"مَنْ أنا؟".. سؤالٌ يشغل عقولنا بالتفكير، ويهرُبُ بنا من الإجابات التقليدية والمكررة التي فُرِضت علينا. الحقيقةُ الصادمة أنه لا توجد مساحة جغرافية محددة تعبر عن حقيقتنا، وحتى أنفسنا لا تعبّر عنا بشكل كامل؛ هناك شيءٌ عميقٌ جداً يختبئ خلف المظاهر المادية. نحن محاطون بالكثير من الأشياء والأماكن التي نظن أنها تمنحنا الهوية، لكن لكل إنسان سياق خاص وهامش يختلف من مكان لآخر. مَنْ يملك الوعي الكافي ليعرف الحقيقة؟ إن المشكلة الكبرى لا تكمن في تكرار الإجابات الجاهزة، بل في البحث عن حقيقة أنفسنا التي سنُسأل عنها يوماً ما.
نعم، يتفاخر الكثيرون بالقول المأثور: "تلك أرضي.. وذلك وطني". هذا القول يملؤنا بالشوق الشديد، ويحرقنا الحنين في الغربة، فنعلن حبنا الجارف للوطن ونشتاق إليه بصدق. لكن، هل نحن نشتاق للوطن بمعناه المادي الملموس فقط؟ الوطن بكل أشكاله وتضاريسه؟ هل يعقل أن يشتاق الإنسان لأرض جافة ومجردة من التراب والأعشاب؟
في الحقيقة، نحن لا نشتاق للتراب كجماد لا يتحرك، بل قد لا نفهم النفسية العميقة وراء ربط مشاعرنا القوية بعطر الأرض وجغرافيتها. الحقيقة هنا أن هناك مواقف، وأحداثاً، وعلاقات إنسانية مرت فوق هذه الأرض، فصنع عقلنا خيوطاً عاطفية ربطت قلوبنا بها. تبدو هذه المشاعر حقيقية وواضحة جداً، لكن جوهر الحقيقة أبعد من ذلك بكثير.
والسؤال الأكثر عمقاً في وعينا: هل تستحق تلك المواقف العابرة أن نربط بها حياتنا ووجودنا بالكامل؟ وماذا يحدث لو انقطعت هذه الروابط العاطفية فجأة.. ووجدنا أنفسنا نواجه الحقيقة وجهاً لوجه بلا أوهام جغرافية؟
***
إيمان عبد الحكيم خريسات








