عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام حرة

سعد عبد المجيد: الفساد المالي في الشرائع العراقية القديمة

من إصلاحات اوركاجينا الى شريعة حمورابي

حاولتُ أن أبحث عن مصطلح «الفساد المالي» في شريعة حمورابي والشرائع العراقية القديمة، فلم أجد هذا التعبير بمفهومه الحديث، لكنني وجدت العديد من النصوص القانونية التي عالجت أفعالاً تندرج اليوم ضمن هذا المفهوم، مثل الرشوة، وخيانة الأمانة، واستغلال المنصب، والتلاعب بالأموال، والإهمال الذي يسبب خسائر للأفراد أو للدولة. لذلك سأستخدم في هذه المقالة مصطلح «الفساد المالي» بوصفه مفهوماً جامعاً يضم جميع هذه الأفعال.

يُعد الفساد المالي من أقدم الظواهر التي عرفتها المجتمعات البشرية، إذ ارتبط بظهور الدولة والسلطة والمال العام. فكلما وُجدت سلطة تمنح النفوذ، وُجد من يسعى إلى استغلالها لتحقيق مكاسب شخصية. لذلك لم يكن مستغرباً أن تتضمن الشرائع العراقية القديمة نصوصاً قانونية هدفت إلى حماية الأموال والحقوق، وضمان نزاهة القضاء والإدارة، ومحاسبة المسؤولين المقصرين أو الفاسدين. وقد أدرك السومريون والأكاديون والبابليون منذ وقت مبكر أن الدولة لا تستقيم إذا استُغل المنصب، أو ضاعت أموال الناس، أو غابت العدالة، فوضعوا تشريعات هدفت إلى حماية المال العام، وضبط عمل الموظفين والقضاة والتجار، ومحاسبة كل من يسيء استخدام سلطته.

يُعتبر أوركاجينا، حاكم مدينة لكش السومرية (حوالي 2350 ق.م)، أول مصلح اجتماعي وإداري معروف في التاريخ، إذ سبق حمورابي بنحو ثلاثة قرون. فقد وجد أن كبار الموظفين والكهنة وجباة الضرائب يستغلون مناصبهم لابتزاز الناس، ويستولون على ممتلكاتهم، ويفرضون رسوماً غير مشروعة، فأصدر سلسلة من الإصلاحات هدفت إلى الحد من نفوذهم. وتشير النصوص السومرية إلى أنه منع استغلال الفقراء والأرامل، وألغى كثيراً من الرسوم التعسفية، وحدّ من تجاوزات كبار الموظفين، وأكد أن السلطة وجدت لخدمة الناس لا لاستغلالهم. ورغم أن إصلاحاته لم تصلنا كاملة، فإن ما بقي منها يكشف بوضوح أن إساءة استعمال السلطة والابتزاز المالي كانا من المشكلات التي واجهتها المجتمعات العراقية منذ فجر التاريخ. ورغم أن هذه الإصلاحات لم تكن قانوناً شاملاً، فإنها تمثل أول محاولة معروفة لمحاربة الفساد الإداري والمالي.

وبعد ذلك بنحو قرنين، أصدر الملك السومري أور نمو (حوالي 2100 ق.م) أقدم قانون مكتمل وصل إلينا. ويُعد هذا القانون بداية مرحلة جديدة في تنظيم العدالة بالقانون، إذ امتاز باعتماده الغرامات المالية في كثير من الجرائم بدلاً من العقوبات البدنية، كما نظم العلاقات المالية والتجارية، وحمى حقوق الملكية، وأكد ضرورة وجود الأدلة والشهود في المنازعات. وقد أسهم ذلك في الحد من الاحتيال، وحماية التعاملات الاقتصادية من التلاعب.

وفي مطلع الألفية الثانية قبل الميلاد، أصدر لبت عشتار (Lipit-Ishtar)، خامس ملوك سلالة إيسن في جنوب بلاد الرافدين، شريعته التي تُعد من أقدم الشرائع العراقية القديمة، وقد سبقت شريعة حمورابي بنحو 150–170 عاماً. واهتمت هذه الشريعة بتنظيم العقود، والملكية، والإيجارات، والديون، ووضعت قواعد واضحة لحماية الحقوق المالية، بما يقلل فرص الاستغلال والنزاعات.

