عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام حرة

هناء عبد الكريم: إلى أين نتجه نحن؟

تربّينا في الماضي على أشياء كثيرة قد تبدو اليوم بسيطة، لكنها في الحقيقة كانت تشكّل أساسًا مهمًا في العلاقات الإنسانية، وفي طريقة تعاملنا مع الحياة ومع الناس.

تربّينا في بيوتنا على أن لكل فرد مكانته.

الكبير له احترامه وطريقة خاصة في التعامل معه، والصغير له مكانته وحقوقه، ولكل فرد من أفراد العائلة حدود لا نتجاوزها، ومشاعر نراعيها، ومكانة نحفظها.

تربّينا على أن العم والعمّة، والخال والخالة، ليسوا مجرد أسماء في شجرة العائلة، وإنما لهم مكانة حقيقية في حياتنا.

كان للأقارب قدسية معينة في نفوسنا، وكان لأبناء العم وأبناء الخال صلة خاصة، تسقط أمامها أحيانًا الكثير من الخلافات الصغيرة، لأن صلة الرحم كانت أكبر من أن تختصرها مشكلة عابرة أو موقف لم يعجبنا، والجار ايضا

للجار حقوق، وللجيرة حرمة، وللعلاقة مع الناس من حولنا قواعد نتعلمها منذ الصغر.

وكنا نتعلم أيضًا كيف نتعامل مع الشخص الغريب، وكيف نحترم من نتعرف عليه، وكيف نُظهر أفضل ما فينا أمام الآخرين.

لم تكن التربية آنذاك تعني أن الإنسان بلا عيوب، أو أن كل الناس كانوا مثاليين.

بالعكس...

كنا نخطئ ونغضب ونختلف، لكننا كنا نتعلم أن ليس كل ما نشعر به يجب أن نقوله، وليس كل ما نفكر به يجب أن نفعله، وليس كل غضب يستحق أن يتحول إلى كلمة جارحة أو تصرف مؤذٍ.

كان هناك شيء اسمه مراعاة الخاطر. وشيء اسمه حفظ الود.

وشيء اسمه احترام المقامات.. عمي خالي صديقي جاري وهكذا ..

وكان لهذه الكلمات معنى يتجاوز مجرد صلة الدم أو معرفة الاسم.

لكن ماذا حدث اليوم؟

يبدو أننا وصلنا إلى مرحلة بدأت فيها قواعد جديدة تُكتب للحياة والعلاقات.

قاعدة واحدة تتكرر أمامنا بأشكال مختلفة:

أنا أولًا... ومصلحتي أولًا... وراحتي أولًا.

وأنا لا أتحدث هنا عن حق الإنسان في حماية نفسه، أو وضع حدود صحية في علاقاته، فهذا أمر ضروري ولا يمكن إنكاره.

لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول حماية النفس إلى أنانية، والحدود إلى قطيعة، والراحة النفسية إلى مبرر للهروب من كل مسؤولية، والمصلحة الشخصية إلى المعيار الوحيد الذي نقيس به الناس والعلاقات.

اليوم تنتشر على مواقع التواصل آلاف المقاطع التي تقدم للشباب نصائح من نوع:

لا تفعل شيئًا إلا إذا كان لمصلحتك... لا تتحمل أحدًا.

قاطع كل شخص يزعجك.... لا تهتم بما يشعر به الآخرون.

إذا تعارض أي شخص مع راحتك، ابتعد عنه فورًا.

ولا يهم إن كان قريبًا، أو جارًا، أو صديقًا، أو حتى شخصًا له فضل عليك... المهم أن تكون أنت في المقدمة.

وبعض هذه الأفكار قد يكون صحيحًا في سياقات معينة، لكن المشكلة في تحويلها إلى قاعدة عامة للحياة.

لأن الإنسان إذا تربى على أن علاقاته كلها يجب أن تخدم راحته ومصلحته، فماذا سيبقى من معنى العائلة؟

 والصداقة؟ وصلة الرحم؟ ومن الجيرة؟

وماذا سيبقى من معنى أن نقف إلى جانب شخص في وقت لا يقدم لنا فيه أي منفعة؟

العلاقات الإنسانية أصلًا لا تُبنى كلها على المنفعة.

لو كانت كذلك، لما بقيت أم بجانب ابنها في مرضه، ولا أب بجانب ابنته في ضعفها، ولا صديق بجانب صديقه في أزمته.

نحن أحيانًا نكون في حياة الآخرين من أجل الإنسان نفسه، لا من أجل ما يقدمه لنا.

