عندما تأسست المملكة العراقية عام 1921 بتعيين فيصل الأول ملكا على العراق، تم إرساء دعائم الدولة الدستورية وفقا للرؤية الإنكليزية، ووضع الدستور وأقيمت المنشآت في المدن، إبتداءً من الأقضية والألوية آنذاك.
ومنذ ذلك التأريخ وسامراء قضاء تابع للواء بغداد، فشُيّدت فيها مدرسة سامراء الإبتدائية الأولى، ومكتبة سامراء، ودار العدالة والبلدية والمستشفى ودائرة النفوس والقائممقامية ونادي الموظفين، ومن ثم مدرسة البنات الأولى وثانوية البنات ومَدارس أخرى.
وهذه البنى التحتية أسهمت في تطور المدينة وتقدمها، وأخص بالذكر، مكتبة سامراء، التي رعت أجيالا من المثقفين والمتعلمين، فكانت ملتقى الشباب المولع بالمعرفة والأدب.
ولا أعرف أول مَن كان مديرا لها، لكني ومنذ المرحلة الإبتدائية وحتى الإعدادية كنت أعرف الأستاذ البدري رحمه الله مديرا لها، والذي كان أبا ومُؤدِّبا ومعلما وملهما لرواد المكتبة، وكان بالغ الإهتمام بالشباب، فيتابع ما يقرؤونه، ويستدعيهم إلى مكتبه ويوجههم ويشجعهم كثيرا ويعينهم في البحث والإستقصاء، وكنت أراه يحمل أوراق طلب إستعارة الكتب ويفرزها ويستخلص منها أسماء القرّاء الدؤوبين وروّاد المكتبة اليوميين.
وحظيت بإهتمام كبير ومتواصل منه، فقد أدرك ما أميل إليه وما عندي من هوى المعرفة، فكان يرشدني إلى الكتب التي سأقرأها، وكم مرة دعاني إلى مكتبه وناقشني ووجّهني، وقال لي إخترت لك هذا الكتاب وهذه الرواية أو القصة والديوان.
ومضى يتابعني ويرعاني بالمعرفة والكتب حتى أنهيت الإعدادية وذهبت إلى الكلية الطبية، وكلما زرت المكتبة تكون لنا جلسة وسياحة في عالم المعرفة والفكر والأدب الرفيع، وأتلقى توصياته الطيبة المنيرة.
وبعد ان أصبحت طبيبا أهداني كتابا وقال: هذا أنت!!
ولا يزال الكتاب معي، وهو ديوان شعري لأحد رجالات التجلي والإدراك، أقرأه بين الحين والآخر، وأتساءل كيف إستطاع أن يرى حقيقة ذاتي أو جوهر كينونتي.
هذا أنت!!
وكلما أقرأ الكتاب، أقول صدق رحمه الله!!
وبعد تقاعده، أصاب المكتبة الخراب والهجران فانكمشت خزانتها وتبعثرت، وكانت تحوي كتبا نادرة ومطبوعات قديمة وفريدة، فهي من أولى المكتبات فقد تأسست عام 1923 ميلادية.
وقد تعجبت عندما زرتها ذات مرة بمديرها الجديد، وكيف كانت خاوية خالية وعلائم الإهمال بادية عليها، وتملكتني الدهشة وأخذني الحزن عليها في آخر زيارة لها، فكانت موصدة الأبواب، وكأنها قد تحولت إلى موضع لرمي الأنقاض، وعندما سألت عن مصيرها، قالوا: يرحمها الله، تحولت إلى كذا وكذا، وما عاد في خزائنها إلا الفئران.
وقفت متألما أمام هذا الصرح المعرفي الذي علّم أجيالا من أبناء المدينة وأرشدهم، وأمدّهم بطاقات التفاعل الثقافي مع الآخرين، فهناك الكثير من الأسماء التي برزت في الصحافة والثقافة والمعرفة والعلوم، وقد تخرجت من مكتبة سامراء.
فأدركت أن البلد الذي يحتقر المكتبة إنما يحتقر العقل، وإهمال المكتبة يعني إهمال العقل، وإغلاقها يعني إغلاقه وقتله.
ويبدو أنّ من المسؤولية الوطنية والتاريخية إعادة مكتبة سامراء إلى الحياة، لأنّها إرث ثقافي ومَعلم تأريخي حضاري لا يقدّر بثمن.
فلا أعرف مصير المكتبة بعد هذا الفراق الطويل، لكني كتبت عنها قبل أكثر من عقدٍ من الزمان، وأحن إليها لأنها علّمتني وأخذتني إلى سوح الآداب والمعارف العالمية والإنسانية.
فتحية لمكتبة سامراء التي وهبتنا أروع ما يمكن أن تعطيه مكتبة لأبنائها.
فهل ذهبت المكتبة أم لازالت باقية، وهل أعيدت الحياة إليها؟
أم قُرِئت الفاتحة عليها، كحال مَعالمنا الثقافية الباهرة؟!
ذلكَ الصَرحُ المُنيرُ المُلهمُ
جَعلَ العقلَ بديعاً يَغْنمُ
فرأى نوراً بَهيجاً واهجاً
ومَضى سوراً مَنيعاً يَعْصِمُ
بؤرةُ الإدراكِ شعَّتْ وذوَتْ
وأساها في الحَنايا يَقضِمُ
***
د. صادق السامرائي








