عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام حرة

ثامر الحاج أمين.. "توبة".. لكنها قسرية

لا بأس أن يستيقظ ضمير الإنسان يوماً، فيراجع ما اقترفه من أفعال آذت الآخرين وأغنته على حسابهم، فلا بأس أن يتوب من اعتاد الربا، أو فرض الرشوة، أو امتهن الابتزاز، أو استغل سلطته لتحقيق منافع شخصية، فيقلع عن ذلك طوعاً ويؤدي واجبه بإخلاص ومن غير رياء، فنحن نفهم التوبة على أنها رجوع إلى جادة الصواب بعد الإقلاع عن المعصية، وندم صادق، وعزم أكيد على عدم العودة إليها. كما نؤمن بأن باب التوبة مفتوح لكل من أراد التكفير عن ذنبه، شريطة أن تنبع من قلب امتلأ بالصدق، لا من ظرفٍ فرضه العجز أو انقطاع الأسباب، غير أن سؤالاً مشروعاً يفرض نفسه: ما الحكم الشرعي والأخلاقي والاجتماعي لما ترتب على تلك الأفعال قبل إعلان التوبة؟ وهل تكفي التوبة وحدها لمحو آثار المظالم التي لحقت بالناس؟.

لنتأمل حال موظف أمضى سنوات خدمته يبتز المراجعين، ولا ينجز معاملة إلا بعد أن يتقاضى رشوة  وقد جمع بهذه الوسائل ثروة طائلة من المال الحرام، شيّد بها منزلاً فخماً، واقتنى سيارة فارهة، ولم يتوقف عن هذا السلوك إلا عندما أُحيل إلى التقاعد، بعد أن فقد السلطة التي كانت تدر عليه ذلك المال، عندها فقط تذكّر ربه، وأخذ يسبّح بحمده في الليل والنهار، وحرص على أداء الصلوات في أوقاتها، والصيام، وسائر العبادات، وراح يزاحم المصلين في الصفوف الأولى، متقلداً سبحته الشرعية، وقد ارتسم على جبينه أثر السجود، بينما بقيت ثروته، التي جُمعت من الرشوة والابتزاز، على حالها، وكأنها أصبحت مالاً مشروعاً بمجرد إعلان التوبة .

فهل تكون هذه توبة حقيقية، أم أنها توبة فرضها انتهاء القدرة على الاستمرار في ارتكاب الذنب؟ وهل تكتمل التوبة شرعاً وأخلاقاً من دون رد الحقوق إلى أصحابها، أو التخلص من الأموال التي جُمعت بغير حق، أو السعي إلى جبر الضرر الذي أصاب المظلومين؟

إن التوبة ليست طقوساً تُمارس، ولا مظاهر تديّن تُرى بالعين المجردة، وإنما هي موقف أخلاقي قبل أن تكون ممارسة دينية. والتوبة الصادقة لا تكتمل إلا بإعادة الحقوق إلى أهلها، أو بذل كل ما يمكن لرد المظالم، والاعتراف بالخطأ، والندم عليه، أما أن يتوقف الإنسان عن الذنب لأنه لم يعد قادراً على ارتكابه، ثم يلبس ثوب الورع من غير أن يراجع ما في ذمته من حقوق العباد، فذلك يثير سؤالاً كبيراً عن حقيقة هذه التوبة: أهي توبة اختيار... أم توبة قسرية فرضها الزمن؟ .

***

ثامر الحاج أمين

في المثقف اليوم