1- الحرية والهوية: تمثلُ الكتابة عن المرأة الشاعرة تحديا نقديا بسبب اختلاف طبيعتها وتجاربها وتطورها وعدم ثباتها ؛ لأنها انطلقت من أفق ضيق إلى حرية بلا حواجز ولا تابوهات ولا محرمات ولا نماذج ذهنية أو أيديولوجية ؛ لأنها تقوم على مفاهيم الموقف والأحوال والمقامات ثم اللحظة، وإن كان البعض يرى أنهم تأثروا بالفكر الغربي بأن الأدب والفن بلا غائية (1) - وأصبحت المرأة الشاعرة لديها الجرأة على النبش والاقتحام لكل مجهول ومحرم ومغلق (2) بل لديها فوران إبداعي لأن "شاعر قصيدة النثر شاعر حر، وبمقدار ما يكون إنساناً حراً، أيضاً، تعظم حاجته إلى اختراع متواصل للغة تحيط به، لغة ترافق جَرْيَه، تلتقط فكره الهائل التشوش والنظام معاً. ليس للشعر لسان جاهز، ليس لقصيدة النثر قانون أبدي(3) فالقصيدة النثرية لا قانون يحكيمها منذ بديتها على يد الرواد وهذا ادى الى التجريب في كتابتها وجعل العديد من الكتاب والنقاد يصفونها بأنها أكثر عدائية لأنها تهاجم القارئ دفعة واحدة ولا تصبر على الحكم والقيم التي كانت سائدة في القصيدة التقليدية لأن هذه "القصيدة مليئة بشهوة النقض والخلق، شهوة الحركة والبحث والتجاوز، تؤكد سلطة الجنون، أي سلطة الشعر هذه السلطة الشعرية المتحدية الضّارية (4).
وهذه السلطة والجنون الشعري يجعلنا نثير عدة تساؤلات عن الانتاج الشعري للشاعرة مجيدة محمدي وهي شاعرة تونسية تُعد من أبرز الأصوات النسائية في الشعر العربي المعاصر، حيث تجمع بين الشعر والمقال، وتكتب بروحٍ تعتبر الكتابة فعل حياة ومقاومة للصمت، وقد صدرت لها أعمال مثل أنا وأخرياتي والعين الثالثة ولها ديون مخطوط، كما أنها صوت أنثويٍّ يرفض الانغلاق، ويبحث عن الحرية عبر الكلمة، والكتابة لديها ليست ترفًا، بل فعل حياة، ومقاومة للصمت، ووسيلة لإعادة تشكيل العالم من منظور المرأة، هذا وقد تابع النقاد كتاباتها الشعرية فمنهم الشاعر والناقد العراقي رياض عبد الواحد، و الدكتور والباحث التونسي محمد عيسى مهنا،و الشاعرة والإعلامية التونسية نجاة الماجريو الشاعرة تحاول من خلال مشروعها الإبداعي أن تثير قضايا وتساؤلات متعددة في الدين: هل يمكن أن يكون الشك طريقًا إلى إيمان جديد، لا مجرد قطيعة مع القديم؟ كيف يتأرجح الكائن الإنساني بين خطيئته الأرضية وجوعه الروحي اللامتناهي للتطهر؟كما في نصها مموس تائهة و التي تطرح من خلاله سؤالاً عميقاً حول التطهر الروحي والخلاص بالبحث في ثنائية (المدنس والمقدس)، وكيف يصارع الإنسان عزلته وندمه بحثاً عن السلام الداخلي والارتباط بالقوة الروحية العليا بعيداً عن أحكام المجتمع وصدمات الواقع؟ و هل التوبة تكفي لمحو الخطيئة، أم أن المجتمع يظل يلاحقها؟
قالَتْ،
هذَا اللَّيْلُ يَأْكُلُ مِنْ خَاصِرَتِي،
كَمَا تَأْكُلُ النَّارُ آخِرَ أَوْرَاقِ الخَرِيفِ.
لَا رَغِيفَ لِي،
سِوَى الجُوعِ المُعَلَّقِ عَلَى مِسْمَارِ الرُّوحِ.
أُنْصِتُ إِلَى خُطُوَاتِ العَتَمَةِ، وَهِيَ تَجُرُّ أَذْيَالَهَا فِي مَمَرَّاتِ القَلْبِ،
فَأَرَى الظِّلَالَ تَتَنَاسَلُ مِنْ ظِلٍّ إِلَى ظِلٍّ، كَقَبِيلَة مِنَ الأَسْئِلَةِ ضَلَّتْ طَرِيقَ اليَقِينِ
حَوْلِي ذِئَابٌ شَبِقَةٌ،
تَدُورُ كَالكَوَاكِبِ حَوْلَ خَطِيئَةٍ قَدِيمَةٍ،
تَشُمُّ رَائِحَةَ الخَوْفِ فِي أَكْمَامِ اللَّيْلِ،
وَتَغْرِسُ أَنْيَابَهَا فِي جِهَاتِ الصَّمْتِ.
ولَا رَفِيقَ لِي.
لَا أَحَدَ يُرَتِّبُ الفَوْضَى فِي عُيُونِي،
وَلَا أَحَدَ يَجْمَعُ شَظَايَا النُّجُومِ المُتَنَاثِرَةِ عَلَى أَرْصِفَةِ انْتِظَارِي.
وَحْدَهَا الخَطِيئَةُ المُرَّةُ تَنهش جسدي.
تُقَدِّمُ لِي كَأْسَهَا المُعْتِمَةَ، وَتَقُولُ، اشْرَبِي مِنْ هَذَا الأَسَى،
فَإِنَّ الطُّرُقَ الطَّوِيلَةَ لَا تُنْبِتُ غَيْرَ الأَشْوَاكِ.
فَأَبْتَسِمُ لَهَا، مُعْرِضَةٌ،
كَغَرِيقٍ يُحَيِّي مَوْجَتَهُ الأَخِيرَةَ، وَأَمْضِي
فالشاعرة في هذا النص تتناول صراعاً وجودياً عميقاً من خلال اعترافات تكشف أزمة الوعي والشك في اليقين، كما تكشف عن صراع وجودي عميق بين الخطيئة والوعي، بين الجوع الروحي والقيود الجسدية، وبين زيف الأخلاق وعجز اللغة، منخلال صور بلاغية مكثفة، تجربة الخطيئة والصراع بين الجوع الروحي والقيود الجسدية، إلى جانب نقد زيف الأخلاق الاجتماعية وعجز اللغة، لتنتهي بانتصار الذات عبر الرفض والانعتاق، حيث الابتسامة الأخيرة إعلان حرية داخلية رغم قسوة الواقع فالعنوان يجمع بين متناقضين و يقوم على المفارقة: الجمع بين الخطيئة والخلاص في تركيب واحد،و يخلق توترًا دراميًا منذ البداية، إذ يضع القارئ أمام سؤال: هل الاعتراف بداية خلاص أم استمرار للعار؟ فكلمة مموس كلمة عربية قديمة تعني البغي، وتحمل حمولة ثقيلة من العار والنبذ وهي تضع النص في فضاء الاعتراف والفضيحة، وتكسر التابوهات الاجتماعية والشاعرة من خلال استخدامها لتك الكلمة (مومس) توجه نقدا مباشرا للأخلاق الزائفة التي تجرّم المرأة وتترك المجتمع بلا مساءلة، كلمة تائبة صيغة اسم فاعل مؤنث، تعكس فعلًا مستمرًا لا لحظة عابرة، أي أن التوبة فعل وجودي دائم، و تمنح النص بعدًا روحيًا، كما تفتح بابًا للتأمل في الخلاص، و تكشف عن جدلية الدين والوعي: هل التوبة تكفي لمحو الخطيئة؟ فالعنوان
ازدواجية المجتمع: يدين المرأة باسم الأخلاق لكنه يتغاضى عن خطاياه
جدلية الدين والحرية: هل التوبة فعل فردي أم خضوع لسلطة اجتماعية؟
أزمة الوعي واليقين: هل يمكن أن يتحول العار إلى خلاص؟
فالعنوان في مومس تائبة ليست مجرد عنوان، بل هومفتاح القراءة الذي يحدد طبيعة النص: اعتراف وجودي، نقد اجتماعي، وصراع فلسفي بين الخطيئة والتوبة. إنها عتبة مشحونة بالرموز، تجعل القارئ يدخل النص وهو محاصر بالتوتر بين العار والخلاص، بين الوعي والشك، وبين اللغة والاعتراف.