قانون أشنونا (Eshnunna) هو مجموعة من القوانين أصدرها أحد ملوك أشنونا، ويرجح معظم الباحثين أنه الملك دادوشا (Dadusha) أو أحد أسلافه، وذلك نحو 1930–1770 ق.م، أي قبل شريعة حمورابي بعدة عقود. وقد عُثر على نصوص هذا القانون مكتوبة بالخط المسماري على ألواح طينية، وقد ركزت على تنظيم الأسواق والأسعار والأجور، وحدد أسعار كثير من السلع، والخدمات، وأجور العمال، والنقل. ورغم أن هدفه الرئيس كان تحقيق الاستقرار الاقتصادي، فإنه أسهم أيضاً في الحد من الاحتكار والاستغلال والغش التجاري. ويُعد من أهم الشرائع التي مهدت لظهور شريعة حمورابي. وأشنونا هي مملكة عراقية قديمة تقع في منطقة ديالى شرق بغداد الحالية، ويقع موقعها الأثري في تل أسمر (Tell Asmar). وكانت من أهم الممالك في بلاد الرافدين خلال العصر البابلي القديم، خاصة بين القرنين العشرين والثامن عشر قبل الميلاد.

وفي النصف الثاني من الألفية الثانية قبل الميلاد، ظهرت القوانين الآشورية الوسطى التي عكست تطوراً جديداً في التشريع العراقي القديم، ولا سيما في تنظيم المسؤوليات والواجبات القانونية. ورغم أن هذه القوانين اشتهرت بصرامة عقوباتها، فإنها تضمنت أيضاً أحكاماً لحماية الملكية، وتنظيم العقود، ومعاقبة خيانة الأمانة والاعتداء على الحقوق. كما أولت اهتماماً بمساءلة الموظفين ومن يتولون مسؤوليات عامة، مما يؤكد أن حماية المال والحقوق، ومحاسبة من يسيء استغلال السلطة، ظلت مبادئ راسخة في التشريع العراقي عبر العصور، ولم تكن مقتصرة على شريعة حمورابي وحدها.

ثم جاءت شريعة حمورابي (حوالي 1754 ق.م) لتتوج تطور التشريع العراقي القديم في قانون متكامل ضم نحو 282 مادة تناولت مختلف جوانب الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية. ورغم أنها لم تستخدم مصطلح الفساد المالي، فإنها عالجت معظم صوره المعروفة آنذاك.

لقد أولى حمورابي القضاء أهمية خاصة، لأنه أدرك أن العدالة هي أساس استقرار الدولة، وأن فساد القضاء أخطر من فساد المال، لأن القاضي الفاسد يهدم ثقة الناس بالنظام كله. لذلك نصت الشريعة على عقوبات صارمة بحق القضاة الذين يتراجعون عن أحكامهم بعد إصدارها أو يثبت ارتكابهم مخالفة جسيمة. فإذا أصدر القاضي حكماً موثقاً ثم غيّره دون سبب قانوني، عُزل من منصبه، وأُلزم بدفع غرامة تعادل اثني عشر ضعف قيمة الدعوى، ومُنع من ممارسة القضاء مرة أخرى. وتكشف هذه المادة عن إدراك مبكر لخطورة التلاعب بالأحكام، سواء كان ذلك نتيجة رشوة، أو نفوذ، أو محاباة.

وكانت المعابد والقصور الملكية تمثل مراكز السلطة والثروة في الدولة البابلية، ولذلك أولت الشريعة عناية خاصة بحماية ممتلكاتها. فقد اعتبرت سرقة أموال المعبد أو القصر جريمة تمس هيبة الدولة والنظام العام، وعاقبت مرتكبها بالإعدام. كما نصت على أن من يشتري أو يتسلم أموالاً مسروقة من ممتلكات الدولة أو المعابد، وهو يعلم أنها مسروقة، يتحمل المسؤولية نفسها. وبذلك شملت العقوبة كل من ساعد على تصريف المال المسروق أو إخفائه، وهو مبدأ يقارب في جوهره ما تعرفه التشريعات الحديثة من تجريم التعامل بالأموال المتحصلة من الجرائم.

وفرضت الشريعة مسؤولية قانونية واضحة على الأمناء والوكلاء والتجار والمزارعين الذين يتولون إدارة أموال الآخرين. فإذا تسلم شخص مالاً أو بضائع أو محاصيل ثم أنكر استلامها أو اختلسها، أُلزم بردها كاملة مع التعويض المناسب، وقد تصل في بعض الحالات إلى عقوبات جسدية أو أشد، بحسب طبيعة الجريمة. كما ألزمت الوكلاء والتجار بتقديم حسابات دقيقة، وأقرت مبدأ التوثيق بالشهود والعقود المكتوبة للحد من التلاعب والاحتيال. ويُعد ذلك من أقدم صور الرقابة المالية والإدارية في التاريخ.

