؟ ومن الأكثر تقدمًا؟ ومن يمتلك الحقيقة؟ وإنما يبدأ من سؤال أكثر تواضعًا وعمقًا: ماذا يمكن أن نتعلم من تجارب بعضنا بعضًا؟ فالأفكار تسافر، والكتب تعبر الحدود، والناس يهاجرون، واللغات تتفاعل، والتجارب تتبادل التأثير. وما نحتاجه اليوم ليس مزيدًا من الجدران النفسية والثقافية، وإنما مزيدًا من القدرة على رؤية الإنسان في الآخر قبل رؤية الاختلاف فيه.

وقد وجدت أن تجربة السفر نفسها فعل فلسفي. فأنا حين أغادر مكاني لا أغادر جغرافيته فقط، بل أغادر أيضًا بعض المسلمات التي صنعتها الإقامة الطويلة داخل ثقافة واحدة. السفر يضعني أمام الآخر، لكنه يضعني كذلك أمام ذاتي. ولهذا لم تكن رحلتي من اليمن إلى هولندا مجرد انتقال من نقطة جغرافية إلى أخرى على الكوكب ، بل كانت انتقالًا من طريقة في فهم العالم إلى طريقة أخرى. حاولت أن أجعل الأماكن نفسها جزءًا من هذا الحوار. دينكامب، أولدنزال، ناميخن ودنبوش أوتمارسوم، ماستريخت، فالكنبورخ، لاهاي، أمستردام وغيرها ليست في الكتاب مجرد أسماء على خريطة. إنها مشاهد وتجارب وأسئلة. حتى الغابات والطيور والمتاحف والقطارات والقنوات والجسور والمقاهي والجامعات والطبيعة اليومية أصبحت بالنسبة إليّ نصوصًا مفتوحة للقراءة.

ولعل أكثر ما استوقفني في التجربة الهولندية علاقة الإنسان بالماء. هنا رأيت كيف يمكن للمجتمع أن يحول الخطر إلى معرفة، والمعرفة إلى مؤسسة، والمؤسسة إلى نمط حياة. لقد تحول الماء من مشكلة إلى مورد، ومن تهديد إلى فرصة، ومن قوة طبيعية عمياء إلى عنصر من عناصر بناء الحضارة. ومن هنا وصلت إلى معنى أوسع للحضارة: ليست الحضارة كثرة الكلام عن النعم، وإنما القدرة على تحويل النعمة إلى منفعة عامة. وقد اخير الاستاذ وجيه جعفر بان وراء الاستجابة الهولندية الفاعلة لتحدي القوة المائية العمياء فلسفة كاملة تتلخص في عبارة (واجه الخطر قبل أن يصل اليك)

واتذكر أنني كتب دراسة بعنوان (إمستردام التي روضت البحار) نشرته في مجلة حوريت الحضرمية الصاعدة في عددها الأخير.

ومن هنا فإنني لا أريد للقارئ أن يرى هولندا بوصفها «نموذجًا» ينبغي نسخه، بل بوصفها تجربة تاريخية تستحق أن تُقرأ، كما تستحق تجاربنا نحن أن تُقرأ من الداخل والخارج. فالحوار الحضاري لا يعني أن يتخلى الإنسان عن هويته، وإنما يعني أن يصبح قادرًا على رؤية هويته في مرآة الآخر، وأن يرى الآخر بوصفه إنسانًا قبل أن يراه بوصفه مختلفًا فكل الناس في العالم ينتمون إلى ذات النوع من الكائنات الحية البشرية. جميع البشر بلا استثناء هم ابناء هذا الأرض ولا احد جاء من المريخ أو المشتري.

لقد انتهيت من كتابة هذا الكتاب، لكنني لا أشعر أنني انتهيت من البحث عن المعنى. فمنذ أن غادرت اليمن بحثًا عن الأمان، لم تتوقف ذاكرتي عن استدعاء المكان الأول كلما واجهت مكانًا جديدًا. كنت أجد نفسي، دون قصد، أقارن بين ما أراه هنا وما عشته هناك؛ بين مؤسسة تعمل وأخرى تعطلت، بين طفل يذهب إلى مدرسته مطمئنًا وطفل عرف الحرب قبل أن يعرف معنى المدرسة، بين إنسان يمارس حياته اليومية في ظل القانون والأمان، وإنسان تحولت حياته العادية إلى حلم بعيد المنال. لم تكن هذه المقارنة رغبة في إدانة مكان أو تمجيد مكان، وإنما كانت طريقة الذاكرة في فهم التجربة، وطريقة الإنسان في اكتشاف ما كان يمكن أن يكون عليه وطنه لو تعلّم من تجارب الآخرين. فتاريخ النوع الإنساني واحد على كوكب الأرض

والحضارات لا تتقدم لأنها تملك وصفة سحرية، وإنما لأنها تتعلم، وتراجع تجاربها، وتصحح أخطاءها، وتستفيد من تجارب غيرها. وليس في التعلم من الآخر انتقاص من الذات، بل هو أحد أشكال احترام العقل؛ فالأمم التي تنظر إلى تجارب الآخرين بعين مفتوحة تستطيع أن ترى إمكاناتها الخاصة بصورة أوضح.

وأنا سعيد بأن يخبرني صديقي، الناشر المثقف إبراهيم موسى النحاس، صاحب دار الأنوار للنشر والتوزيع، أن «هولندا: البحث عن المعنى» سيكون حاضرًا في معرض القاهرة الدولي للكتاب القادم؛ ليواصل الكتاب رحلته من تجربة شخصية إلى فضاء إنساني أوسع، حيث يظل السؤال مفتوحًا: كيف نحول ما تعلمناه من التاريخ إلى حياة، وما راكمناه من المعرفة إلى منفعة، وما اختبرناه من الألم إلى معنى؟

وهكذا غادرت مكانًا بحثًا عن الأمان، لكنني اكتشفت، مع امتداد الرحلة، أن الأمان وحده لا يكفي لكي تصبح الحياة جديرة بأن تُعاش. فالإنسان لا يبحث عن مكان آمن فحسب، بل عن مكان يستطيع فيه أن يكون إنسانًا: أن يفكر دون خوف، وأن يختلف دون عداوة، وأن يعمل، ويحب، ويحلم، ويمنح حياته معنى. ولهذا لم تعد الرحلة بالنسبة إليّ انتقالًا من بلد إلى بلد، ولا خروجًا من ماضٍ إلى حاضر، وإنما انتقالًا داخليًا من الخوف إلى السؤال، ومن السؤال إلى المعرفة، ومن المعرفة إلى المسؤولية.

ختاما: علمتني الحياة أن المعنى لا ينتظرنا في نهاية الطريق، ولا يُمنح لنا جاهزًا؛ نحن نصنعه بما نتعلمه، وبما نفعله، وبما نتركه في حياة الآخرين. وربما كان أعمق ما تعلمته أن قيمة الإنسان لا تقاس بما يملك، بل بما يستطيع أن يضيفه إلى الحياة، وأن أفضل ما يمكن أن نفعله بالتاريخ هو ألا نكرر مآسيه، بل أن نحول دروسه إلى مستقبل أكثر إنسانية.

***

د. قاسم المحبشي

 

في المثقف اليوم