لقد مر النص بعدة مراحل فالبداية: مأساوية تكشف عن افتراس الزمن للجسد (هذا الليل يأكل من خاصرتي) وهذا هو القدر القاسي والاغتراب إذ يتحول الليل إلى وحش مفترس مع هذه الممومس وتلك حقيقة لا مراء فيها (لا رغيف لي سوى الجوع المعلّق على مسمار الروح)، وهذا أدى بها إلى الشعور بالمعاناة الداخلية التي تتجاوز الجوع المادى إلى الجوع الروحي وغياب دعم المجتمع، ومن ثم تتصاعد أزمتها لتصبح أزمة وعي (قبيلة من الأسئلة ضلّت طريق اليقين) وهي أزمة يقين وجودية لدى تلك المومس التائبة حيث الشك يهيمن عليها، وعندئذ تشعر بأن المجتمع / الأخلاق يحاصرها ويعيد إنتاج الخطيئة (ذئاب شبيقة تدور كالكواكب حول خطيئة قديمة) وهي تعيش وحدتها من مجتمع يعيش ماضيها ولا يتضامن معها فهي تعيش غربة في ظلمة الليل ووحدة منتظرة الخلاص (لا رفيق لي، لا أحد يجمع شظايا النجوم)، لأن الخطيئة تطاردها تنهش جسدها وهي قدر اجتماعي مفروض عليها رغم توبتها (الخطيئة المرّة تنهش جسدي، تقدم لي كأسها المعتمة)، لكنها في النهاية استطاعت أن تواجهها (أبتسم لها، كغريق يحيي موجته الأخيرة، وأمضي) وهي لحظة الانعتاق الداخلي رغم استسلامها الظاهري لحظة انتصار الذات عبر الرفض والابتسام .
نعم لقد استطاعت الشاعرة أن توزع حقولها الدلالية عبر مفردات النص ومراحل بنائه وتصاعد توتره الدرامي من الحزن والألم والاعتراف بالخطيئة فتبدأ القصيدة بقولها: (هذا الليل يأكل من خاصرتي كما تأكل النار آخر أوراق الخريف) وهي مرحلة الاعتراف بالجرح أي الذات في مواجهة الخطيئة، وهي لحظة الوعي بالخطيئة قبل التوبة لذا نجد الإيقاع بطيء، والصور مشبعة بالاحتراق والانكسار، مما يهيئ القارئ لدخول منطقة الألم الداخلي، ثم تأتي ذروة التوتر الدرامي في النص عندما تتحول الذات من الاعتراف إلى المواجهة مع المجتمع والقدر واللغة وتتكثف الصراعات بين الذات وهذه الثلاثية (المجتمع – اللغة – القدر):
حَوْلِي ذِئَابٌ شَبِقَةٌ،
تَدُورُ كَالكَوَاكِبِ حَوْلَ خَطِيئَةٍ قَدِيمَةٍ،
تَشُمُّ رَائِحَةَ الخَوْفِ فِي أَكْمَامِ اللَّيْلِ،
وَتَغْرِسُ أَنْيَابَهَا فِي جِهَاتِ الصَّمْتِ.
ولَا رَفِيقَ لِي
لَا أَحَدَ يُرَتِّبُ الفَوْضَى فِي عُيُونِي،
وَلَا أَحَدَ يَجْمَعُ شَظَايَا النُّجُومِ المُتَنَاثِرَةِ عَلَى أَرْصِفَةِ انْتِظَارِي
وَحْدَهَا الخَطِيئَةُ المُرَّةُ تَنهش جسدي
فالشاعرة هنا تصل بنصها إلى ذروة الصراع والتوتر الدرامي حيث ذروة الألم في مواجهة الوعي فتتقاطع الخطيئة مع أسئلة الشك واليقين، بل إن اللغة ذاتها تصبح ساحة صراع نفسي لدى الذات (لا رغيف، لا رفيق،لا أحد)، ثم تتحول بنية النص / الذات من الانكسار إلى الانعتاق في محاولة للمقاومة (أبتسم لها، كغريق يحيي موجته الأخيرة، وأمضي) فالابتسامة ليست سخرية بل مقاومة للواقع المر رغم الغرق فيتحول الصراع إلى وعي وجودي بالذات / الشاعرة ومن ثم يتحول الايقاع من من اللانكسار والتوتر إلى السكون والانعتاق
ومن ثم يمكن القول إن مشروع مجيدة محمدي هو مشروع كتابة الحرية، حيث تتحوّل القصيدة إلى مختبر وجودي، وتصبح اللغة أداة لإعادة تشكيل الذات والعالم، إنه مشروع يواجه الزمن والسلطة عبر الشعر، ويحوّل الهزيمة إلى سؤال، والسؤال إلى أفق مفتوح ومشروعها الشعري يقوم على يقوم على جدلية الجسد والروح، والخطيئة والخلاص، والمرأة والسلطة ففي هذه النصوص الثلاث (مومس تائبة – هروب – قديسة مرجومة) تمثّل مراحل متكاملة في مشروعها الشعري من الاعتراف بالخطيئة (مومس تائبة)، إلى الهروب نحو الحرية (هروب)، وصولًا إلى المقاومة والقداسة المهدورة (قديسة مرجومة)، إنها رحلة وجودية وشعرية، تكتب المرأة كذات فاعلة تواجه العالم عبر اللغة، وتحوّل الألم إلى معنى، والقيود إلى أجنحة
فالحقول الدلالية في القصائد الثلاث هي (الجسد – الروح – المرأة –الكتابة – السؤال –السلطة) أولا: الجسد ففي مومس تائبة: وَحْدَهَا الخَطِيئَةُ المُرَّةُ تَنهش جسدي .
تُقَدِّمُ لِي كَأْسَهَا المُعْتِمَةَ، وَتَقُولُ، اشْرَبِي مِنْ هَذَا الأَسَى،
فَإِنَّ الطُّرُقَ الطَّوِيلَةَ لَا تُنْبِتُ غَيْرَ الأَشْوَاكِ.
