عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام حرة

سليمان بن تملّيست: حين تصبح الصورة معيارًا والنص هامشًا

في مأزق الأدب داخل العالم الافتراضي

لم يعد المشهد الأدبي في العالم الافتراضي يعاني من نقص في الكتابة، بل من أزمة في القراءة ومعايير التلقي. النصوص كثيرة، لكن الانتباه إليها محدود، وغالبًا ما يسبق حضورُ الصورة حضورَ الكلمة.

ليست المشكلة في الصورة بوصفها عنصرًا جماليًا، وإنما في تحولها إلى معيار للانتباه والانتشار. فالمنصات الرقمية تعمل داخل اقتصاد يقوم على سرعة الالتقاط والتفاعل، ولذلك تميل خوارزمياتها إلى إبراز ما يمكن استهلاكه سريعًا، بينما يحتاج النص الأدبي إلى وقت لا تكافئه الأرقام بالضرورة.

هنا يحدث الانزياح الأخطر: ما يجذب الانتباه يبدأ في تحديد ما يُكتب.

فالكاتب الذي يراقب التفاعل باستمرار قد يميل إلى العبارة القصيرة، والصورة المؤثرة، والخاتمة الصادمة، لأنها أكثر قابلية للتداول. وبذلك تتحول الكتابة، تدريجيًا، من بحث عن قيمة جمالية أو فكرية إلى استجابة لشروط الظهور.

ولا يتوقف الأمر عند شكل النص؛ إذ تتأثر أيضًا علاقته بالنقد. فثقافة "الإعجاب" السريع تنتج مجاملات أكثر مما تنتج قراءات. وحين يصبح كل منشور "رائعًا"، يصبح من الصعب على الكاتب أن يعرف مواطن القوة والخلل في عمله. التشجيع الذي لا يتيح ملاحظةً نقدية قد يريح الكاتب، لكنه لا يطوّر كتابته. من هنا تقع المسؤولية على الأطراف الثلاثة.

المنصة مطالبة بألا تجعل التفاعل معيارها الوحيد للظهور. تستطيع أن تخصص مساحات لاختيار النصوص، وتدعم نوادي القراءة، وتفتح المجال لقراءات نقدية، وتمنح الأعمال الجيدة فرصًا للانتشار وفق قيمتها لا وفق حجم التفاعل الذي سبق أن حصلت عليه.

والقارئ يستطيع أن يقاوم الاستهلاك السريع بأبسط فعل: أن يقرأ قبل أن يضغط زر الإعجاب. وأن يستبدل التعليق العام بملاحظة محددة؛ فقول "أعجبتني هذه الصورة الشعرية لأنها..." أكثر فائدة من عشرات عبارات المديح الجاهزة.

أما الكاتب فعليه أن يفصل، قدر الإمكان، بين قيمة نصه وأرقامه. فنجاح المنشور ليس نجاحًا أدبيًا بالضرورة، كما أن ضعف انتشاره ليس حكمًا على جودته. الكاتب الذي يجعل الخوارزمية معيارًا لكتابته يخاطر بأن يكتب لجمهور اللحظة، لا للأدب.

المطلوب إذن ليس إلغاء الصورة ولا رفض المنصات، بل إعادة ترتيب العلاقة بين الوسيلة والمحتوى: أن تكون الصورة عتبة للنص، لا منافسًا له؛ وأن يكون التفاعل بداية للحوار، لا نهايته؛ وأن يصبح النقد جزءًا من الحياة الأدبية الرقمية، لا استثناءً فيها.

فالأدب لا يُقاس بما يوقف حركة الإصبع على الشاشة، بل بما يوقف حركة التفكير داخل القارئ. لذلك لا تكمن المسألة في إقصاء الصورة أو رفض المنصات الرقمية، وإنما في إعادة التوازن بين الوسيلة والمحتوى: أن تكون الصورة عتبةً إلى النص لا بديلًا عنه، وأن يكون التفاعل بدايةً للحوار لا نهايته، وأن يستعيد النقد مكانه بوصفه جزءًا من صناعة الذائقة.

وحين يصبح السؤال: "كم حصد النص من إعجاب؟" أهم من سؤال: "ماذا فعل النص بقارئه؟"، نكون قد انتقلنا من صناعة الأدب إلى صناعة محتوى أدبي قابل للاستهلاك السريع. أما الأدب الحقيقي، فليس ما يستوقف العين لحظة، بل ما يستقر في الذاكرة طويلًا؛ وما يترك لدى قارئه فكرةً أو سؤالًا أو أثرًا يتجاوز عمر المنشور.

ولعل مسؤوليتنا اليوم ليست أن نكتب أكثر، بل أن نقرأ بعمق أكبر؛ حتى لا يتحول النص، في زحام الصور، إلى مجرد صورة أخرى.

***

بقلم: سليمان بن تملّيست - تونس

جربة في 2026/09/08

في المثقف اليوم