وهنا تكمن قيمة العلاقات الحقيقية.

الأخطر من ذلك أن فكرة "أنا أولًا" بدأت، في بعض الحالات، تتجاوز حدود الأقارب والأصدقاء حتى تصل إلى الوالدين.

نسمع اليوم عن أبناء يقطعون آباءهم وأمهاتهم لأسباب بسيطة، أو لأنهم لم يحصلوا على ما يريدون، أو لأنهم لا يريدون تحمل مسؤولية الرعاية، أو لأن وجود الوالدين أصبح بالنسبة لهم عبئًا على نمط حياتهم.

وفي المقابل نرى دور رعاية المسنين تمتلئ بكبار السن، في الوقت الذي يكون فيه أبناؤهم موجودين، أصحاء، وقادرين على التواصل معهم ورعايتهم.

ولا أريد أن أظلم الجميع بهذا الكلام.

فليس كل شخص يضع والده أو والدته في دار للمسنين عاقًا، فقد تكون هناك ظروف صحية أو اجتماعية أو أسرية قاهرة تجعل ذلك الخيار ضروريًا.

لكن السؤال الذي يستحق أن نتوقف أمامه هو: هل أصبحنا فعلًا أقل قدرة على رعاية بعضنا؟

هل أصبح وجود الكبير في حياتنا عبئًا بدل أن يكون امتدادًا لها؟

وهل أصبحنا نبحث عن أسهل طريقة للتخلص من المسؤولية بدل أن نبحث عن طريقة تجعلها أكثر إنسانية؟

وأنا أعتقد أن الخلل لا يبدأ من الشارع...ولا من المدرسة وحدها...ولا حتى من مواقع التواصل وحدها.

الخلل يبدأ عندما تتراجع وظيفة البيت.

البيت كان في السابق المدرسة الأولى.

الطفل يتعلم فيه كيف يحترم، وكيف يعتذر، وكيف يتعامل مع الكبير، وكيف يرحم الصغير، وكيف يحفظ السر، وكيف لا يجرح إنسانًا بكلمة، وكيف يختلف دون أن يهدم العلاقة.

اليوم أصبح الطفل يقضي ساعات طويلة أمام شاشة يتلقى منها أفكارًا وقيمًا ومفاهيم عن الحياة، بينما قد لا يحصل داخل البيت إلا على دقائق قليلة من الحوار الحقيقي.

والأخطر أن تأثير مواقع التواصل لا يتوقف عند تقديم المعلومة.

إنها تقدم نموذجًا للحياة.

تقول له كيف يجب أن يفكر، ماذا يجب أن يحب، كيف يجب أن يرى نفسه، وكيف يجب أن يرى الآخرين.

ومع الوقت، يصبح الإنسان محاطًا بآلاف الأصوات، بينما صوت البيت نفسه يصبح ضعيفًا.

حتى الأصدقاء الذين كان لهم في السابق تأثير كبير في تشكيل الشخصية، أصبح تأثيرهم أحيانًا أقل مما نتخيل، لأن كل شخص يعيش داخل هاتفه، داخل عالمه الخاص، يتابع عشرات الأشخاص الذين لا يعرفهم أصلًا، ويتأثر بأفكارهم أكثر مما يتأثر بمن حوله في الواقع.

أنا لا أعتقد أننا بحاجة إلى العودة إلى الماضي بكل تفاصيله. فليس كل ما كان في الماضي صحيحًا، وليس كل ما يحدث اليوم خاطئًا. لكننا بحاجة إلى أن نستعيد المعاني الجميلة التي فقدناها ونحن نتقدم.

وهنا أخشى أن يكون السؤال الحقيقي:

إلى أين نتجه نحن؟

إلى مجتمع يعرف كيف يعيش لنفسه فقط؟

أم إلى مجتمع يعرف كيف يحافظ على نفسه، وفي الوقت نفسه لا يفقد معنى العائلة، والرحمة، والوفاء، والجيرة، والصداقة، وصلة الرحم؟

لأن التقدم الحقيقي، في رأيي، ليس أن نتخلى عن كل ما ورثناه لمجرد أنه قديم...

ولا أن نتمسك بكل ما كان لمجرد أنه من الماضي.

التقدم الحقيقي أن نعرف:

ماذا نأخذ معنا إلى المستقبل... وماذا يجب ألا نسمح له بأن يضيع في الطريق؟

***

هناء عبد الكريم

ذي قار / قلعة سكر

في المثقف اليوم