فالجسد هنا فضاء للذنب والاعتراف، حيث يولد الوعي من الألم وفي نص هروب
2- كسر الأنماط وتطوير الجماليات الإيقاعية
شهد الإبداع الشعري العربي المعاصر تحولات بنيوية وجذرية قلبت الموازين الجمالية المستقرة، وكان أبرز تجلياتها نشأة وتطور "قصيدة النثر" متمردة على ثنائية الوزن والقافية؛و لم تعد -هذه القصيدة- مجرد خيار أسلوبي بديل، بل أصبحت رؤية وجودية ومعرفية تعيد صياغة علاقة الإنسان بالكون واللغة، وفي خضم هذا الحراك الإنساني والجمالي، برزت أصوات شعرية متعددة في المغرب العربي منها الشاعرة مجيدة محمدي، التي استطاعت أن تمنح قصيدة النثر أبعاداً تجديدية مغايرة، ؛ لأنها تنطلق من وعي معرفي مزدوج يجمع بين موهبة المبدعة المتمردة وعين الناقدة الفاحصة. فمن خلال منجزها الشعري، ولا سيما ديوانها البارز "أنا وأخرياتي"، نجحت الشاعرة في تخطي الأنماط التقليدية الجاهزة لقصيدة النثر، مخرجةً إياها من شرنقة البوح العاطفي المباشر أو السرد الوجداني المغلق، إلى آفاق المساءلة الفلسفية والاغتراب الوجودي الكوني، وظهرت قدرة الشاعرة الفائقة على تطويع النص النثري؛ ليصبح مسرحاً لتعدد الذوات وتداخل الهويات، مستعيضة عن الغنائية الرتيبة بهندسة إيقاعية داخلية صارمة تعتمد على التكرار الذكي، والمفارقة، وبلاغة الانزياح، والصورة البصرية الجارحة؛ لأنها كشفت في نصوصها- الشعرية - عن مفهوم جديد للكتابة، بوصفها طاقة تعبيرية حية، وفعل تطهير روحي يعيد ترتيب الفوضى الداخلية للإنسان المعاصر ويتطهر من فائض الصمت.
التكرار الذكي في تجربة مجيدة المحمدي: لقد تجاوز التكرار كونه مجرد أداة بلاغية لتوكيد اللفظ أو الزينة الأسلوبية الزائدة،بل أصبح بنية حركية هندسية تسهم في صياغة معمار النص الشعري وتشكيل هويته الجمالية؛ وخاصة في سياق قصيدة النثر، التي تخلت طواعية عن الأطر الموسيقية الخارجية كالوزن والقافية، و تحول التكرار من صيغته النمطية التكرارية إلى التكرار الذكي، وهو إنتاج واعي للأصوات، أو الكلمات، أو العبارات، أو تراكيب نحوية محددة في مواضع مفصلية من جسد النص، لا بغرض التثبيت الدلالي الساكن، وإنما لتوليد طاقة إيقاعية باطنية بديلة للوزن العروضي، وتعميق الأبعاد الدرامية والفلسفية المتنامية في القصيدة
وعند قراءة إنتاج الشاعرة التونسية مجيدة المحمدي، يتضح لنا أن التكرار الذكي هو عصب المعمار الإيقاعي والدلالي في قصيدتها المعاصرة؛ إذ توظف الشاعرة الإعادة المنظمة كآلية لخلخلة السرد النثري العادي، وتحويل السطر إلى بؤرة شحن درامي تتبدى عبر ثلاثة مستويات تطبيقية رئيسية
التكرار في الاستهلال لخلق الإيقاع
فعندما تغيب التفعيلة الخليلية يصبح التكرار الذكي نقطة ارتكاز نغمية ترتد إليها أذن المتلقي بشكل منتظم لخلق هزة موسيقية داخلية تعوض النقص العروضي، حيث تصبح لازمة شعورية في فواتح القصائد والمقاطع ؛ تعود إليها الروح الشاعرة بشكل دائري،إذن، التكرار المركزي في قصيدئها ليس مجرد تقنية بلاغية، بل هو جوهر النص الذي يحوّل الحرفة اليومية إلى خطاب وجودي، ويجعل منه أرشيفًا للذاكرة، كما في العديد من قصائدها نص القصيدة (سقوط الأسماء) نجدها تنهض على تكرار مركزي يوجّه بنيتها ويمنحها إيقاعًا داخليًا متماسكًا، حيث تتكرر صيغ بعينها لتصبح محورًا دلاليًا لا ينفكّ النص عن الدوران حوله. ففي المطلع تكرار السؤال "ماذا لو": النص يبدأ بسلسلة من الأسئلة الاستفهامية المتكررة ("ماذا لو انسكبت الذاكرة… / ماذا لو صرنا نصحو فجأةً…")، وهذا التكرار يرسّخ حالة القلق الوجودي ويضع القارئ في دائرة من الاحتمالات المفتوحة.
سننسى كيف كانت الأم تضع يدها على جبيننا إذا اشتعلت الحمى،
وسننسى أن ضحكة الأب كانت موسيقى خفيّة،
سننسى كيف كنّا نضحك حين نركض تحت المطر،
سننسى الأخطاء الجميلة التي علمتنا الحياة،
تكرار فعل النسيان: "سننسى… سننسى…" يتكرر في مقاطع متعددة، ليؤكد على مركزية فقدان الذاكرة كجوهر النص وكذلك تكرار الفعل المضارع في قولها
سنفقد طريق العودة إلى الأماكن الصغيرة،
سننسى كيف كنّا نضحك حين نركض تحت المطر،
ولكن، هل سنجني شيئًا؟
ربما سنحبّ الناس بلا ذاكرة سابقة،
سننظر إلى الوجوه كأنها لوحات بلا توقيع،
سنصافح العالم بأيدٍ بيضاء،
سنبدأ القصّة من سطرها الأول،
في قصيدة "سقوط الأسماء" يظهر التكرار المركزي للفعل المضارع بشكل واضح، وهو عنصر أساسي في بناء النص وإيقاعه ؛ليؤكد على الحاضر المستقبلي للنسيان، وكأن فقدان الذاكرة قدر محتوم يتجدد مع كل صورة، كما أن تكرار سنفقد: يُبرز ضياع الروابط الإنسانية والأماكن الصغيرة، مما يعمّق مأساة الانقطاع عن الماضي والفعل سنرى وسنكمل: هذه الأفعال المضارعة تضع القارئ في مشهد مستقبلي متكرر، حيث الحياة تستمر لكن بلا ذاكرة أو جذور.
تكرار سنبدأ: في الخاتمة، يتكرر الفعل ليؤكد على بداية جديدة، لكنها بداية بلا ماضٍ، بلا أسماء، بلا حنين الأفعال المضارعة المتكررة تربط المقاطع المختلفة في شبكة دلالية واحدة
الأفعال المضارعة المتكررة تربط المقاطع المختلفة في شبكة دلالية واحدةالتكرار يخلق مفارقة بين الاستمرار في الحياة (المضارع) وفقدان الذاكرة (المحتوى).
