الأفكار الميتة: "هي الأفكار التي فقدت قدرتها على تفسير الواقع أو التأثير فيه، لكنها تظل حاضرة في عقول الناس والمؤسسات والعادات، فتستمر رغم تغير الظروف التي نشأت فيها، وقد تقوم على معلومات قديمة لم تعد صحيحة، وتعجز عن مواكبة التطور الإجتماعي والعلمي، وهي جامدة كمعتقد، وتمنع ظهور أفكار جديدة، وتستخدم لتبرير واقع لم يعد صالحا للحياة المعاصرة، والمتمسكون بها يصرون على إبقائها حية بالقوة، وهي غابرة متفسخة".
فالأفكار الميتة تحقق وجودا ميتا، تلك حقيقة حضارية وحكمة تأريخية، فلكي تكون المجتمعات حية عليها أن تستحضر أفكارا ذات حياة.
فالأفكار الميتة تمتلك طاقات سلبية هائلة ومتنامية، تسعى لتوفير الأسباب اللازمة لصناعة الموت، وما ينجم عنه من تداعيات وتفاعلات ذات إتجاهات قتّالة.
والمجتمعات المتأخرة تزخر بالأفكار الميتة، مما يؤدي إلى إشاعة الكآبة واليأس والبؤس وفقدان الثقة بالذات والموضوع، ويمنع عنها قدرات العطاء والنماء، ويعتقلها في حفر التلاحي والخسران.
إنّ الأفكار الميتة هي التي عفى عليها الزمن وأصبحت في عداد "ما فات مات"، فكل فكرة قادمة من نبش تراب الأزمان، ورفاة لأموات لا قيمة لها في حاضر الحياة.
ذلك أن فهم الأفكار في زمانها ومكانها يختلف من جيل لجيل، فما كانت تعنيه الكلمات التي قيلت قبل قرون لا تستطيع أن تتوافق مع عصور بعدها، مهما توهم المتمسكون بها، لأنها ستكون أما قاتلة أو مقتولة، أو أنها تتحول إلى عدو مدمر لأصحابها الذين أرادوا بها خيرا في حينها، وتحولت إلى شر بعد رحيلهم، لتبنيها من قبل الجهلاء بها، والذين يسقطون رغبات أمّارات السوء التي فيهم عليها، وكأنهم يتخذونها قناعا لتمرير نوازعهم السيئة المطمورة، التي يريدون تغليفها بما لا يمت بصلة إليها.
ويبدو أن رافعي لافتات الأفكار المدثرة برميم أصحابها، إنما يبغون المتاجرة وتحقيق أرباح زائفة على حساب مَن إتخذوهم مطية لتمرير ما يدّعون من الضلال والأفك المشين.
عندما نتأمل واقع الأمة تظهر الأفكار أما وكأنها موضوعة في توابيت الشعارات والخطابات الإعلامية والمنبرية، أو أنها تقاتل نفسها وتمحق دلالاتها ومراميها، فما حققت الأمة أيا من الشعارات التي ترددت عبر الأجيال، بل أنها حولتها إلى نيران أجّاجة للفتك بالحاضر والمستقبل وطمر الأجيال في أتون ويلاتها، التي أوجدتها وتفاعلت معها بإنفعالية وإندفاعية ساخنة.
بالفكر يحقق البشر كينونته ويعبّر عن إرادته، ويبني معالم طريق حياته وإطار وجوده.
والكرامة في الفكر وهو أثمن ما يملكه الإنسان!!
ألا ذهبوا وما زالتْ تدورُ
هيَ الأفكارُ في بلدٍ تجورُ
رميمُ وجودنا يَطغى علينا
وإنّ الخلقَ في وَطنٍ نذورُ
تَبارى غابرٌ ورنى لمَجدٍ
لأنّ مَسيْرَها فيهِ الضمورُ
***
د. صادق السامرائي








