ينظر إلى الانطباع الأول على أنه أحد العوامل الأكثر تأثيراً في قرارات التوظيف وقبول الموظفين والإقتناع بهم، إلا أنه في الوقت ذاته قد يكون من أكثرها تضليلاً وخداعاً إذا لم يدعم بمعايير علمية وموضوعية قادرة على التعرف على قدراتهم ومهارتهم وتوجهاتهم الإيجابية وخبراتهم العلمية والعملية التطبيقية. فكثير من المديرين قد يتأثرون بالصورة الأولى التي يقدمها المرشح، سواء من خلال أسلوب حديثه، أو ثقته بنفسه، أو حضوره الشخصي وتأثيره في المقابلات الشخصية، أو قدرته على عرض خبراته بطريقة جذابة ولافته للاهتمام والانتباه، فيتكون لديهم انطباع إيجابي يدفعهم إلى ترجيح كفته قبل التحقق من كفاءته الفعلية وقدراته.
وفي المقابل، هناك مرشحون يمتلكون مهارات عالية في التسويق لأنفسهم، ويجيدون إبراز نقاط قوتهم وإخفاء جوانب ضعفهم، مما يجعلهم أكثر قدرة على التأثير في لجنة المقابلة، رغم أن أداءهم الحقيقي في بيئة العمل قد لا يعكس تلك الصورة اللامعة التي رسموها لأنفسهم وقدموها للمسؤولين والمعنيين بتوظيفهم.
ولا يقتصر الأمر على المرشح، بل قد يكون المدير نفسه طرفاً في هذه المعادلة؛ إذ قد يتأثر بعواطفه، أو بخبراته السابقة، أو بتحيزاته الشخصية والثقافية والفكرية، أو يتسرع في إصدار الأحكام واتخاذ القرارات المتعجلة، فيمنح الانطباع الأول وزناً أكبر مما يستحق. وهنا تصبح قرارات التعيين عرضة للأخطاء والإنزلاقات، وقد لا تحقق مبدأ وضع الشخص المناسب في المكان المناسب.
إن الإدارة الحديثة تؤكد أن المقابلة الشخصية، مهما بلغت جودتها وقيمتها، ليست سوى أداة واحدة من أدوات التقييم واختيار الموظفين، ولا ينبغي أن تكون الأساس الوحيد لاتخاذ القرار. فالتوظيف الفاعل يتطلب منظومة متكاملة تشمل معايير واضحة، ومقابلات سلوكية منظمة، واختبارات للكفايات الشخصية والمهنية، والتحقق من الخبرات، وقياس المهارات الفنية والسلوكية، بما يضمن عدالة الاختيار ودقته.
لقد أثبتت العديد من الدراسات في علم النفس التنظيمي أن الانطباعات الأولى قد تتأثر بما يعرف بـ"تأثير الهالة" (Halo Effect)، حيث تؤدي صفة إيجابية واحدة إلى تكوين صورة إيجابية نمطية عامة عن الشخص، بغض النظر عن بقية جوانب أدائه والمهارات أو الخبرات اليت يمتلكها. وهذا من أكثر التحيزات شيوعاً في المقابلات الوظيفية، وقد يؤدي إلى إغفال مرشحين أكثر كفاءة وأقدر على تحقيق أهداف المنظمة ورسالتها.
إن نجاح المنظمات لا يبدأ باختيار الأشخاص الأكثر إقناعاً في المقابلة، بل باختيار الأكثر كفاءة وقدرة على تحقيق النتائج والانسجام مع ثقافة المنظمة وقيمها وسياساتها. ولذلك، فإن القائد الناجح هو من يوازن بين حدسه المهني والبيانات الموضوعية، ويجعل قراراته قائمة على الأدلة لا على الانطباعات المتهورة والمندفعة.
فالانطباع الأول قد يفتح باب الفرصة، لكنه لا ينبغي أن يكون وحده من يحسم قرار التعيين والتوظيف؛ لأن المؤسسات تبنى بالكفاءات الحقيقية، لا بالصور الذهنية المؤقتة، والقيادة الرشيدة تدرك أن العدالة في الاختيار هي الخطوة الأولى نحو بناء فرق عمل قوية ومستدامة تعمل لبناء الحاضر وتشييد المستقبل بإيجابية.
***
د. أكرم عثمان
1-8-2026