الأفعال المضارعة المتكررة تمنح النص موسيقى داخلية قائمة على الترديد، وتُعطيه طابعًا إنذاريًا، واستخدام المضارع مع السين يجعل النسيان والضياع قدرًا لا مفر منه، يتكرر في المستقبل القريب وهذا التكرار المركزي للفعل المضارع ليس مجرد أسلوب لغوي، بل هو جوهر النص الذي يحوّل فكرة النسيان إلى قدر وجودي يتكرر في كل صورة، ويمنح القصيدة إيقاعًا داخليًا قائمًا على الحتمية والدوار وفي نص لست منهم:
لستُ منهم
أولئك الذين يبيعون صمتهم في مزاد الكلام،لستُ منهم الذين يرتدون وجوهاً مستعارة ليرضوا المارة،لستُ منهم.. ولن أكون
إن عبارة "لستُ منهم" تشكل هنا نقطة الارتكاز النغمية البديلة للوزن. والذكاء الأسلوبي الماثل في النص يكمن في أن هذا التكرار يقود المتلقي في كل مرة إلى فضاء دلالي مغاير ومفاجئ تفرضه طبيعة السياق الجديد؛ ففي المرة الأولى يرتبط التكرار بـ (ابتذال الكلام/الصمت)، وفي المرة الثانية بـ (الزيف الاجتماعي/الوجوه المستعارة)، لينتهي التكرار في المرة الثالثة بقفلة حاسمة وتامة (ولن أكون) هنا تحول التكرار من أداة تأكيد جامدة إلى أداة نمو درامي وموسيقي تمنع النص من السقوط في رتابة الإعادة المجانية التي تبعث على الملل الأسلوبي
ثانياً: التكرار البنيويوهندسة التوازي
يستند التكرار الذكي في بعده الهندسي إلى فكرة "المادة اللاصقة" التي تربط مفاصل القصيدة المفتوحة عبر تقنية التوازي الهندسي، حيث تتناظر الجمل هندسياً وتتوازن بنيوياً، مما يمنع النص النثري من الاسترسال العشوائي، ويحقق له وحدة عضوية متماسكة تلائم قلق الإنسان المعاصر ولا تقف الشاعرة / مجيدة عند تكرار الألفاظ المتطابقة بحروفها، بل تعمد إلى تكرار الجذور اللغوية والاشتقاقات البنيوية المتوازية داخل المقطع الواحد، مما يخلق تآلفاً جرسياً خفياً يعوض غياب القافية، كما نلحظ في نصها أنا لا أكتب حسب الطلب
أنا لا أكتب حسب الطلب،
ولا أعبّئ المعاني في علبٍ أنيقةٍ بمقاسات السوق،
ولا أطبع القصيدة كأنها قميصٌ صُنع ليُرضي ذوق الزبائن المترددين،
أنا لا أكتب شعراً خالٍ من الصدق،
ولا أعترف بالمواد الحافظة في نصوصي،
أنا لا أكتب حسب رغبتكم في نسيان ما لا ينسى،
أنا لا أكتب كي أريحكم،
بل لأقلب وسائدكم قبل النوم،
أنا لا أبيع الحروف،
ولا أملك دكاناً في سوق البلاغة،
أنا أكتب، لا لأنكم طلبتم،
أنا أكتب لأن الكلمات تطالبني بالعدالة،
أنا أكتب كي لا يموت الصدق اختناقاً
.......................
فمن سيكتبني كما أنا؟
…من سيكتبني كما أنا؟
يبرز التكرار هنا في صورته البنيوية الهندسية الخفية؛ فالشاعرة تكرر البنية الصرفية والنحوية للجمل هذا التكرار التركيبي المتوازي، فالجمل المنفية للفعل أكتب (9) مرات
أنا لا أكتب حسب الطلب
أنا لا أكتب شعراً خالٍ من الصدق
أنا لا أكتب حسب رغبتكم في نسيان ما لا ينسى
أنا لا أكتب كي أريحكم
أنا لا أكتب كي أكون صالحة للنشر
أنا لا أكتب كي أكون على مقاس قلقكم
أنا لا أكتب لإرضاء اللجنة
أنا لا أكتب كي تصفقوا لي
أنا لا أكتب حسب الطلب (تكرار ختامي)
في حين أن الفعل المثبت لفعل "أكتب" المثبت
أنا أكتب، لا لأنكم طلبتم
أنا أكتب لأن الكلمات تطالبني بالعدالة
أنا أكتب كي لا يموت الصدق اختناقاً
أنا أكتب كما تصرخ الأرض حين تلد زلزالها
أنا أكتب حسب قناعاتي
أنا أكتب بمبادئي
أنا أكتب لأنني لا أعرف أن أكون غير ذلك
وهذا التوازي بين النفي والإثبات يصنع هندسة لغوية متوازنة، حيث النفي يرسّخ موقفًا احتجاجيًا، والإثبات يعلن هوية وجودية للشاعرة، كما يولد نغماً داخلياً متوازناً يشع ببطء في أذن القارئ. والذكاء الأسلوبي للتجربة يكمن في ربط هذا التكرار الهندسي بتراسل الحواس وأنسنة اللغة؛ فالأحرف والنقاط والعلامات تكررت بنيوياً لتخدم فكرة نامية تتطور تدريجيًا من الرفض إلى الاعتراف، ومن النفي إلى الإثبات، في حركة تصاعدية تشبه نمو الكائن الحي أو بناء معماري يتدرج من الأساس إلى القمة
مرحلة الرفض: تبدأ الفكرة بالنفي المتكرر: أنا لا أكتب حسب الطلب"، "أنا لا أكتب شعراً خالٍ من الصدق هذه المرحلة تؤسس موقفًا احتجاجيًا ضد السوق، الرقابة، والتزييف.
مرحلة المقاومة: تتوسع الفكرة لتشمل رفض تحويل الشعر إلى سلعة: "ولا أطبع القصيدة كأنها قميص"، "ولا أبيع الحروف" هنا يظهر البعد الأخلاقي والوجودي في الكتابة.
مرحلة الاعتراف: تتحول الفكرة من النفي إلى الإثبات: "أنا أكتب، لا لأنكم طلبتم، بل لأن الكلمات تطالبني بالعدالة الكتابة تصبح فعلًا وجوديًا لا خيار فيه، بل ضرورة داخلية
مرحلة الانفجار الشعوري:
الفكرة تبلغ ذروتها في الصور الحسية: "كما تصرخ الأرض حين تلد زلزالها"، "كما تنفجر حبة رمان في وجه السكين هنا تتحول الكتابة إلى صرخة كونية، لا مجرد موقف شخصي مرحلة الهوية: تنتهي الفكرة بإعلان الهوية: "أنا أكتب لأنني لا أعرف أن أكون غير ذلك
الفكرة النامية تصل إلى اكتمالها: الكتابة ليست خيارًا، بل قدرًا وجوديًا.
ثالثاً: التكرار الدائري الوجودي (تكرار المفارقة)
البُعد الدلالي المتنامي في التكرار يشير إلى أن الكلمة أو العبارة المُكررة تشبه "الكائن الحي"؛ إذ تكتسب في كل مواجهة ظلالاً دلالية جديدة وشحنات شعورية مغايرة تفرضها طبيعة السياق المعرفي والنقدي الذي سِيقَت فيه (فضل، 1998، ص 88). وتستخدم المحمدي هذا التكرار الدائري لتجسيد الأزمات الوجودية الكبرى كالموت، والزمن، والانتظار، حيث تأتي بالعبارة وتكررها لاحقاً لتقلب دلالتها عبر مفارقة صادمة تدهش القارئ، كما في قولها:
"نحنُ نموتُ ببطء..لا لأننا نكبر، بل لأن مياهنا الداخلية تكفُّ عن الجريان،ولأننا نموت ببطء.. حين تضيق الرؤية وراء المرايا الواسعة."