وامتد اهتمام الشريعة إلى تنظيم النشاط الاقتصادي ومنع الغش في المعاملات، فوضعت قواعد دقيقة للبيع والشراء والإقراض والأجور والإيجارات، وحددت مسؤولية كل طرف في العقد. كما منعت استخدام الموازين والمكاييل غير الدقيقة، واعتبرت الغش في التجارة اعتداءً على حقوق الناس، وهو ما يعكس إدراكاً مبكراً لأهمية نزاهة الأسواق في استقرار المجتمع.

ومن المبادئ المهمة التي تميزت بها شريعة حمورابي تحميل أصحاب المهن مسؤولية أخطائهم. فإذا تسبب البنّاء، نتيجة الإهمال أو سوء التنفيذ، في انهيار منزل ومقتل صاحبه، عوقب بالإعدام. وإذا تسبب في خسائر مادية، أُلزم بإعادة البناء على نفقته الخاصة وتعويض المتضررين. ورغم قسوة هذه العقوبات بمقاييس العصر الحديث، فإنها جسدت فكرة قانونية جوهرية ما زالت التشريعات المعاصرة تأخذ بها، وهي أن صاحب المسؤولية يتحمل نتائج تقصيره.

وقامت فلسفة الشريعة على مبدأ التناسب بين الجريمة والعقوبة، وهو المبدأ الذي عُرف لاحقاً بقاعدة «العين بالعين والسن بالسن»، مع اختلاف تطبيقاته بحسب طبيعة الجريمة والمكانة الاجتماعية للأطراف. وكانت العقوبات شديدة، وتضمنت الإعدام، وبتر الأطراف، والغرامات الباهظة، والعزل من المنصب. ولم يكن الهدف من هذه القسوة الانتقام بقدر ما كان تحقيق الردع وحماية المجتمع في زمن كانت فيه هيبة الدولة تعتمد على قوة القانون وسرعة تطبيقه.

وإذا قورنت شريعة حمورابي بالتشريعات الحديثة، نجد أن مفهوم الفساد المالي أصبح اليوم أكثر اتساعاً، إذ يشمل الرشوة، والاختلاس، واستغلال النفوذ، وغسيل الأموال، والتهرب الضريبي، والإثراء غير المشروع، وتضارب المصالح، والفساد في العقود الحكومية.

ومع ذلك، فإن اللافت للنظر أن المبادئ الأساسية التي قامت عليها مكافحة الفساد قبل نحو أربعة آلاف عام ما تزال حاضرة في التشريعات الحديثة، وفي مقدمتها حماية المال العام، ومحاسبة المسؤولين، وتجريم خيانة الأمانة، وفرض المسؤولية على من يسيء استخدام السلطة.

وتكشف شريعة حمورابي أن مكافحة الفساد رافقت نشوء الحضارات الأولى. فقد أدرك البابليون أن قوة الدولة تُقاس بقدرتها على إقامة العدالة، وصون المال العام، ومنع استغلال السلطة وليس باتساع أراضيها أو كثرة جيوشها. ورغم مرور ما يقارب أربعة آلاف عام على صدور تلك الشريعة، فإن رسالتها ما تزال صالحة لكل زمان: إن الدولة التي تتسامح مع الفساد، مهما بلغت قوتها، تضع أسس انهيارها بيدها، أما الدولة التي تُخضع الجميع لسيادة القانون، فهي الأقدر على الاستمرار وبناء الثقة بين الحاكم والمحكوم.

ومن المفارقات المؤلمة أن الأرض التي شهدت أولى المحاولات المنظمة لمحاربة الفساد أصبحت اليوم من بين أكثر البلدان معاناة منه. ففي الوقت الذي سنّ فيه العراقيون القدماء قوانين لحماية المال العام قبل أكثر من أربعة آلاف سنة، ما زال العراق الحديث يكافح لاستعادة المبادئ نفسها: سيادة القانون، ونزاهة الإدارة، واستقلال القضاء، والمساءلة.

ولعل أعظم درس تقدمه لنا تلك الشرائع هو أن الحضارات تسقط حين يصبح الفساد أقوى من القانون ويغيب العدل، وتُستباح الأمانة.

***

سعد عبد المجيد ابراهيم

 

في المثقف اليوم