تكرار جملة "نموت ببطء" في هذا المقطع يمثل ذروة التكرار الدرامي والذكي الذي تتقاطع فيه النظرية بالتطبيق. ففي المرة الأولى، تطرح الشاعرة العبارة ليذهب ذهن المتلقي تلقائياً إلى الموت الفيزيائي أو الجسدي المعتاد تحت تأثير عامل الزمن، لكن عند تكرارها في المرة الثانية، تنزاح بها الشاعرة انزياحاً عميقاً لتربطها بالموت المعرفي والفلسفي (ضيق الرؤية/الزيف). إن إعادة إنتاج العبارة ذاتها بسياقين مختلفين يمنح قصيدة النثر عندها طاقة تعبيرية حركية ترفض الركود، وتجعل من التكرار وسيلة لتفكيك وعي القارئ وإعادة صياغته.
تثبت مجيدة المحمدي من خلال هذا التوظيف الأسلوبي المدمج أن التكرار في قصيدة النثر معيار نضج أدبي؛ فقد استطاعت عبر التكرار الاستهلالي، والموازاة البنيوية، والتدوير الدرامي، أن تبني إيقاعاً باطناً مفارقاً يزاوج بين عذوبة الصوت وعمق الفلسفة الميتافيزيقية، محققة لقصيدتها مشروعية جمالية متميزة في فضاء الشعر العربي الحديث.
3- الاغتراب عند الشاعرة مجيدة محمدي
قد يكون مفهوم "الاغتراب" من أكثر المفاهيم تنوعاً وتداولاً في الكتابات التي تعالج أزمة الإنسان المعاصر، وعلى الرغم من هذا التنوع والتداول، فإن هذا المفهوم لم يأخذ معنى محدداً مستقراً إلى الآن وخصوصاً في الدراسات الأدبية والنقدية؛ فمن المعروف أن مفهوم الاغتراب بدأ فلسفياً، فقد تناوله كثير من الفلاسفة والمفكرين ثم دخل إلى حيز الدراسات الاجتماعية والنفسية، ويُعَدّ دخول المصطلح إلى حيز الدراسات الأدبية أمراً حديثاً نسبياً ودخوله إلى حيز الدراسات في النقد العربي الحديث هو أمر أكثر حداثة
فالاغتراب في الأصل ظاهرة انسانية فلسفية وجودية اعتنى بها كثير من الفلاسفة المعروفين،و ودخول الاغتراب للدراسات النقدية يعد حديثا وهاما لأن المبدع عموما عرضة للاغتراب نظرا لحساسيته المفرطة ولوعيه الحاد ورفضه لما يدور حوله من أزمات انسانية وجودية نتيجة للحروب والدمار والفناء الذي يهدد الوجود الإنساني والتكنولوجيا التي تهدد إنسانيته ومن ثم فالمبدع أصلا انسان مغترب لانه يري ويسمع ويشعر أكثر مما يجب كما يقول كولن ولسن في كتابه اللامنتمي.
يُمثل الاغتراب (Alienation) في المنجز الشعري للشاعرة التونسية مجيدة محمدي أحد المرتكزات الفلسفية والوجودية الجوهرية التي تنهض عليها قصيدتها. فالاغتراب في نصوصها ليس مجرد حالة عاطفية عابرة أو بكاء على الأطلال، بل هو أداة نقدية ورؤية للعالم تعكس تصدع العلاقة بين الذات الشاعرة من جهة، والواقع واللغة والمجتمع من جهة أخرى.
* الاغتراب الوجودي والمكاني لاغتراب
الوجودي هو حالة شعورية وفكرية يعيش فيها الإنسان إحساسًا عميقًا بالانفصال: عن ذاته، وعن الآخرين، وعن العالم من حوله. إنه شعور بأن الوجود فقد معناه، وأن الإنسان غريب داخل حياته نفسها، كأنه يعيش في عالم لا ينتمي إليه
لا يقتصر الاغتراب الوجودي على العزلة الاجتماعية، بل يتجاوزها إلى اغتراب داخلي؛ حيث يشعر الفرد أن أفكاره وأفعاله لا تعبّر عنه حقًا، وأنه مجرّد كائن يؤدي أدوارًا مفروضة عليه. وهنا يصبح الإنسان حاضرًا جسديًا، لكنه غائب روحيًا ومعنويًا. (برودة الرصيف والغربة في المدن)و يتجلى الاغتراب المكاني لدى مجيدة محمدي من خلال تصوير "المدينة" أو "الشارع" كفضاء بارد وموحش لا يحقق الأمان الروحي. في نصها "باردةٌ جدًّا خطى الأسفلت"، يبرز الرصيف والزقاق المهجور كرموز للغربة الوجودية:"باردةٌ جدًّا خطى الأسفلت، كأنها تُخبرُ المارين أنّ الليل ليس سوى وشاحٍ من البرد والصمت... عيناه تبحثان عن وجهٍ غريب، عن دفءٍ غائب".هنا يتحول المكان إلى فضاء غريب يعمق عزلة الذات، وتتحول الحركة (السير) إلى رحلة بلا وجهة محددة، محملة بـ "ذاكرة مكتظة بالوجوه التي غادرت"
كما أكثر يتجلى الاغتراب الوجودي في شعرها من خلال فقدان الطمأنينة، والوقوف الدائم على حافة التساؤل والبحث عن المعنى المفقود. الوجود كاحتمال للهاوية: في نصها الاستثنائي "نص بلا خاتمة"، تصيغ الشاعرة رؤيتها الوجودية المغتربة قائلة: "أن يولد المعنى أعزل من يقينه، ويمشي على حافة السؤال.. فكل باب هو احتمال هاوية أو احتمال سماء". تعبر هنا عن حتمية القلق البشري وغياب النهايات الجاهزة أو الثوابت الروحية قائلة:
ويشاءُ أنْ
تبدأَ الجملةُ بنقطةٍ،
أن يولدَ المعنى أعزلَ
من يقينِه،
ويشاءُ أنْ
يتركَ للريحِ حرّيّةَ ترتيبِ الأسماء،
أن لا يكونَ للجرحِ تفسيرٌ واحد،
ولا للنجاةِ شكلٌ نهائيّ،
فكلُّ بابٍ
هو احتمالُ هاوية
أو احتمالُ سماء.
ويشاءُ أنْ
نُخطئ الطريقَ بوعيٍ كامل،
لأنّ الخرائطَ
تكذبُ حين تدّعي
أنّ النهايةَ معروفة
ويشاءُ أنْ
نصادقَ الهشاشة،
أن نعترفَ
أنّنا لم نُخلقْ مكتملين،
بل قابلين للتصدّع،
ويشاءُ أنْ
تتركَ الحياةَ
مسوّدةً مفتوحة،
نصًّا بلا خاتمة
* اغتراب الوعي واقتلاع اليقين
ففي نصها حكمة جدي تقول:
تعلَّمْ، أيُّها اللائكُ لعلكةَ البحثِ،
أنَّ السؤالَ لا ينبتُ مصادفةً، كنباتٍ طفيليٍّ،
بل ثمرةٌ غامضةٌ تنضجُ في بساتينِ الحيرةِ…
إنْ تأمَّلتَهُ، ليس واحدًا كما يبدو،
بل هو بستانُ مذاقاتٍ خفيّةٍ.
بعضُهُ مُرٌّ
كجذرٍ اقتُلِعَ من تربةِ اليقينِ،
يتركُ في الفمِ طعمَ الشكِّ
ويوقظُ في الروحِ عطشَ المعرفةِ.
فاحذرْ، أيُّها السائرُ في طرقِ المعنى،
أن ترميَ سؤالًا
كحجرٍ أعمى في بئرِ الكلامِ
اصقلْهُ أولًا
كما يُصقَلُ الضوءُ في عينِ الفجرِ،
وزِنْهُ
كما يزنُ الصائغُ ذهبَ الحكمةِ.
فالسؤالُ الدقيقُ
هو المفتاحُ الوحيدُ
الذي يعرفُ كيف يوقظُ الأبوابَ.
أمّا السؤالُ المرتبكُ
فليس سوى ضبابٍ
يمرُّ على المعنى
دون أن يراهُ
والشاعرة هنا تصف الفكر والوعي بأنه "مُرٌّ كجذرٍ اقتُلِعَ من تربةِ اليقينِ، يتركُ في الفمِ طعمَ الشكِّ ويوقظُ في الروحِ عطشَ المعرفةِ". هذا الانتزاع يمثل قمة الاغتراب الوجودي؛ حيث تصبح المعرفة والوعي عبئًا يُقلق الكينونة ولا يريحها
* الاغتراب المكاني (فضاءات الغياب والألفة الكاذبة)
المكان في شعر مجيدة محمدي ليس مجرد حيز جغرافي صامت، بل يتحول إلى مرآة تعكس العزلة الداخلية، حتى تصبح فضاءات الألفة مصدراً للاغتراب ففي نص "مذكرات كرسي فارغ" تقول: لستُ أذكر متى أصبحتُ فارغًا.
وأنا أجمع الغياب كما يجمع البحر أمواجه المتكسرة
مرَّ عليَّ عاشق، وترك على خشبي رعشة يدٍ أحجمت عن العناق في اللحظة الأخيرة
وجلس عليَّ شاعر، ونسي بيتًا كاملًا بين مسمارين، فصرتُ أردده للغبار كلما دخلت الشمس من النافذة
وأتتني امرأة تخفي دمعها خلف ابتسامة مهذبة، وتبكي أيامها المهدورة. وحين نهضت، بقي الحزن جالسًا، ورحلت هي
أنا الوحيد الذي يعرف أوزان الأرواح، فالأجساد متشابهة، أما الخيبات، فلكل واحدة منها وزنها الخاص.
فالأشياء تفقد وظيفتها المكانية: تلجأ الشاعرة إلى أنسنة الجمادات داخل المكان لتعبر عن غربتها؛ ففي نص "مذكرات كرسي فارغ" يصبح الكرسي والمنزل فضاءً لجمع "الغياب" بعد رحيل الآخرين. تقول على لسان الكرسي: "ومُنْذُ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَأَنَا أَجْمَعُ الْغِيَابَ كَمَا يَجْمَعُ الْبَحْرُ أَمْوَاجَهُ الْمُتَكَسِّرَةَ". تكتسب الجمادات في مكانها المحدود وعيًا بالوحشة يفوق وعي البشر.
فالأشياء في الشعر لا تبقى أشياء، بل تتحول إلى كائنات تنبض بالوعي والشاعرة مجيدة محمدي في نصها “مذكرات كرسي فارغ” تمنح الكرسي صوتا، لكنه ليس صوت جماد يتكلم، بل صوت الإنسان حين يعجز عن الاعتراف ومن ثم تكمن خصوصية النص؛ إذ لا يتخذ الكرسي رمزًا زخرفيًا، وإنما يجعله مستودعًا للذاكرة الإنسانية، ومرآةً تعكس هشاشة البشر
وهنا تلجأ الشاعرة إلى أنسنة الجمادات داخل المكان لتعبر عن غربتها؛ ففي نص "مذكرات كرسي فارغ" يصبح الكرسي والمنزل فضاءً لجمع "الغياب" بعد رحيل الآخرين. تقول على لسان الكرسي: "ومُنْذُ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَأَنَا أَجْمَعُ الْغِيَابَ كَمَا يَجْمَعُ الْبَحْرُ أَمْوَاجَهُ الْمُتَكَسِّرَةَ". تكتسب الجمادات في مكانها المحدود وعيًا بالوحشة يفوق وعي البشر.
* التداخل بين الوجودي والمكاني (قلق الأدوات)
تدمج الشاعرة بين اغتراب ذاتها الوجودي واغتراب أدواتها داخل الفضاء الأدبي. يظهر ذلك بوضوح في قصيدة "حتى أنتَ، يا قلمي..."، عندما تكتشف غربة القلم الذي يشاركها المكان والورق فتسأله: "أأنتَ الذي كنتَ تتيم يدي؟ أم أنكَ كنتَ غريبًا يلبسُ هيئةَ الألفة؟". هذا التساؤل يعري زيف العلاقات والأشياء المحيطة بالذات، مؤكداً أن الاغتراب يبدأ من نقطة التماس الأولى مع الذات وأدواتها وهي تقول:
أيها العارفُ بأسرارِ الورق،
الساكنُ في جُبَّةِ المعاني،
الحافي على سطورِ التنهيدة،
لماذا انحنيتَ فجأةً،
كأنكَ هويتَ مع أولِ رعشةِ خذلان؟
أأنتَ الذي كنتَ تتيم يدي؟
أم أنكَ كنتَ غريبًا يلبسُ هيئةَ الألفة؟
ألم نكن نتواطأ معًا على العتمة؟
ألم أرسم بكَ اقواس النسيانِ فوقَ الجراح،
وأعلِّقُ على سنِّك الهزيلِ دُموعَ المدنِ الميتة؟
لماذا إذن
حين استوحشتُ الدربَ من صمتِهم،
حين اختنقَ الحرفُ في صدري كصرخةٍ مشنوقة،
تراجعتَ؟
تلعثمتَ؟
بل، ارتعدتَ كطفلٍ رأى أباه يبكي؟
حتى أنتَ...؟
يا من كنتَ آخِرَ أعمدةِ المعنى،
سحُ بصماتِه عن جريمةٍ مخفية
حتى أنتَ؟
حتى أنت، يا قلمي،
خُنتَني مثلهم؟
سأكسرُك
لا، بل سأدفنكَ في دفتري الأخير،
وأكتبُ فوق قبرِك بالحرفِ الدامي،
"هنا يرقدُ القلمُ الذي خان الحُرقة،
حين أرادت أن تصيرَ قصيدة
4- التناص المضاد / أسطرة الواقع
يعد مصطلح التناص من أكثر المصطلحات انتشارا في الدراسات النقدية، الغربية والعربية على حد السواء، وهو ترجمة للمصطلح الفرنسي الذي ظهر على يد جوليا كريستيفا، بين سنتي،1966،1967 والذي حمل مفهوم التقاطع بين عدة نصوص في نص واحد، ومن ذلك الحين شهد المصطلح انتشارا واسعا، حيث أخذ معان عديدة، تختلف من ناقد لآخر، ومن اتجاه لآخر، كل حسب التصور والمرجعية المعرفية والفكرية المنطلقة منها، وسيتم التطرق على سبيل المثال لا الحصر لبعض من تعرضوا لهذا المصطلح، وقدموا له دلالات خاصة
فالتناص هوتفكيك ثم إعادة بناء لنصوص سابقة من أجل إنتاجها في سياق نص جديد إبداعي، يحمل جينات النصوص المستوحى منها ولكن له ملامحه المميزة والمختلفة عن والديه. وهو حلول نص في جسد نص آخر وامتصاصه له، من أجل إحياء النص السابق في النص الجديد، وعلى المتلقي أن يستنبط ويستخرج إشارات التناص (الثقافية) عن طريق
والشاعرة التونسية مجيدة محمدي لا تكتفي بممارسة التناص بوصفه استدعاءً للنص الغائب، بل ترتقي به إلى مرتبة "التناص المضاد"، وهو استدعاءٌ يقوم على قلب الدلالة الأصلية للنص المتناص معه، وتفكيكه، وإعادة بنائه بما يخدم مشروعاً جمالياً وفكرياً قائماً على مقاومة الخطاب الذكوري المهيمن،مستخدمة العديد من آليات التناص منها التناص المضاد/ المقلوب (تناص التخالف/ النفي): هو مصطلح نقدي وأدبي يُقصد به العلاقة الصراعية أو المعارضة بين النص الحاضر (الجديد) والنص الغائب (المرجعي أو التراثي)، والشاعر يهدف هنا إلى مطابقة المعنى القديم أو التألف معه، بل يقوم بتحويره، أو قلبه، أو نقض دلالاته السابقة، لتوليد دلالة جديدة تعارض الفكرة التاريخية أو الثقافية السائدة؛ أي
استدعاء الشاعر لنص سابق ومعارضته فكرياً أو قلب معانيه تماماً لإنتاج دلالة جديدة، من خلال سعيه إلى تفكيكه، أو السخرية منه، أو التمرد على سلطته المعرفية والتاريخية.
يُعدّ حضور التناصّ المضاد في شعر مجيدة محمدي علامة فارقة في المشهد الشعري العربي الحديث، إذ لا تتعامل مع الموروث بوصفه نصًا مغلقًا أو تراثًا جامدًا، بل بوصفه مادة حيّة قابلة لإعادة التشكيل وفق مقتضيات العصر. فهي لا تهدم الرموز الدينية أو الصوفية أو الأسطورية، بل تُعيد أسطرتها في ضوء رؤيتها الوجودية، لتصبح القصيدة فضاءً لإعادة إنتاج المعنى لا لتكراره، إنها تُمارس فعلًا شعريًا يقوم على قلب الدلالات،لذا تُعيد الشاعرة صياغة الأسطورة والرمز لا لتقويضهما، بل لتوظيفهما في كشف هشاشة الإنسان المعاصر، الذي يعيش بين إرثٍ ثقيل وواقعٍ متشظٍ، ومن ثم تفتح حوارية جديدة مع التراث، حيث لا يكون الشعر مجرد امتثال للموروث، بل مواجهة نقدية تُعيد بناءه في سياق فلسفي وجمالي يواكب تحولات العصر. وهكذا، يصبح التناصّ المضاد عند مجيدة محمدي أداة لإعادة أسطرة الواقع، أي تحويل التجربة اليومية الممزّقة إلى نصّ شعري ينهض بالرموز القديمة في ثوب جديد، يعبّر عن قلق الإنسان وأسئلته المفتوحة وفي هذا النص (لا تطمعوا في انكساري) تُعيد أسطرة الواقع عبر قلب الدلالات التراثية واالدينية، لتجعل من الصمت والنجاة والجذر والأرض رموزًا أسطورية جديدة. إنها لا تهدم الموروث، بل تُعيد بناءه بما يتناسب مع مقتضيات عصرها، لتعلن أن الذات ليست بقايا ما سقط، بل ابنة ما نجاوهي تقول:
لا تطمعوا في انكساري لَسْتُ مِمَّنْ يَطْرُقُونَ أَبْوَابَ النَّاسِ بِجَبِينٍ مُنْحَنٍ،
وَلَا مِمَّنْ يَسْتَعِيرُونَ مِنَ الضَّعْفِ لُغَةً لِلنَّجَاةِ.
التَّذَلُّلُ لَيْسَ مِنْ صِفَاتِي،
فَخُذُوا هَذَا عَلَى مَحْمَلِ الجِدِّ،
وَلَا تُرْهِقُوا أَنْفُسَكُمْ فِي مُطَارَدَةِ روح لَنْ تسْقُطَ.
أَنَا لَسْتُ شَجَرَةً تُخْضِعُهَا الرِّيحُ لِجِهَةٍ لَا تُرِيدُهَا،
وَلَا غُصْنًا يَنحني كُلَّمَا مَرَّ بِهِ نسيم عَابِرٌ.
فِي دَاخِلِي جِذْرٌ قَدِيمٌ،
أَعْمَقُ مِنْ أَنْ تَبْلُغَهُ أَيَادِي العَابِثِينَ.
قَدْ أَصْمُتُ،
وَلَكِنَّ صَمْتِي لَيْسَ إِقْرَارًا،
إِنَّهُ ذَلِكَ البَابُ الثَّقِيلُ الَّذِي أُغْلِقُهُ فِي وَجْهِ مَنْ يَظُنُّ أَنَّ السُّكُوتَ هَزِيمَةٌ.
وَقَدْ أَتْرُكُ لِبَعْضِ الأَشْيَاءِ أَنْ تَمُرَّ،
لِأَنَّي أَعْرِفُ أَنَّ بَعْضَ المَعَارِكِ تَصْغُرُ حِينَ نَنْزِلُ إِلَيْهَا.
فَلَا تَطْمَعُوا فِي انْكِسَارِي،
فَقَدْ مَرَرْتُ بِمَا كَانَ كَفِيلًا بِأَنْ يَجْعَلَ مِنِّي رُكَامًا،
فَخَرَجْتُ مِنْ بَيْنِ الحُطَامِ
أَكْثَرَ صَلَابَةً، وَأَقَلَّ قَابِلِيَّةً لِلِانْحِنَاءِ.
وَإِنْ رَأَيْتُمُونِي أَمِيلُ يَوْمًا،
فَلَا تَخْطَئُوا القِرَاءَةَ،
رُبَّمَا كُنْتُ أُصْغِي لِلأَرْضِ،
الشاهدة على سقوطكم.
أَمَّا أَنْ أَنْكَسِرَ لِأَحَدٍ،
فَتِلْكَ حِكَايَةٌ لَمْ أَكْتُبْهَا،
وَلَنْ أَتْرُكَ لِأَحَدٍ شَرَفَ كِتَابَتِهَا.
أَنَا ابْنَةُ مَا نَجَا،
وَلَسْتُ بَقِيَّةَ مَا سَقَطَ.
فالشاعرة منذ العنوان لا تحكي قصة انكسارها بل تعلن نهاية الانكسار فترفض الانكسار والانحناء كهوية وجودية للمرأة قائلة (لَسْتُ مِمَّنْ يَطْرُقُونَ أَبْوَابَ النَّاسِ بِجَبِينٍ مُنْحَنٍ، وَلَا مِمَّنْ يَسْتَعِيرُونَ مِنَ الضَّعْفِ لُغَةً لِلنَّجَاةِ التَّذَلُّلُ لَيْسَ مِنْ صِفَاتِي) محاولة إعادة بناء الذاكرة الجمعية للأمة في أسطوتها الجديدة التي تقوم على الكرامةوالصمود لذا فهي ليست (أَنَا لَسْتُ شَجَرَةً تُخْضِعُهَا الرِّيحُ لِجِهَةٍ لَا تُرِيدُهَا، وَلَا غُصْنًا يَنحني كُلَّمَا مَرَّ بِهِ نسيم عَابِرٌ) وهنا تستدعي الشاعرة أسطورة الشجرة رمز الخلود والرسوخ فذاتها جذر عميق لا يقتلع ولم تعد الشجرة التي تنحني أمام الطبيعة أو تؤثر الانحناء من أجل العيش أو الحياة بل هنا تستدعي قول الله تعالى (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ) سورة إبراهيم (24) ومن ثم هي ثابتة الجذور والفروع مهما كانت قوة الرياح والأعاصير، إنها صامدة ثابتة صامتة وصمتها قوة وليس علامة للضعف والخضوع فهي القديسة مريم (قَدْ أَصْمُتُ، وَلَكِنَّ صَمْتِي لَيْسَ إِقْرَارًا) مستدعية للواقع قوة الصمت التي اتخذتها السيدة مريم في وجه كهنة المعبد قائلة (إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَٰنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا) سورة مريم (26) فالصمت هنا قوة وليس ضعفا أو إقرارا بالهزيمة بل قوة وجودية قادرة على تجاوز الواقع اليومي واللغة الحياتية وهي أسطورية الوجود كلما تحطمت (فَخَرَجْتُ مِنْ بَيْنِ الحُطَامِ، أَكْثَرَ صَلَابَةً) إنها العنقاء خرجت من بين الركام قوية بل هي طائر الفينق الذي يولد من رماد احتراقه ويخرج من بين الركام فهي رغم الضربات والمعاناة والظروف التي مرت بها كانت كفيلة بتحويلها إلى "ركام"، لكن النتيجة جاءت عكسية؛ حيث تحول الحطام إلى مصنع للصلابة والأصالة الوجودية ("فَخَرَجْتُ مِنْ بَيْنِ الحُطَامِ أَكْثَرَ صَلَابَةً") وعندما تفاجئ الجميع قائلة لمن يطمعون في انكسارها قائلة لهم (رُبَّمَا كُنْتُ أُصْغِي لِلأَرْضِ، الشاهدة على سقوطكم) فالأرض رمز الثبات والخلود أصبحت شاهدة على سقوطكم فالأرض شاهدة على مصائر البشر كما قال الشاعر العربي القديم(خَفِّفِ الْوَطْءَ مَا أَظُنُّ أَدِيمَ الْـ أَرْضِ إِلَّا مِنْ هَذِهِ الْأَجْسَادِ) فهي هنا تؤسطر كونية الأرض وشهادتها على سقوط من يطمعون في المرأة ويصل النص إلى ذروته الدرماتيكية عندما
تختتم الشاعرة النص برفض قاطع لأن يتحول ضعفها إلى حكاية يتداولها الآخرون (فَتِلْكَ حِكَايَةٌ لَمْ أَكْتُبْهَا، وَلَنْ أَتْرُكَ لِأَحَدٍ شَرَفَ كِتَابَتِهَا). الكاتبة هي المالكة الوحيدة لدفتر حياتها وها هي تعلن عن ولادتها الجديدة فهي (أَنَا ابْنَةُ مَا نَجَا، وَلَسْتُ بَقِيَّةَ مَا سَقَطَ)مجسدة
التتويج النهائي للهوية الثائرة: "أَنَا ابْنَةُ مَا نَجَا، وَلَسْتُ بَقِيَّةَ مَا سَقَطَ". هنا قطع تام مع الماضي المنكسر، وتأكيد على أن الهوية تُبنى على "فعل النجاة" والانتصار، لا على بقايا الهزائم، فالنجاة فعل صلابة وصمود ومن ثم تصبح النجاة أسطرة كهوية وجودية تتجاوز حدود الفرد إلى رمز كوني ولم تعد شهر زاد / الشاعرة / المرأة تحكي لشهريار كي تعيش لذا فالشاعرة تعيد بناء الأسطورة متناسبة مع مقتضيات الواقع الجديد فهي تحكي من موقع الصمود والتمرد لا موقع الانحناء والخذلان .
فهي تخلق قانونها فكل ضعف في القديم تحول لقوة في القانون الجديد الطرق ← الإغلاق الانحناء ← التجذر، الصمت ← قوةوهي صاحبة السرد والحكي ليس غيرها قائلة: رَأَيْتُمُونِي أَمِيلُ يَوْمًا،
فَلَا تَخْطَئُوا القِرَاءَةَ،
رُبَّمَا كُنْتُ أُصْغِي لِلأَرْضِ،
الشاهدة على سقوطكم أَمَّا أَنْ أَنْكَسِرَ لِأَحَدٍ،
فَتِلْكَ حِكَايَةٌ لَمْ أَكْتُبْهَا،
وَلَنْ أَتْرُكَ لِأَحَدٍ شَرَفَ كِتَابَتِهَا
فالشاعرة لا تتعامل مع التراث بوصفه نصًا مغلقًا، بل بوصفه مادة حيّة قابلة لإعادة التشكيل. فهي لا تهدم الرموز الدينية أو الصوفية أو الأسطورية، بل تُعيد صياغتها بما يتناسب مع قلق العصر من خلال قلب الدلالات؛ فالصمت يتحوّل من ضعف إلى قوة، الميل من خضوع إلى وعي، النجاة من استسلام إلى صلابة، والحكمة من يقين إلى شكّ وجودي وأسطرة الواقع ؛ فالتجربة اليومية تُرفع إلى مستوى أسطوري، فتصبح الذات جذرًا كونيًا، أو عنقاء تنهض من الحطام، أو أرضًا شاهدة على سقوط الآخرين والمفارقة والصدمة الشعورية تكسر أفق توقع القارئ، وتجعل النص فضاءً لإعادة إنتاج المعنى لا لتكراره
فالتناصّ المضاد عند مجيدة محمدي ليس مجرد تقنية بلاغية، بل هو مشروع شعري وفلسفي يواجه الموروث ليعيد بناءه في ضوء تجربة الإنسان المعاصر. إنه يفتح النص على حوارية جديدة مع التراث، حيث تتحوّل الرموز القديمة إلى أدوات لكشف هشاشة الواقع، وتصبح القصيدة فعلًا وجوديًا يعلن أن الذات ليست بقايا ما سقط، بل ابنة ما نجا.
***
الاستاذ: محمد مكادي - مصر
..........................
المراجع:
1- محمود أمين العالم (أزمة الشعر وأزمة الحضارة) مجلة إبداع مجلة ابداع مارس 1991 مارس السنة التاسعة، ص22
2- حلمي سالم، فصول، مج1، ع 16 -1997ص322 (ا، 16
3- أنسي الحاج، لن، دار الجديد، ط2، بيروت، 1990، ص 32.
4- خالدة سعيد، حركية الإبداع، دراسات في الأدب العربي الحديث، دار الفكر، ط2، بيروت، 1990، ص: 92
فضل، صلاح (1998). شفرات النص: دراسات سيميولوجية في الشعريّة العربية. دار الفكر العربي، القاهرة، ص 88.
الرباعي، عبد القادر (2003). "جماليات الإيقاع في قصيدة النثر". مجلة أبحاث اليرموك (سلسلة الآداب واللغويات)، جامعة اليرموك، المجلد 21، العدد 2، ص ص 14-30.
الوادي، علي توفيق (2014). "بنية الإيقاع الداخلي في قصيدة النثر العربية المعاصرة". مجلة جامعة دمشق للعلوم الإنسانية، المجلد 30، العدد 1، ص ص 45-72.








